مقالات

صلاح الحداد

الأوليغارشية في ليبيا (1)

أرشيف الكاتب
2022/11/22 على الساعة 09:21

الأوليغارشية في ليبيا: الأسس والمبادئ.. التكتيك والاستراتيجية (1)

يذهب معظم الخبراء في تعريف الأوليغارشية على أنها حكم الأقلية التي غالبا ما تتمثل في عائلات بعينها تورث النفوذ والسلطة والمال جيلا بعد جيل. لكن معظمهم لا يشيرون إلى حقيقة جوهرية هي أن الأوليغارشية في العالم كله تتأسس على علاقة "السيد بالخدم"، أي العبودية، وليبيا تعد مثالا جيدا لهذا، ذلك لتاريخ العبودية العتيد في المجتمع، الممتد لا أقول لعشرات السنين، بل لعشرات القرون، على الأقل منذ العهد الروماني. إذن، العبودية محور مفصلي في وجود الأوليغارشية وتكونها من المهم هنا، أن تضع هذا في حسبانك الآن، وحاول التركيز معي فيما ساقول لاحقا.. 

ما هي العبودية؟

لا تتعلق العبودية بلون بشرة الإنسان، أو امتلاكه ماديا، هذا تعريف سطحي وساذج، تقوم العبودية على مبادئ أساسية، متى تحققت في فرد أو مجتمع بشري فهو عبد. وهذه المبادئ هي: (1) السلطة والعنف (2) الهيمنة والسيطرة والتحكم (3) الاغتراب والعزلة (4) العار. على هذا التعريف، أطلق الخبير السوسيولوجي "أورلاندو باترسون" مصطلح "الموت الاجتماعي" على هؤلاء؛ لأنهم حتى وإن وجدوا أحياء، فهم منفيون من الوطن نفيا وجوديا وماديا.  

حسنا، يفرق العلماء عند الحديث على العبودية بين مجتمعين، (1) مجتمع مع عبيد، و(2) مجتمع عبيد. الفرق بينهما أن مجتمع العبيد تكون فيه العبودية مؤسسة اجتماعية واقتصادية وثقافية لا يقوم إلا بها وعليها. يمكن تصنيف ليبيا وفق هذا التفريق إلى مجتمع عبيد، من ناحيتين، الأولى، كونها البقعة الجغرافية التي احتضنت ومارست مثل هذا النوع على مدى آلاف الأعوام، إذ تعد من بين أشهر طرق تجارة البشر في القارة الأفريقية. الثانية، كون العبودية مؤسسة ثقافية كبرى، متشعبة في علاقات المجتمع بعضه ببعض ومنغرسة في بنيته الاجتماعية والثقافية، ومتمظهرة في طرائق تفكيره وتفسيره وتعامله وتعايشه، كانت نتاجا لممارسة هذه الظاهرة تجاريا واجتماعيا وأخلاقيا على مدى حلقات التاريخ. 

متى كان أول ظهور حقيقي للأوليغارشية في تاريخ ليبيا الحديث؟

الأوليغارشية في تاريخ ليبيا الحديث بدأت في الظهور والتشكل فعليا في العهد القرمانلي، وعوامل ظهورها تتمثل في (1) تجارة وتهريب وبيع البشر، و(2) ممارسة القرصنة البحرية والبرية. في ظل هذه الظروف، ظهرت عائلات بعينها في ليبيا، وتشكلت أقلية ثرية ثراء فاحشا، تحالفت مع الطبقة الحاكمة، أو تسللت وتوغلت في دهاليز السلطة ودواليبها، بأساليب مختلفة، وصارت هي من يدير دفة الحكم منذ ذلكم الوقت إلى يومنا هذا. 

تطفو على السطح السياسي والمالي الليبي بين الحين والاخر ألقاب عائلات قد لا يفهم المرء العادي سبب قدومها أو اقتحامها المشهد. وقبل أن نحدثكم عن سر ظهور مثل هذه الألقاب وغيرها في المشهد، علينا أن نعرف قليلا عن تكتيكات واستراتيجيات الأوليغارشية في ليبيا. 

كانت السلطة في العالم، في البداية، في يد كل فرد وتمارس في حدود شخصه، أو على الأكثر في يد شخصين أو ثلاثة أشخاص، يمكن أن يفرضوا أنفسهم على المجتمع بأسره. وفي الوقت الذي ينجح فيه هؤلاء في فرض أنفسهم، تبدأ السلطة ببطء في إنشاء هياكل فوق هياكل معقدة بشكل متزايد، مع سلاسل وسلاسل أطول، وتشعب المزيد والمزيد من الخدم والعبيد. هنا، يجب أن تتذكروا مرة أخرى، علاقة الأوليغارشية بالعبودية. أصبحت القوة الآن على مساحة من الأرض، ثم في منطقة شاسعة، وأخيراً في أمة، ثم نجحت - تحت اسم القوة الاقتصادية - في أن تشمل الكوكب بأسره. تحاول عدد من المؤسسات أيضًا التناقص باستمرار: تتفق الدول، وتتحرك الفيدرالية، وتختفي السلطات المحلية، وتظهر طبقة التكنوقراط، التكنوقراط فئة خطيرة تعمل على مساعدة الأوليغارشية في إحكام قبضتها على المجتمع والدولة. 

في ليبيا خلال الحكم العثماني الأول، خرجت إلى السطح طبقة تسمى بالانكشارية، وهم كآغوات الكول أوغلية، أيتام النصارى والأطفال المشردون وأسرى حرب القرصنة من العبيد والموالي، أسلموا وتزوجوا من نساء ليبيات، ودخلوا الجيش ووصلوا إلى أعلى مراتبه، يدعى القائد الأعلى للجيش آغا. ومن هنا بدأ التدخل في شؤون الحكم، يخلعون هذا وينصبون ذاك، حتى واتت الفرصة فانقضوا بأنفسهم على تلابيب الحكم. عثمان القهوجي، كان قهوجياً في الأصل، يطبخ القهوة بسوق التُّرك، جلس على كرسي الحكم حينا من الدهر. قطع رأسه في بني وليد، وجيء به إلى طرابلس على رأس حربة. إبراهيم التارزي (الخياط)، الذي أكل لحم رجل بعد قتله، ومراد آغا من أصل إيطالي، أسره القراصنة وباعوه في سوق النخاس، كل هؤلاء وغيرهم قفزوا بين عيشة وضحاها وصاروا حكام ليبيا. اشترى أو مشط هؤلاء ما يمكن تمشيطه من العقارات والأموال والأراضي والمزارع والأملاك، وقسمت ووزعت على أنفسهم وأقاربهم وحلفائهم. النواة الاوليغارشية، بدأت في التكون. تولى حكم ليبيا في هذه الفترة، 72 والياً انكشاريا، قضى 70 % منهم بالقتل أو الانتحار.

جاء العهد القرمانلي، فازدادت وتيرة الأوليغارشية، تصاهرت العائلات الطرابلسية مع الانكشاريين، لتشكيل أحلاف سياسية وتجارية، تقاسموا السلطة والأراضي والثروة، وبدأوا في الجلوس على رؤوس الليبيين. انضم إليهم لاحقا تجار العبيد والبشر من الجنوب والشرق الليبي، كبر الحلف وتنامى وصار قوة لا يستهان بها. في العهد العثماني الثاني، كانوا يملكون أكثر من 90% من مقدرات البلاد. أكثر من ثلاثة أرباع مزارع طرابلس كانت ملكا لهم. يشتغل الليبيون لديهم إما كورفي (مجانا) أو بأجر زهيد والسوط يلهب ظهورهم.  عندما جاء الطليان، لم يفكر الاوليغارشية مرتين، قفزوا مباشرة إلى أحضانهم، لحماية مصالحهم السياسية والاقتصادية، وشكلوا تحالفا قويا، عرف باسم "الليتوريو العربي الفاشي". شكل تحالف عائلة القرمانلي مع عائلة المنتصر أكبر عنوان له، وفي التفاصيل يختفي الشيطان وتختفي معه العائلات الأخرى، من تجار الزيتون والحمضيات والمشروبات الكحولية والعبيد والصوف والقطع الأثرية والحلفا، الخ...

الكسل، الرغبة في العيش بأمان، الخوف من الغد... هذا ما يغذي القوة الأوليغارشية. يُعتقد دائمًا أن القوة العظمى يمكن أن تمنحنا أمانًا كبيرًا. وهي كذلك بالتأكيد. ولكن على حساب أولئك الذين ولدوا في اليوم التالي. في الواقع، يجد أولئك الذين ولدوا أنفسهم في عالم أصبحوا فيه أكثر ثقة مما كانوا عليه في اليوم السابق، ولكنهم أقل حرية. نحن لا نبيع حريتنا فحسب، بل نبيع أيضًا ما لا يخصنا. منهكًا الانسان الليبي بسبب انعدام ممارسة حريته، لن يكون لديه الرغبة في محاولة الحصول عليها. وإذا كان لديه، فإن أولئك الذين كانوا هناك بالفعل لفترة طويلة، سوف يتأكدون من أنهم يمرون به في أسرع وقت ممكن: سيرسلون العسس لضربه وتأديبه أو حتى قتله، أو خنقه لاحقا بنظام مصرفي، من شأنه أن يعقد أمر عبوديته واستعباده، أو ربما يجعلونه يفقد إرادته وعقله. لذلك تتعرض الأوليغارشية دائمًا للتهديد من قبل الجماهير لسبب بسيط، هو أنها تمثل تهديدًا دائمًا للسكان. الأوليغارشية الليبية في صراع دائم مع من هم فوقهم ويريدون نهبهم، أو مع من هم في مستواهم ويريدون نهبهم، أو مع من هم دونهم ويريدون نهبهم. لديهم دائمًا الكثير ليخسروه، وبالتالي فهم دائمًا في حالة تأهب. لهذا السبب يميلون إلى توحيد الجهود لتقليل التهديدات الداخلية والتركيز على التهديدات الخارجية (الشعب).  وللبقاء على قيد الحياة، تحاول الأوليغارشية تقسيم السكان إلى فصائل وشلل وتحويل المجتمع إلى حظائر أشبه بحظائر الحيوانات، وقد تضطر أحيانا إلى رشوة المجتمع بالمال وبرطلته بالقروض والعطاءات والمنح . الوحدة قوة والجماهير المنظمة لا يمكن أن تقهر. لهذا السبب تنشر الأوليغارشية بحماس الأساطير الدينية والانقسامات الاجتماعية التعسفية والنزاعات والحروب من جميع الأنواع، ومعها الخلاف والحقد والشك وعدم الثقة واللامبالاة.

لذلك، فإن الأوليغارشية دائمًا في حالة هجوم: أفضل دفاع هو الهجوم. إنهم جشعون وغير آمنين بشكل لا ينضب: لهذا السبب يميلون، بشكل مدمر للذات، إلى زيادة تفاقم عدم المساواة، من خلال التحكم في سعر النقد الأجنبي والسوق السوداء للعملة وتهريب النفط والسلع والبشر. كلما زاد تركيز السيكوباتيين (المختلين عقليا ونفسيا) في صفوفهم، كلما كان السقوط أسرع وأكثر كارثية.

صلاح الحداد

يتبع… في الحلقة القادمة، الأوليغارشية في العهد الملكي والجماهيري.

 

ليبيا المستقبل | 27/11/2022 على الساعة 12:12
شكرا على التصحيح
شكرا على الإشعار.. تم تصحيح الأخطار المشار إليها
محمد حسن البشاري | 24/11/2022 على الساعة 10:47
آنستنا
أنستنا يا أستاذ/ صلاح ربي يعطيك الصحة والعافية مع ملاحظة أن هناك بعض الأخطاء الاملائية وهي كالتالي: آلاف بدل الآف ، منغرسة بدل منغسرة ، قفزوا بين بدل قفزوابين ، ظهورهم بدل ظهروهم ، لايمكن أن تقهر بدل لايمكن تقهر ، النزاعات بدل النزعات آملا تفاديها ونحن في الجزء الثاني.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع