مقالات

عبد المنصف البوري

البحث عن الوطن الضائع في الزمن الضائع

أرشيف الكاتب
2022/11/22 على الساعة 10:26

مضى نصف  قرن وشعبنا الليبي يبحث عن وطن ضائع ويعيش في متاهات وراءها متاهات، لا يعرف ماذا سيحصل؟ ففي كل لحظة حدث جديد، وتغيرات جديدة لا أول لها ولا آخر تفرض نفسها على الواقع، لكي يبرز السؤال كيف يمكن أن يكون هناك مواطنون ولازال جزء كبير من شعبنا يعيش في بلد غني ولكنه جائع، ولازال شعبنا تحت رحمة مسؤول بائع ينشغل بقضايا تدور حول المناصب السيادية قد تؤدي إلى زيادة الانقسام بين دفتي الوطن الضائع، هذا الوطن الذي تزداد جراحه كل يوم بالانقسام البغيض الذي مازال يكشر عن أنيابه ومدى عمقه وسيطرته على العقلية الانتهازية لدى البعض الذين يديرون شؤون البلاد ! فهل ياترى ستموت الأحلام ويرحل الأمل بعيداً ويستمر شعبنا الليبي رهن مشانق الوعود الكاذبة والشعارات الباهتة فيتولد لديه الإحباط واليأس؟، لماذا لا يفهم اصحاب (المعالي) من الطبقة السياسية والعسكرية الفاسدة بعد كل هذه السنوات العشر الماضية ماهى مطالب شعبنا الليبي؟، ومازال إصرار مايسمى بمجلسي النواب والأعلى للدولة على ممارسة لعبة الرحلات الخارجية على الأجندة الرسمية، رغم أنه يمكن القول أن اجتماعاتهم ولقاءاتهم المتكررة ونتائجهما المتوخاة يمكن أن توضع في خانة لا تتجاوز حدود "السياحة والسفر" وإطالة وجودهما،  فكل الجولات والمساومات السابقة حول المناصب القيادية لم تجدي نفعاً طالما بقى كل شئ في البلاد معطلاً ومكبّلاً“، وسيبقى كلا من مجلس النواب والأعلى يتخبط في دوامته العقيمة، وعبثاً سيواصل هذان المجلسان اللف والدوران ما لم تبدأ خطوات المعالجة الجدية من خلال الانتخابات.

ويبدو أن الامورلا تسير في الاتجاه الصحيح فلا تهدأ ولا تسير كما يريد شعبنا الليبي، فالأحداث عندنا متتالية متسارعة ومتداخلة وموجعة ومثيرة، فكلما تصورنا أن يغلق باب حتى يفتح باب أخر وكأن من يديرون شؤون البلاد من المدنيين والعسكريين طاب لهم المقام في مناصبهم ووظائفهم وتناسوا أولويات ومتطلبات شعبنا الليبي وما هو المطلوب منهم تجاه الوطن في حاضره غير المستقر وحق أجياله القادمة في المستقبل، كل هذا بسبب أشخاص أضاعوا بوصلة الطريق وحملوا شعار «نحن ومن بعدنا الطوفان» وذلك بممارساتهم الخاطئة تجاه هذا الوطن وأصبح العبث بمصير البلاد يزداد تكلفة كل يوم وكل شهر وكل عام.

إن الانقسام والتشتت في اعتقاد الكثير من أبناء شعبنا جاء بسبب ممن ركبوا قارب الثورة من المدنيين والعسكريين وأصبحوا أوصيا عليها وعلى الشعب  الليبي وهم من أضاعوا حقوق الوطن والمواطن،هؤلاء انتجوا للوطن شخصيات مريضة بحب المناصب و الوظائف والانغماس في الفساد بكل أشكاله كما صنعوا مؤسسات وأجهزة عاجزة وفاقدة للقدرة على العمل لإنقاذ البلاد واصبح من الواضح أن اوراق التوت التى كانت تغطى عورات مجلسي النواب والأعلى للدولة قد سقطت منذ سنوات لتتكشف لنا حقيقة العقول الفارغة وانعدام الضمائر، فعندما لا يكون هناك إخلاص للوطن والشعب بصورة جادة ودقيقة يكون هناك بالمقابل مزيد من هدر المال والوقت والجهد، والنتيجة المؤكدة هي الفشل والتخبط، وبالتأكيد سوف تسير الأمورعكس الاتجاه الصحيح، فيضيع حق الوطن والمواطن.

البلاد حتى اليوم أيها "السادة" مازالت حتى يومنا هذا نعيش حالة من العقم السياسي الذي ترسخ بفعل مجلسي النواب والأعلى للدولة وكل الطبقة السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها  وعدم القدرة على ايجاد الحلول للخروج من الازمات السياسية، فلا شئ يبدو ينفع أو يشفع لحالة العقم السياسي والفكري نتيجة توجهات فردية مزمنة على مر السنين وكذلك من خلال ممارسات من قِبل بعض المكونات القبيلة والجهوية التي جعلت البلاد تعيش حالة سياسية عقيمة ونادرة وأساليب فرضت واقع مؤلم نتج عنه تكدس وتراكم سياسي عاجز و تورم فكري مما جعل الوضع الراهن في ليبيا انفرادي وتبايني في كل شئ.

رغم سقوط دكتاتورية حكم الفرد العسكري والأسري منذ نهاية عام 2011، وما شهدته البلاد من أشكال التحفظات والتعقيدات السياسية وما مرت به ليبيا عموماً خلال الثمانية سنوات من أحداث جِسام فلم يتحقق شئ للوطن والمواطن،  ورغم ما تسببت فيه الأطراف المتصارعة وما صاحبها  من سقوط الضحايا من أبناء شعبنا وبروز وتفعيل المجموعات اللصوصية الجديدة أو تلك الموروثة من زمن الدكتاتور القذافي والتي تتدثر بالمحصاصة القبلية والجهوية حيث وجدت فيها وسيلة لم تحلم بها من قبل، ربما بسبب صمت أوسع من الأوساط الشعبية في كافة ربوع البلاد باستثناء بعض الاعتراضات والتظاهرات السلمية في عدد من المدن الليبية التي  تطالب بتصحيح الأوضاع المتردية وإنهاء حالة عدم الاستقرار السياسي إلا أن الاوضاع ازدادت تردي ولم تتحسن اطلاقاً فهل هناك غفلة وعدم معرفة بمطالب شعبنا الليبي؟

إن مطالب شعبنا واضحة وضوح الشمس ويعرفها عقيلة صالح وخالد المشري كما تعرفها كل الحكومات السابقة واللاحقة ولكن يتم  تجاهلها من الجميع لأهداف شخصية ومصلحية وسياسية، هذه المطالب أيها "السادة اللصوص وأصحاب الأجندات الشخصية" من المدنيين والعسكريين،  تتلخص ببساطة شديدة في عدم رغبة الليبيين أن يعيشوا كالقطعان المنقادة لروؤس الفاسدين وأصحاب الأجندات الشخصية، وأن يشعروا بالإنتماء الفعلي وبالهوية الوطنية الليبية وليس بالارتهان للقوى الإقليمية والأجنبية والانقياد  الأعمى لرغبات الأشخاص أو الأسرة والعشيرة أوالقبلية أوالجهوية، بل وطن يسمح بالعيش المشترك وليس وطن تتلاعب به قوى الأطراف المتصارعة على السلطة والوصول للحكم.

شعبنا الليبي لا يريد أن يعيش وسط القبائل المتناحرة والمتفرقة والمتسابقة على الغنائم والمناصب بل يريد وطن لايسمح بالخنوع والخضوع والإذلال والتزلف والنفاق والمحسوبية والانقياد الأعمى للأشخاص سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، شعبنا لا يريد أن تعم الفوضى والانفلات الأمني والسلب والنهب والسطو المسلح وقطع الطرقات والتهريب والعصابات التي ترتدي زي القوى العسكرية والأمنية وهى خارجة على أبسط قواعد القانون والإنسانية، شعبنا الليبي لايريد تكميم الافواه ومصادرة القرار والاعتقال والسجون والزنازين والاغلال وتهديد كل من تسوّل له نفسه التعبير عن رأيه أو التفوه بكلمة اعتراضاً على مهازل الحكم وتصرفات وسلوكيات ومساوئ الطبقة السياسية الفاسدة من المدنيين والعسكريين.

الليبيون أيها "السادة" من المرضى بحب السلطة والمناصب والثروة قد عانوا طيلة حكم الدكتاتور القذافي وما حدث بعده من أحداث وفتن وحرموا من العيش الحر الكريم يريدون تأمين مقومات الحد الأدنى للحياة والخدمات والتخلص من أزمات ومشاكل الماء والكهرباء والمواصلات والاتصالات والاستشفاء والصحة والتعليم والبيئة وغيرها من المشاكل الأخرى.

شعبنا يتطلع إلى إقامة الدولة الدستورية دولة القانون وبلد تعم فيه العدالة والمساواة وليس بلد يسود فيه الظلم، بلد تحكمه المؤسسات والأجهزة والإدارات وليس بلد الملكيات الخاصة والاقطاعيات الخاصة وحكم الأسر المدنية و العسكرية أو أصحاب التوجهات القبلية والجهوية، يريد أن يري على أرض الواقع المشاريع الإنمائية وتكافؤ فرص العمل لأبنائه المخلصين الأكفّاء وليس أبناء واقارب وحاشية ممن يديرون شؤون البلاد، يريد أن يرى الرجل المناسب في المكان المناسب وليس الجهلة والمتخلفين عقلياً وسياسياً أو أصحاب المحاصصات وتقاسم النفوذ وتعطيل عمل المؤسسات وتجاهل الخبرات والكفاءات، شعبنا الليبي يتطلع إلى ذلك الوطن الحر السيد المستقل ولايريد من جعله ساحة للصراعات ومشاريع العملاء المحليين التابعين للقوى الإقليمية والأجنبية.

عبد المنصف البوري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع