مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. أمران عجيبان

أرشيف الكاتب
2023/01/19 على الساعة 16:20

أنا على الرصيف، ومن السيارة نزل صاحبها ليلقي فضلات في السلة، بعد أن تأكد أن لا وراءه من قد يحول توقفه دون حقه في مواصلة السير دون عائق. لفت الأمر انتباهي واستغربت، لأنه كان بإمكانه الاحتفاظ بما رمى في سلة المهملات العامة، التي، بكثرتها وتواجدها في كل شارع ومكان، بعد أقصر مسافة وأوان، تحول دون إلقاء أي شيء، مهما كان، في الطريق العام. ظننت أن ما ألقاه يفرض التخلص منه بسرعة وفي أول مناسبة، لعيب فيه غير محتمل كالرائحة الكريهة مثلا. دفعني فضولي إلى حب التأكد من الدافع إلى ذلك التصرف، فلم أجد ما كان يوجب التسرع في التخلص مما رماه إذ هو لم يكن سوى قشور برتقالة. 

ذكرتني فعلته حالة أخرى مشابهة، حضرتها وأنا لم أكمل الثانية عشرة من عمري، وكان ذلك في جزيرة جربة الفواحة، جنة السواح حسب الإشهار السياحي. كان الألمان قد نزلوا بتونس لحماية انسحاب المشير رومل من ليبيا تحت ضغط المشير البريطاني مونتغومري "بطل العلمين" كما سمي آنئذ، وكان أحد الجنود الألمان جالسا تحت نخلة، يتفرج على ثلاثة أو أربعة رجال يحضرون ويشربون الشاي في ظلها. أعطي الجندي الألماني برتقالة، فأزال قشرتها واحتفظ بها في يده الى أن تمت الجلسة وانصرف والقشور بيده، لأن الحاضرين تغامزوا، فاتفقوا على أن يتركوه بلا مساعدة حتى يروا ما سيفعله. ذهب والقشور بيده، ولا شك أنه احتفظ بها حتى عثر على مكان يجوز فيه، حسب مفهومه النظافة، إلقاء ما بيده.

مفهوم النظافة أي نعم، لأن المفاهيم تختلف باختلاف الثقافات والمستويات الاجتماعية وغيرها. كنا بليبيا، بطرابلس على وجه التحديد، وكنا بصدد تزويد المجاهدين الجزائريين بالسلاح، انطلاقا من مركز اتخذناه في رقدالين. هو كوخ لشيخ مسن من أبناء المنطقة. كنا ثلاثة: أحمد بن بلّة وع. شوشان وكاتب هذه الأسطر. وجدنا مع الشيخ ابن أخيه واسمه مبروك – أحتفظ بلقبه احتراما – فأحضر لنا طبيخ بطاطة. أعطى كلا منا طبقا من تلك اطباق الجميلة بلونين أصفر وأخضر، فلاحظت أن طبقي يحتاج إلى أكثر نظافة، فطلبت ذلك من مبروك. أخذه مني ومسحه بذيل قميصه المتدلي فوق سرواله. عندها قمت وأخذت إبريق الماء القريب منا وأزلت ما كان بالطبق. اعتذر مبروك رحمه الله، بينما انهال علي رفيقاي باللوم والعتاب، فما كان جوابي إلا "ستفهمان فعلتي إن عدتما وعاد ليطعمكما" لأني كنت واثقا من أن مفهوم النظافة لمن يعيش في تلك الظروف والأمكنة، يختلف عن مفهوم الذي يعيش في المدينة بملوثاتها العديدة المختلفة. وذكرتهما بحديث كريم يقول: إذا ولغ كلب إناء أحدكم فليغسله سبعا، إحداهن بالتراب. فالتراب على ما يبدو مطهر يقضي على الجراثيم، ومبروك له دراية بدور التراب لدى أبناء المناطق الصحراوية، فلا حاجة إلا لإزالته ولو باليد فقط.

 بما أن الشيء بالشيء يذكر، علمت والله أعلم، أن عالما فزيائيا ألمانيا وصله هذا الحديث، فأجرى تحاليله، فتأكد من صحة ما جاء به، فأسلم، معتبرا أن من علم ذلك في عصر النبي صلة الله عليه وسلم، أي القرن السابع ميلاديا، وفوق ذلك هو أمّي، فلا شك فيما يدعيه من نبوة. حقا كانت قصة الألماني أم هي ملفقة؟ لست أدري. لكني أغتنمها كي أسأل وأطلب ممن هو أخصائي بين القراء الكرام، أن يتكرم فيقوم بالتجربة، كما فعل الألماني – إن صح الخبر– ويرسل بالنتيجة الينا، فنزيل الشك ونستفيد ونفيد، والله يجزي العاملين.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 25-12-2022

* الصورة من منشورات صفحة السيد عبدالله ابوعذبة وفكرة لتطوير اشكال صناديق القمامة بلمسة جمالية مفرحة.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع