مقالات

يوسف الغزال

التعليم قبل الطباعة

أرشيف الكاتب
2023/01/19 على الساعة 16:23

بدأت الطباعة تتطور بعد إختراع بدائي للمخترع الألماني جوتنبرج (Johann Gutenberg) عام 1440م. في ليبيا تأسست عام 1866 صحيفة «طرابلس الغرب» من قبل الوالي العثماني، حيث صدرت في طرابلس من ورقتين الأولى باللغة التركية والثانية باللغة العربية، ولم نحافظ على اقدميتها كما حافظ المصريون على صحيفة الاهرام التي صدرت عام 1875 بعد طرابلس الغرب بتسع سنوات.

كان في ليبيا حتى مطلع السيتنيات تعتبر مهارة القراءة من مظاهر الفخامة والحضارة والرقي، كان بعض الناس يتباهى بالجلوس في المقهى ويمسك بالجريدة مقلوبة في يده أو يتظاهر بأنه يقرأ الجريدة. 

للطباعة أهمية كبرى في إنتشار التعليم والمساهمة في محو الأمية بين كل الشعوب، كانت الكتب المنسوخة باليد لاتقرأ بسهولة لم يكن رسم الحرف موحدا بين كل النساخ حيث نجد كل ناسخ يرسم الحرف على طريقته وكذلك يوجد فروق كبيرة بين الخطوط، فالخط المغاربي يختلف عن الخطوط المشارقية حتى في وضع النقاط على الحروف لم يكن موحدا، ولهذا حتى من يتقن القراءة لايستطيع قراءة كل الكتب المنسوخة لاختلاف طريقة رسم الحرف وغموض الكتابة قبل أن يتم توحيد (رسم الحرف) بفضل المطبعة.

قبل قيام الدولة العصرية ومدارس التعليم الحديث، لم يكن من ثقافة عامة الناس تعليم أولادهم، وأن من يتعلم القراءة والكتابة ليس له أهمية في الحياة اليومية لعدم وجود مدارس حديثة أوظائف للدولة تستوعب المتعلمين ولا توجود كتب مطبوعة أو صحف أو مجلات مثل اليوم، كانت المهنة الوحيدة لمن أتقن القراءة والكتابة هى مهنة مربي صبيان في الجامع، وهي تعتبر مهنة وضيعة، حتى أن معلم الصبيان لاتقبل شهادته في القضاء الشرعي، وكل الاحترام للحرف الأخرى المنتجة مثل الحداد أو النجارة أو الخراز أو الاسطى البناي أو الصائغ الذهب والفضة.

العيب الكبير في تعلم القراءة أنها تنسى بسرعة بعدما يبذل فيه الطلاب مجهودا كبيراً في تعلم القراءة والكتابة، كثيراً منهم ينساها لعدم وجود ما يقروأ من كتب أو صحف في زمن ما قبل الطباعة الورقية الحديثة، لقد رأيت من جيلي من تعلم القراءة ثم نساها عندما كبر، كثيراً من حفظ القرآن عن ظهر قلب ثم نساه، فإستمرار الحفظ يحتاج للتلاوة المتواصلة، والإستماع لمصاحف مسجلة أو إذاعات قرآنية وهذه إمكانيات غير متوفرة قبل السيتنيات، حتى الكتب المطبوعة نادرة، المصاحف المنسوخة باليد غير غير متوفرة وإن توفرت فإنها غير واضحة صعب جدا قراءتها، فالحرف ليس له رسم واحد كما في المطبعة حيث كانت الكتابة نسخ باليد على اللوح أو الجلود أو على ورق الكاغط.

لماذا يتعلم القراءة وهو ليس لديه ما يقرأ؟

كان الانسان يعيش يموت وهو لم يرى إسمه مكتوب على ورقة أو بطاقة شخصية كانت حياة الاميين لا كتابة فيها ولا قراءة، والبعض يرى تعلم القراءة والكتابة قد يفتح باب للزندقة وقراءة كتب السحر مثل كتاب البوني (شمس المعارف الكبرى) هذا الكتاب الخطير الذي يخشى الناس حتى لمسه ناهيك عن الإحتفاظ به في البيت، أو كتب التحكم في الجن مثل (الجواهر اللماعة لإحضار الجن في الوقت والساعة) قراءة القصص الفاحشة مثل (حكايات الف ليلة وليلة). الكتاب غير متوفر والمتوفر منها كانت كتب سحر وزندقة تضر لاتنفع، ومن أراد قراءة القرآن عليه بحفظه في قلبه. 

ومن عوامل إهمال التعليم كانت العائلات تحتاج لأبنائها الأذكياء والاقوياء منذ الصغر لأعمال الفلاحة أو للسفر التجارة أو تعلم مهنة تنتج سلعة مثل صائغ ذهب أو حداد أو نجار أو نحاس أو خراز أو حلاق أو طحان أو حتى حمال أشرف من مهنة الفقي مربي الصبيان، لقد بلغت السخرية من الشيخ أو الفقي حتى شاع مثل شعبي يقول (خودي فقي لين تلقي راجل).

لقد رأيت ورأى جيلي معي أن التعليم كان مقتصر على التعليم الديني وعلى حفظ القرآن لضرورة حفظ القرآن في الصدور لعدم توفر المصاحف كما هى متوفرة اليوم بعد عصر الصناعة وإختراع المطبعة.

كان من الصعب على الفقي الفرد كتابة مصحف بمفرده خالي من الاخطاء ولهذا لم يكن متاحاً كتابة القرآن بنسخ المصاحف برواياته المختلفة، خوفا من الوقوع في الأخطاء، أو التحريف المتعمد، بل من الأسهل حفظه كما هو شائع في الصدور بدل حفظه بالكتابة على الجلود.

لم يكن التعليم ضروري أو الزامي كما تفرضه الحكومات اليوم، كان التعليم ديني محدود في فئة الذكور دون الإناث، وخاصة من المعاقين من العميان و العرجى ومن بهم خلل أو مرض نفسي مثل (التوحد) أو التخلف العقلي وما شبه ذلك حتى شاع أن كل كفيف هو شيخ وكل (مريض بالتوحد) هو درويش أولي من أولياء الله، كان الأسرة تدفع بولدها الكفيف لحفظ القرآن لعل الله يعينه على حياته ببركة القرآن، أما الاولاد الاقوياء الاصحاء هم مطلوبين لتوفير حاجة الاسرة من التجارة والسفر في رحلات طويلة للتجارة أو الفلاحة أو الصناعة اليدوية حتى شاع القول الشهير (صنعة في اليد ولاملك الجد).

التعليم كان في أغلب الأحيان مقتصرأ على المعاقين، ليس في ليبيا فقط بل الى مستوى الوطن العربي، لقد ذكر طه حسين في رواية (الأيام) أن مشايخ القرآن كانوا مجموعة من الفقراء العميان يتسولون بالقرآن في صعيد مصر، وكان عدد العميان كبير حتى خصصت لهم في الأزهر مكان يسمى (زاوية العميان).

حتى بداية منتصف القرن العشرين معظم حفظة القرآن من المكفوفين أمثال طه حسين وعبدالعزيز الباز وعبد الحميد كشك... وأغلب من تولى وظيفة مفتي في السعودية كانوا من العميان.

منذ أن تأسست المملكة السعودية كل من تولي منصب قاضي القضاة أو منصب مفتي المملكة هم من العميان من الشيخ محمد ابراهيم آل الشيخ عام 1931 ثم تولى الشيخ عبدالله بن حميد عام 1976 ثم خلفه الشيخ عبدالله عبداللطيف آل الشيخ ثم الشيخ عبدالعزيز الباز حتى وفاته عام 2000 ثم الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ كلهم كانوا كفيفي البصر، وذلك لصعوبة الحصول على متعلم صحيح البدن.

كان التعليم للمعاقين دون الاصحاء في زمان لم يكن التعليم ضروري في الثقافة السائدة وعندما طالب طه حسين بأن يكون التعليم حق لكل مواطن (مثل الهواء والماء)، وجد معارضة قوية من الشيوخ والفقهاء المعاقين، وأن هذه الفكرة من دسائس العلمانيين جاء بها طه حسين من أسياده المستشرقين.

البقية تأتي…

يوسف الغزال

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع