مقالات

صالح الحاراتى

"كواشيك" !

أرشيف الكاتب
2022/11/22 على الساعة 10:20

فى لهجتنا المحلية كلمة "كاشيك" تعنى "الملعقة" والجمع"كواشيك".. قرات ان اصل الكلمة تركية "kachik " والملعقة معروفة منذ قديم الزمن في العديد من الحضارات.. وكما هو معروف هى الاداة التى تقرب وتضع الطعام فى الفم بعد ان كانت اليد هى الوسيلة المباشرة.. وفي الربع الاول من القرن الثامن عشر ظهرت الملاعق بشكلها البيضاوي الضيق المنتهي بمقبض رفيع ثم ظهرت الملاعق بشكلها الحديث المتعارف عليه.. ويوجد في المتحف البريطاني العديد من التصاميم المختلفة للملاعق والتي تعود للعصر الحجري والحضارة الفرعونية.

بعد هذه الحوصلة المختصرة عن تاريخ الملعقة، اعود لما يعنينى هنا، وهو ان لهجتنا المحلية يتم فيها  استعارة الكلمة لاستخدامها كناية  عن "خدّام السلطة" اى الدائرة الاولى المحيطة بالدكتاتور، والذين يثق بهم نسبيا ويعتبرهم اليد التى يبطش بها والمنفذون لكل ما يريد.

يقول ممدوح عدوان فى كتابه "حيونة الإنسان". واصفا ما نسميهم ب "الكواشيك" انهم " يتسلحون بسطوة النظام  التي يمنحها لهم ليتملصوا من أي وازع أخلاقي وليحققوا مكاسبهم ويحموا مصالحهم، وتلك الحماية لا تتم إلا بإكمال خدمة النظام على أتم وجه". فالكواشيك البشرية اداة من ادوات الدكتاتوريستخدمها لتحقيق مأربه.. وغالبا ما تكون اعدادهم قليلة مقارنة بالدائرة الثانية حول الدكتاتور التى تتمثل فيما يسمى بـ "العوّالة" وهم اكثر عددا من "الكواشيك".. فى القاموس يقال عَوَّلَ عَلَيهِ: اى اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ، اِتَّكَلَ عَلَيْهِ، واِسْتَعَانَ بِهِ.. وهم الذين يقومون بمهام الدعاية للحاكم بمختلف الوسائل، ويصطفون معه ويدافعون عنه بقوة ويهاجمون الناس المظلومين، اوبلفظ اخر هم "كلاب السلطة" مع احترامى وتقديري الكبير للكلاب لما تحمله من معاني الأخلاص والوفاء.

وهنا لا مفر من الاشارة الى ان منهم بعض النخب والمثقفين المُدجِّنِيينَ الذين يسهل شراء صمتهم كى تنشأ علاقة بينهم والديكتاتور تحكمها جدلية الخوف والطمع؛ كل أولئك  من الانتهازيين لهم دورا مهما لتكتمل عملية صناعة الدكتاتورية، فالدكتاتور يسعى لصنع نظامه والشعوب هي التى توفّر لتلك الصناعة مستلزمات حضانتها ورعايتها حتى تستوي وتتمدد وتخنق الحياة من حولها، فيجد الديكتاتور كل المكونات جاهزة؛ إعلام تافه يُمكنه من إحِكام السيطرة على ما يُلقي في عقول الناس، إعلام يقوم بقلب الحقائق وتزييف الواقع.

المؤكد لدى ان "كواشيك" و"عوّالة" السلطة هم الذين ينشرون الفساد والنفاق ويدّعون انهم "تكنوقراط" يعملون لصالح البلاد والعباد بينما حقيقتهم تذكرني بما اورده الان دونو فى كتابه،نظام التفاهة.. "عندما يتحصل التافهون لمواقع ومناصب لأي سبب من الأسباب، فإن  ذلك يجعلهم يبحثون على أشخاص تافهين مثلهم لتحصين موقعهم، وعلى أساس هذا التخوّف على الموقع تُبنى بالتدريج شبكة من التافهين تحصّن فيها كل نقطة بقية النقاط في الخريطة الاجتماعية، ومن ثمّ إسباغ التفاهة على كل شيء".

ولو تأملنا فى انواع الكواشيك البشرية لرأينا التنوع المذهل فى خصائص كل منهم.. ورغم جهود كل أولئك تعلمنا من التاريخ أن المنجزات الكبيرة لا تحتاج إلى التطبيل من أجل أن تكون عظيمة في عيون الناس.

واخيرا وبعيدا عن الملاعق اختم   بالاشارة الى زمن الاكل بالايدى وفلكلور "الرفس" بالاصابع الذى لا زال الحفاظ عليه امرا مستحبا فى بعض انواع الطعام الشعبى وفى سلوكياتنا ايضا. 

صالح الحاراتى

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع