مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. دقرمان ودوبروفنيك

أرشيف الكاتب
2022/11/22 على الساعة 09:23

لست أدري إن كان في ليبيا اليوم من يعرف ما هو الدقرمان، الذي تنطق قافه باللسان الليبي، أي كما ينطق إخوتنا المصريون حرف الجيم، وإن وجد أو وجدت فلا شك أنهما قد بلغا من العمر عتيّا مثل كاتب هذه الذكرى. نعم هي ذكرى بقيت منقوشة في الذاكرة والنفس، لما حوته من مشاعر وعواطف إنسانية تؤكد أنه لولا السياسة وزعماؤها، لعاش العالم في سلم وتوادد وتبادل ثقافي اقتصادي عاطفي.

كنت في بلدة دوبروفنيك الكرواتية، بلدة عتيقة، جميلة، ثرية بالآثار والتاريخ، تطل على البحر الأدرياتيكي، وهي اليوم ضمن التراث العالمي. أرادت إدارة الفندق الذي يأوينا، أن تكرم زبائنها الأجانب، فنظمت بعد ظهر أحد الأيام، جولة قالت إنها لا تشملها البرامج السياحية، فسال لعابنا وسجلنا وسددنا طبعا. كان موعد بداية الرحلة بعد غداء وراحة الظهر، لكن عندما نزلت من غرفتي وخرجت إلى الساحة أمام الفندق لم أجد حافلة ولا سواحا، إذ الحافلة أقلعت قبل حين. عدت نحو مكتب الإرشادات لأستفسر وإذا بفتاة من النمسا واجهت نفس المصير. قرأت في وجهها ألما وأسى يكاد يبكيها، فابتسمت لها واقتربت أقول: أليست الهموم إذا جمعت، خفّت؟ حسب مقولتكم؟.. انشرح وجهها وقالت أنت تتكلم لغتنا؟.. قلت ما يكفي للتفاهم وقضاء الحاجة. هل أنت مستعدة لجولة؟ سألتني إن كنت أعرف البلد فأجبتها بأني مثلها في أول زيارة، لكن مقولتنا تقول: فاز باللذة الجسور. فما رأيك؟ قالت بعض الشيء خير من لا شيء. ضحكنا لنخفف من تشنج أعصابنا، وخرجنا. في ميدان داخل اسوار المدينة جلبت نظري مجموعة من الحافلات مصطفة، ففهمت أنها حافلات الضواحي، فعزمت بسرعة ركوب إحداها "وما يكون كان الخير“. عرضت الفكرة على رفيقة ضياع الفرصة، فوافقت بعد التردّد. صعدنا إحدى الحافلات بلا سؤال ولا يقين، ونزلنا في الطريق حيث جلبتني الطبيعة وجمال الريف. 

لاحظت أن الرفيقة طعمة للحيرة، والخوف، والاندهاش فقلت لها مطمئنا: نحن في شبه مغامرة، وهذه لذة الأسفار. لكن إن شئت، بحثنا عن وسيلة ترجعك إلى الفندق. ابتسمت وقالت أنا معك فيما قررت. كان في البستان الذي أنزلني من الحافلة، رجل مسن يخدم أرضه فاقتربت وحييت، وحاولت إلقاء سؤال أو أكثر، فابتسم وأشار بيده الى باب المسكن المجاور أو هو بعض من كل، وهو يخاطب فهمت من الاسم أنها امرأة. لحظات وإذا بسيدة يغريك وجهها بابتسامته لتقبل يدها، تنادينا بالإشارة وتفتح الباب على مصراعيه. دخلنا وهي ترحب   بنا باللغة الإيطالية التي تعرف منها قليلا تخلطه بلغتهم فتفاهمنا. لكن عندما أتت بمعدات القهوة ورأيت بيدها الطاحونة اليدوية فقلت لها "الدقرمان". استغربت وفرحت واعتقدت أني أعرف لغتهم، فأبدت رأيها وسألتني، فأنكرت طبعا. لكن عندما أتت لنا بـ "حلوة السميد" وابتهجت لأني أحبها منذ الصغر، فنطقت باسمها، أيقنت السيدة بأني أتظاهر بالجهل وأني ملمّ بلغتهم، لكني لسبب ما أخفي ذلك وأنكره. طلبت من الانتظار حتى تصل ابنتها الطالبة التي قرب وقت عودتها، وزكى طلبها زوجها الذي أتم ما كان بيده وأتى ليرافقنا، فانتظرنا. لم يطل انتظارنا إذ وصلت الابنة وبرفقتها خطيبها، يجيد كلاهما اللغة الإنكليزية، فأصبحت جلسة عائلية رائعة مفيدة، وعشاء لذيذا لم تغب عنه "الضولمة" (ورق العنب المحشي) ولا البقلاوة. اغتنمت الفرصة وطلبت من الابنة إفهام أمها الكريمة المضيافة، بأن بلادنا، مثل بلادهم، مرت بعهد عثماني ترك لنا ما ترك لهم العديد من المعدات والملابس والمأكولات والمرطبات وغيرها، فبقيت بأسمائها وفوائدها ولذاتها. وختامها مسك، إذ اقترحت الابنة الخروج إلى المدينة – الصغيرة كما قالت – إذ هي في حفل تذكاري تقليدي. ليس بالإمكان أحسن مما كان. كانت فرصة لا تعوض شاهدنا فيها كل ما تختص به البلدة من لباس وغناء ورقص ومشروبات ومرطبات ومأكولات خفيفة. أردنا الانسحاب والعودة قبل أن تنتهي نوبات الحافلات، فطمأنونا أنها بالمناسبة تبقى عاملة حتى الثالثة بعد منتصف الليل. ركبنا حافلة العودة والرفيقة لا تنفك عن الشكر والمديح حتى أنها ارتمت علي وعانقتني تعبيرا عن فرحها وإعجابها بالمغامرة التي ستبقى ذكرى جميلة لا تمحيها الأيام خاصة وأنها التقطت من الصور أكثر من بكرتين. ألم يقل الله سبحانه وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم؟ صدق الله العظيم.

محمد نجيب عبد الكافي 

مدريد في 10-8-2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع