مقالات

د. الصديق بشير نصر

”العاقر“.. مسرحية ذهنية من فصل واحد

أرشيف الكاتب
2022/11/22 على الساعة 13:15

إهداء…

إلى نورالدين خليفة النمر.. صديق الصبا ورفيق الشباب والكهولة، المنحدر من ذلك الزمن الجميل الذي كان أوّل من قرأ هذه المسرحية مع مؤلفها قبل أربعة عقود. أهدي هذا النص المسرحي لعله يذكّره ببواكير زمن الطلب والتحصيل

”لقد تولّد عقل الزمن في مطامير قوى متباينــــة وولد تحريضاً طويل الامتداد يستطيع أن يتداخل في كل وجود. وما علينا إلاّ  أن  نعــود  فنتـــحرى هذا القلب التائه ونفتش عنه في السر العميــق. نعم، هنـــا قد تولّد في الصلوات، في الركوع والسجود، ثم توارى خلف المبهج المغيّب. وكثيرٌ هم الذين لايستطيعون بناءه ما في نفوسهم إلاّ بتسبيحة متسامية، أو  في مشيد أو  في صنم قائم وتمثـال منصوب“. (ريلكه)

”شيئان يملآن نفسي إعجاباً: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي، والقانون الخلقي في نفسي“. (إيمانويل كانت)

مقدمة: بعد أربعة عقود من كتابة النص…

مسرحية (العاقر) عمل درامي كتبته وأنا في مَيْعَة الشباب، إذ لم أتجاوز من العمر يومئذ تسعة عشر ربيعاً، وكان ذلك في عام 1974، وأنا أتهيأ لدخول الجامعة. ومن غرور الشباب ونزقه بعثت بها إلى دار العربية للكتاب لنشرها ولم تُنْشَر، وأرسَلَت الدارُ إليّ رسالةَ شكرٍ واعتذارٍ عن النشر. خمّنتُ يومئذٍ أنّ السببَ ربما يعود لمِاَ ورد في بعض ثناياها من إشارات عن الاستبداد. مضى زمن، وتوارت أحداثه في تضاعيف الذاكرة، وضاع الأصل المخطوط للمسرحية، حتى عثرتُ على نسخةٍ منها عند صديقنا المهندس محمود الزقوزي. ولم أعبأ بها  كثيراً حتى عام 2012 عندما  ضمّنا مجلس  في بيت صديقنا الدكتور محمد بلحاج  حضره صديقنا الأستاذ نور الدين النمر. في تلك الجلسة أثيرت مسألة ظاهرة التدنّي المعرفي والثقافي بالمدارس الثانوية والجامعة في وقتنا الراهن إذا ما قيست بالأجيال المتقدمة، فذكر د. بلحاج أنه وقف على أعمال لطلبة في مرحلة الثانوية لا يكتبها اليوم أساتذة  كبار في الجامعة، ونهض وأحضر لنا نصّاً  ينتمي لتلك المرحلة، وقال إنّ أستاذ الأدب الدكتور عماد حاتم أعطاه ذلك المخطوط. نظرنا إلى المخطوط، فضحك الأستاذ نور الدين، وقال للدكتور بلحاج: ألا تعرف مؤلّف هذه المسرحية؟ أجاب: كلا. فقال له نورالدين: ها هو ذا جالسٌ بين يديك!!. سألني بعضُ الأصدقاء أن أنشر هذه المسرحية، فاستثقلتُ ذلك وأحجمتُ عنه، ورغبت عن التفكير في نشرها، ربما لأنّ النصّ أكبر من عمر مؤلفه، ونشره قد يدفع بعض القارئين إلى إنكار ذلك، فَيُدْرَجُ في باب (اجتراح المآثر).

مسرحية (العاقر) كتبتها في صيف عام 1974، وأنا طالب في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية، وكان عمري يومئذٍ تسع عشرة سنة. وكانت مرحلة الدراسة الإعدادية والثانوية من أخصب سني عمري، حيث قرأت وصديقي نورالدين النمر قدراً هائلاً من كتب الأدب ولا سيما الأدب العالمي المترجم، روايةً ومسرحاً، شعراً ونثراً. كانت مرحلة جنونية في القراءة،  وكنتُ وصاحبي نور الدين  كفرسي رهان يتسابقان مَن يقرأ اكثر، ومَن يعرف ما لا يعرفه صاحبُه. مرت بنا في المدرسة الإعدادية والثانوية، وقبل أن نتحوّل إلى عالم المسرح، مرحلةٌ جنونية نحو مدرسة الرابطة القلمية في المهجر، فقرأنا جميع مؤلفات جبران، ونعيمة، وإيليا أبي ماضي، وكم كان سرورنا حينما تحصلنا فيما بعد على كتب جبران بالإنجليزية: النبي، ورمل و زبد، وقد جاءنا بها صديقنا الأثير من لندن المهندس عبد السلام قرقوم، وكان يومها في زيارة لمدينة الضباب. ولا أنسى يوم حاءني صاحبي نور الدين بكتاب (ميرداد) لميخائيل نعيمة، وهو نظير كتاب جبران (النبي)، وتجادلنا يومها في أيهما أفضل، وربما انتهى الجدل إلى أنّ جبران ألطف عبارة، وأن نعيمة أكثر عمقاً وفلسفة. وأذكر كيف أثارنا كتاب (الغربال) لنعيمة، وقد صادف فينا قلباً خالياً فتمكن على رأي مجنون أبي عامر: (أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى.. فصادف قلباً خالياً فتمكّنا). فصرتُ أحفظ منه مقاطع لأستفزّ بها أستاذ اللغة والأدب، وكان أستاذاً فاضلاً من مصر اسمه عبد الرحمن سلامة، وهو مولع بشوقي ولا يذكر اسمه إلا بعد وصفه بـ (أمير الشعراء). وكنت أردّد كالببغاء: ”بئس أمة جعلت للأدب عميداً، وللشعر أميراً“، واعترف أنّ تلك المرحلة صرفتني عن البارودي، وشوقي، وحافظ، والالتفات مبكراً لشعراء التفعيلة والشعر الحر، وإن كان ذلك لم يدُم طويلاً.

وقد لا يصدّق البعضُ أننا قرأنا جميع السلسلات المختلفة للمسرح العالمي المترجم، مثل: سلسلة (روائع المسرح العالمي) التي كانت تصدر عن لجنة المسرح العالمي المصرية التي كان من أعضائها: أحمد عباس صالح، وحمدي غيث، وريمون فرنسيس، وعبد الرحمن بدوي، وعبد العزيز الأهواني، وعبد الغفار مكاوي، ومحمد غنيمي هلال، ويشرف على هذه السلسلة د. محمد إسماعيل موافي، ونشرت هذه السلسلة تحت اسماء آخرى، مثل: سلسلة (روائع المسرحيات العالمية)، و(مسرحيات عالمية)، وكذلك سلسلة (من المسرح العالمي)  الكويتية. وكنّا نقرأ الأعمال الكاملة المترجمة لكل كاتب مسرحية، فلا نكتفي بقراءة مسرحيةٍ واحدةٍ له أو  اثنتين. قرأنا كلّ ما تُرجم لبرنارد شو، وبول فاليري، وتنيسي وليامز، وجان أنوي، ولويجي بيرانديللو، وغابرييل مارسيل، ودورينمات، وآرثر ميللر، ويوجين أونسكو، وهنريك إبسن، وأنطون تشيخوف، وسومرست موم، وموليير، وشيكسبير، وكريستوفر مارلو، وبومارشيه، وغارسيا لوركا، ويوجين أونيل، وموريس مترلانك، ويوريبيدس، وإسخيلوس، وسارتر، وكامي، وكافكا، وإليخاندرو كاسونا، وخارديل بونثيللا، وماكس فريش، وبريخت، وستريندبرغ، وصموئيل بيكيت، وجان جيرودو.

وما زلتُ أحتفظ بقدر هائل من تلك الأعمال المسرحية المترجمة التي توقفت عن متابعة جديدها بدخولي إلى الجامعة، وانصرافي إلى أجناس أدبية أخرى كالرواية والشعر، فضلاً عن النقد الأدبي، ثم الانصراف إلى عالم الفكر والفلسفة الذي ظلّ يصاحبني حتى هذه الساعة، وإن لم يمنعني من العودة من حين إلى آخر إلى تلك السنين الزاهية من بواكير حياتي.

لقد كنّا نقرأ قراءة انفعالية، وهي قراءة تأثرية عاطفية sentimental تدفع بالقارئ إلى محاكاة ما يقرأ، فلا يكتفي بطلب متعة القراءة فحسب، بل يتعداها إلى أن يصنعَ مثلها. وهذا ما دعاني إلى كتابة مسرحية (العاقر). ولمّا  كنت، يومئذٍ، معجباً أيّما إعجاب بالكاتب السويدي أوغست ستريندبرغ أحد أشهر أعمدة المسرح الذهني، وصاحب الثلاثية الشهيرة (الطريق إلى دمشق)، وصاحب مسرحية (الآنسة جوليا)، ومسرحية (الأب)، وهو مؤسس ما عُرِف بمسرحية الغرفة، وهو ضربٌ من المسرحيات الذهنية الميتافيزيقية، وأبطالها واحدٌ أو اثنان، وقد يكونون في النادر ثلاثة ً. وقد نجد في مسرحيات الغرفة أبطالاً لا يتكلمون أبداً، حاكيته في كتابة مسرحية (العاقر)، وألقيتُ محاضرةً بمدرسة طرابلس الثانوية عن (ستريندبرغ والمسرح الرمزي)، وكانت هروباً من ملاحقة رجال الأمن الداخلي حتى أُوهمهم بأنني بعيد عن التكتلات السياسية، ولا سيما التيارات الإسلامية التي اقتيد الكثيرون من أتباعها إلى السجون، وكان من بينهم أصدقاء لي في الثانوية. 

حينما هممتُ بكتابة (العاقر) كان يدور في خلَدي فكرتان. الأولى: فكرة الصراع بين الشمال والجنوب. الشمال ويمثله الغرب الأوروبي المتفوق، منشأ الإبداع وموطن النجاح، والجنوب ويمثله العالم الثالث والثاني بكلّ ما فيه من فقر وأمراض وتخلّف علمي. وقد عالج هذا الموضوع الروائي السوداني الطيب صالح في روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) التي صدرت في منتصف الستينيات مُحدِثةً  دويّاً في عالم الرواية العربية يومئذٍ. فاختزنت ذاكرتي هذه المسألة التي كانت تعدّ يومئذٍ جديدةً في المعالجات الروائية  حتى أضحت مثار بحث في الأدب والنقد. والفكرة الثانية: الوقوع تحت تاثير روايات فرانز كافكا ومسرحيات صموئيل بيكيت، ولا سيما رواية كافكا (المحاكمة) التي ترجمها لأول مرة مصطفى ماهر عن الألمانية تحت عنوان (القضية)، وظلّ اسم بطل الرواية جوزيف ك، عالقاً بذهني فجعلني ذلك انتحل هذا (الحرف) ليكون اسماً لأحد أبطال مسرحيتي، بل جعلتُ  أسماء أبطال المسرحية حروفاً (م، و، ك) محاكاة لذلك.  ولا سيما أيضاً مسرحية (في انتظار غودو) العبثية لصموئيل بيكيت، التي تتلخص في الانتظار العبثي، أو انتظار الوهم. كان ذلك هو البنية التحتية للمسرحية، وإن كان البناء الدرامي والفكري الفوقي للمسرحية غير ذلك.

صدّرتُ المسرحية باقتباسين، أحدهما للشاعر ريلكه، والآخر للفيلسوف إيمانويل كانت، يوم كنتُ مهووساً بالأدب العالمي، وتاريخ الفلسفة، وذلك عندما عكفت أقرأ بجنون في كتاب (قصة الفلسفة) لوِل ديورانت، وكتاب (الفلسفة الفرنسية من ديكارت إلى سارتر)، للفيلسوف الفرنسي جان فال، وكتاب (تاريخ الفكر الفلسفي من القرون الوسطى حتى العصر الحديث) لأندريه كريسون، وهذا الأخير ورثته عن أبي رحمه الله مع ديوان خليل مطران. وهذا التصدير بذينك الاقتباسين قد لا يُصدّق أنهما من اختيار طالب في الثانوية.

(العاقر) مسرحية ترجع إلى فترة مبكرة من حياتي، تدغدغ عواطفي وتهيّج أشجاني، وتستدعي ذكرياتٍ جميلةً، ولو قيل لي: إذا كتبتها اليوم، فكيف تكتبها؟ لأجبتُ: ”لو  شئتُ ذلك لكتبتها اليوم بطريقة مغايرة، تعكس تطوري العقلي والفكري. وأنا اليوم غير أنا قبل أكثر من أربعين سنة“. 

لم أغيّر شيئاً في النص، وأبقيته على ما هو عليه حتى بعض الأخطاء الطفيفة، مثل: الأظافر، وصوابها: الأظفار، أو  موضع الهمزة المتوسطة في اثنتين أو ثلاث كلمات. وألحقتُ بالنص المطبوع صفحات من النص المخطوط بيدي دليلاً على صحة الدعوى.

(العاقر) نصٌّ مسرحيّ، نتاجٌ لنزق الشباب وجرأته. وربما وُلِد قبل أوانه !!  

ربّ زمنٍ بكيت منه فاضحكني، وربّ صحبٍ مَضَوا ولم يودّعوا. سقى الله تلك الأيام الحسان.

الصديق بشير نصر

* النص كاملا على (هذا الرابط)

إدريس الفاسي | 24/11/2022 على الساعة 19:12
إبداع
تحية لأستاذنا الفاضل، الدكتور الصديق بشير نصر، فقد آتاه الله العلم والحكمة منذ أن كان شابا يافعا، فبلغ مرتبة الأديب المفكر الناقد، قبل أن يكمل العقد الثاني من عمره، ومسرحية "العاقر"، التي كتبها الأستاذ الصديق، قبل أن ينال الشهادة الثانوية، تشهد له بسعة علمه، ودقة فهمه، وامتلاكه لشتى المفاهيم العلمية والثقافة الواسعة في تلك المرحلة العمرية، وأعلاها شأنا، ذلك الأسلوب الأدبي الرصين، الذي صاغ به مشاهد حوارية حية، بين شعراء وأدباء ومفكرين، تميزت أحاديثهم وحواراتهم، بالمزج السلس بين علوم الأدب والفلسفة والاجتماع والسياسية وعلوم الطبيعة. مسرحية "العاقر"، إنتاج أدبي متميز، حٌقّ له أن يرى النور، والذي كان بذرة طيبة للإنتاح الأدبي والفكري لأستاذنا الدكتور الصديق بشير نصر، والذي تميز بتصوير جانب من الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي، الذي كان يعيشه كاتبنا الأستاذ الدكتور الصديق في النصف الأول من عشرية السبعينات، وهذا الإنتاج الذي جاء في قالب مسرحية، لو قدر له العرض على خشبة المسرح، لكان أثره على مشاهديه، أقوى من نشوة الاستمتاع بما فيه من أدبيات، لعمق أسوبه الأدبي الممزوج بثقافة علمية وفكرية ناصعة
فرج الترهوني | 23/11/2022 على الساعة 06:28
تاريخٌ أدبيّ حافل
يا للروعة يا سيدي سقى الله ذاك الزمانا أنت هنا تستذكر تاريخا ثقافيا وفكريا يندر أن يكون له مثيل في تلك البيئة الطاردة لكل صنوف الثقافة والأدب والفنون، ومُحقّ من علّق حول ظاهرة التدنّي المعرفي والثقافي بالمدارس الثانوية والجامعات (على وجه الخصوص) في وقتنا الراهن إذا ما قيست بالأجيال المتقدمة، بل نرى أحيانا كوارث تشي بفقر المعرفة العامة لدى كثيرين من الرموز العلمية والثقافية في بلادنا. النصّ رائعٌ إذا ما عرفنا سنّ كاتبه الذي يظهر أنه على اطّلاع كبير بشؤون الثقافة العامة، وهو ما يبدو غير مألوفا حتى في ذلك الزمن تحية خالصة لك ولصديقك النمر.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع