مقالات

عبدالمنعم المحجوب

من تاريخنا المجهول.. السلطان شهاي رمز صوفيّ

أرشيف الكاتب
2022/10/02 على الساعة 11:08

من تاريخنا المجهول: السلطان شهاي.. رمز صوفيّ من رموز المقاومة في ليبيا وتشاد

هذا بعض من سيرة السلطان شهاي، وهو مجاهد صوفيّ قادَ أمّة التبو في ليبيا وتشاد، وواجه الاستعمار الفرنسي والإيطالي حتى مماته، وإني لأرجو ممّن يعثر على شيء من سيرة الرجل -من أبناء التبو وغيرهم- أن يبادر إلى الاتصال بي أو بإدارة صحيفة ليبيا المستقبل، مع المودة والتقدير.

من أبرز سلاطين فرع تِدا من التبو، وهو من قبيلة تمارة، من أَرْدِي دُگَا (أحفاد أردي) الذين يقتصر عليهم (مع أحفاد لاي وأحفاد أَرَمِهْ) تداول السلطنة أو المشيخة. وقد تولّى شهاي السلطنة مذ كان شاباً فتيّاً في أواخر القرن التاسع عشر، إلى أن توفّي في خمسينات القرن العشرين، ويوجد قبره في بَرْدَيْ بشمال تشاد. وكان يوصف بلقب "كوندودي" أي الرجل الفخور، أو ذو الكبرياء.

يعرفه التبو باسم «شهاي بوغر»، أو «دَرْدَي شهاي» أي السلطان شهاي. ويرد عند بول مارتي بالاسم المعروف لدى الفرنسيين: «ماي شافامي»، ويعتبره «أشهر زعيم في تبستي»، ولكن أيضاً: «قاطع طريق»، وهي صفة نمطيّة أطلقها الفرنسيّون والإيطاليّون على المقاتلين من حركة التحرّر الوطني ومقاومة الاستعمار(1)، وقد كان لشهاي أحد أكبر الأدوار في مقاومة الاستعمار الفرنسي والدفاع عن تشاد وفزّان، بالرغم من أنه لم يكن معروفاً لدى الفرنسيين بادئ الأمر، إذ يبدو أنهم فوجئوا بقيادته الكاريزمية ودوره في تنظيم التبو عسكرياً. يقول مارتي: «حتى عام 1900 لم تكن لنا علاقات تذكر مع زعيم تبستي لكن قواتنا ظهرت في ذلك العام حول تشاد والتقينا به مراراً في أثناء الاشتباكات المسلحة»، ثم يمضي بعد ذلك قائلاً: «قد يطول الحديث عن تفاصيل صراعاتنا مع ماي شافامي حيث يتطلّب ذلك سرد تاريخ تشاد بأكمله».(2) فـ«هذا الرجل الذي جال في الصحراء طيلة 50 سنة واجه تغلغلنا بكل أشكال المقاومة الممكنة، لكنه يملك من الحكمة والحرية ما يجعله يدرك أن الزمان قد تغيّر وأنه ينبغي اللجوء إلينا».(3)

تميّز عهد السلطان شهاي بالعمل على استقرار قبائل التبو وتحوّلهم إلى كيان مستقل بفضل جهوده التوحيدية وعمله الدؤوب من أجل جمع قبائل التبو ولمّ شمل التدا والدزا، وقد استطاع أن يجمعها حوله فألّف بينها ووحّدها على المصالحة والاتفاق، فكان التبو في عهده أقرب إلى الكيان المستقلّ الذي يجمع جنوب غرب ليبيا وشمال تشاد وشرق النيجر، وهذه هي حدود كيان التبو التاريخي-الاجتماعي، إلا أن زعيم التبو الجنوبيين، گَتّي(4) Getty، ساءه أن يتبع قومه زعيماً (دَرْدَي) من الشمال، فعمل على إحباط هدف شهاي بالتحالف مع الفرنسيين الذين أطلقوا عليه لقب «رجل فرنسا في تشاد». 

في إطار سياسة شهاي التنظيمية قام هذا القائد بتدوين "كُتُبا"، وهو مجموع القوانين العرفيّة التي يحتكم إليها التبو (انظر الفصل الثاني)، كما عمل على تكوين جيش من أبناء التبو لمقاومة الاستعمار الفرنسي، ودعم حركة الجهاد الليبي ضد الاستعمار الإيطالي.

ويذكر الأهالي من التبو أنه قام بتأسيس المنارات التعليمية (الكتاتيب) ومكافحة الأميّة بنشر اللغة العربية والمعرفة الشرعيّة وكان يطمح إلى إرسال المتفوقين من أبناء التبو إلى الأزهر بمصر والزيتونة بتونس.

وفي ظل البيئة الصحراوية البالغة القسوة عمل على تحسين مستوى التبو الاقتصادي وتطويره بتفعيل حركة التجارة بين الأقاليم الصحراوية، وتركّز هذا النشاط في منطقة تِبستي وما حولها، وقد استطاع شهاي تنظيم التجارة وتوجيه مساراتها وقوافلها وفق ما تقتضيه مصلحة التبو.

ولتركيز هذه الجهود والحيلولة دون تشتتها على نطاق الصحراء الشاسع أراد تكوين عاصمة للتبو، وقد تركّزت جهوده على النهوض بمدينة «بَرْدَيْ» بشمال تشاد واستقرارها ووَصْلها بالمستوى الحضاري الذي يؤهّلها لأن تقوم بدور العاصمة السياسيّة، فأصبحت الإقليم الأكثر تحضّراً واستقراراً. 

إلا أن الصحراء آنذاك كانت مكتظةً بالصراع بين عدّة قوى خارجية، فالفرنسيون في السودان الغربي والأوسط، والأتراك في طرابلس وفزان، والسنوسيون في برقة والكفرة، وكانت مواطن التبو حول تبستي مسرحاً دائماً للصراع، أما الإيطاليون في الشمال فكانوا يدنون شيئاً فشيئاً من احتلال طرابلس. 

لم ير شهاي أن السنوسيين يختلفون كثيراً عن الفرنسيين، إذ هم دخلاء أولاً، ويسعون إلى جباية الضرائب ثانياً، وإن أعطوها اسماً دينياً، ولم تتجاوز علاقتهم به جمع ريع الزكاة وتأمين طرق القوافل، كما لم يتلق منهم دعماً واضحاً لمواجهة الفرنسيين، لذلك فقد اتّجه بعد أن هُزم التبو في معركة جرت في «عين قلق» أمام القوات الفرنسية إلى باشا مرزق لدعمه بالسلاح والجنود الأتراك، إلا أن الباشا تذرّع بصغر الحامية وانشغالها بتأمين القوافل، هكذا وجد أن التبو يقفون وحدهم في مواجهة الفرنسيين الذين كانوا ينفّذون سياسة الحصار والتجويع بأسلوب همجي، يقول عنه مارتي: «لأجل حمل التبو على الاستسلام وفي محاولة للقضاء عليهم بواسطة التجويع يتم كل عام منذ 1910 حرق محاصيل التمور على عين المكان. إنه أسلوب همجي نوعاً ما لكنه فرض علينا عقب الوضع الذي أصبح فيه مستحيلاً علينا ضمان الأمن الدائم».(5) 

بالإضافة إلى هذا كانت مجموعات الطوارق تتوغّل شرقاً لتغير على قبائل التبو، كما أعلن گَتّي زعيم التبو الجنوبيين، تبعيته غير المشروطة للفرنسيين، ولم يجد شهاي من وسيلة أخرى لتأمين قبائل التبو سوى التفاوض.

أرسل شهاي إلى الفرنسيين ليعلن لهم عن رغبته تلك، على أن يتولوا هم إيقاف توغل الطوارق شرقاً، فطلب منه الفرنسيون أن يكتب بما يفيد رغبته تلك، فكانت رسالته التي وقّعها معه متضامناً زطّيمي (زعيم تبو تبستي الغربي، وكان آنذاك رجلاً مسناً) وهي -كما نقلها مارتي- على النحو التالي:

«كل الأعيان وكل رجال تبستي. 

دَرْدَي شهاي(6) وزطّيني كتبا هذه الورقة. 

لقد اجتمع الجميع وتحدثوا ويريدون الآن طاعة دَرْدَي شهاي.

إن دَرْدَي شهاي يريد أن يعيش بعلاقات طيبة مع رجال استانبول. 

كل رجال تبستي يقولون: إنهم يريدون الاستماع إلى كلام دَرْدَي شهاي. 

إن سلطان استانبول يقول: إنه لا يريد رجالاً قراصنة، كذلك يقول دَرْدَي شهاي: إنه لا يريد رجالاً قراصنة. كل التبو يقولون: بعد الآن لن نسرق أبداً ولن نقوم بالحرب وسنطيع قائدنا، بعد الآن سيهدأ كل التبو. إنهم يريدون تبادل الأسرى مع الطوارق، وينبغي للنقيب [الفرنسي] أن يقول للطوارق: التبو لن يحاربوكم فلا تحاربوهم. عندما يهاجم الغزاة الطريق لا تستطيع القوافل السير فيها، لذلك هم يريدون أن تبقى الطريق سالمة.

لقد أصبح التبو الآن يطيعون دَرْدَي شهاي وزطّيني وينبغي على النقيب أن يبلّغ الطوارق بذلك.

إن دَرْدَي شهاي وزطّيني وكل أعيان تبستي يطالبون بالسلام مع النقيب ومع الطوارق، ويريدون تبادل الاتصالات والمبعوثين بين النقيب ودَرْدَي شهاي ليحلّ السلام بينهما، وكذلك بين دَرْدَي شهاي والطوارق، وليكن بإمكان الطوارق الورود على تبستي ومرزق للاتجار، وإذ يأتون للاتجار لا ينبغي لهم أن يسرقوا منا كانوا يفعلون سابقاً.

وعندما يأتي رجال دَرْدَي شهاي إلى كوار سيكونون حاملين تراخيص منه، لذلك فإن رجال التبو الذين لا يحملون مثل هذه الأوراق ليسوا من رجال دَرْدَي شهاي وقد يُقتَلون. أما الرجال الذين يقودهم دَرْدَي شهاي فيأتون حاملين الترخيص دائماً، ولا يبقون أكثر من ثلاثة أيام، وعندما يكتب النقيب رسالته ينبغي أن يسلمها لرجلين يحملانها إلى دَرْدَي شهاي، وعليه كذلك أن يبعث برسالة [مماثلة] إلى الطوارق.

دَرْدَي شهاي يحيّ النقيب [الفرنسي].

كُتبت هذه الرسالة يوم الثلاثاء من الشهر القمري الموافق 10 من شهر عيد الأضحى.

كتبها المرابو (المرابط) خليل بن مَمَدو كْواكْوا».(7) 

بعد هذه «الاتفاقية» اضطر شهاي إلى القيام بتعهّدات مرافقة، وهي:

- وقف تحالفه مع أهالي الكفرة والسنوسيين.

-  تسليم الأسرى الذين في حوزة التبو.

- إعادة قطعان الماشية التي تم السطو عليها.

- تقديم 200 قطعة سلاح.(8) 

كانت الحرب الأوروبية (1914–1918) تستعر آنذاك، وتقهقر الإيطاليون إلى الساحل الليبي، وازداد ضغط المجاهدين الليبيين، الأمر الذي زاد من هشاشة وضع الفرنسيين في الصحراء وقدرتهم على الاحتفاظ بمستعمراتهم، وقد ترك زطيمي جبال تبستي وانضم بقواته إلى شهاي في الشرق، وجرت معركة بردَيْ في 23 يونيو 1914 التي انتهت بسيطرة الفرنسيين عليها بعد أن تكبّدت قواتهم خسائر جمّة. ولجأ شهاي وعدد كبير من قواته إلى أوزو وزوماري، ولاحقتهم القوات الفرنسية فتحصنوا بمواقع منيعة في أوزو، وانتقل بعضهم إلى أبو. وبسبب كبر سنّه تم أسر زطيمي وأجبر على إعلان رضوخه لفرنسا. 

دعا الفرنسيون شهاي إلى الالتزام بالاتفاقية السابقة فأرسل مبعوثيه إلى بِلما يوم 15 مارس 1915 برفقة 6 أسرى، و4 جمال، مع رسالة شفوية تقول أنه لا يستطيع ضمان تسليم التبو لأسلحتهم، إلا أن الفرنسيين اعتبروا ذلك إعلاناً منه عن التنصّل من تعهّداته، وأصبحوا يشيرون إليه في مراسلاتهم الرسمية باسم «زعيم المنشقّين»، أما هو فقد استغلّ هذه الهدنة المؤقتة ليعيد تجميع قواته في الشمال، ثم تمكّن في 27 يوليو 1916 من تحرير تبستي ولاحق القوات الفرنسية إلى تخوم بلما، وهو التحرير الذي سجّلته الوثائق الرسمية الفرنسية باعتباره «إخلاءً سريعاً لتجنّب الفشل والإذلال».(9)

كان الفرنسيون يسعون لاستكمال سيطرتهم على مواطن الطوارق في الغرب واستمالتهم لإلقاء السلاح، بالإضافة إلى دعمهم زعماءَ مجموعاتٍ صغيرة من التبو في بلما وكوار، وذلك لإحكام السيطرة على الصحراء بأسرها، وأمام إدراك شهاي نوايا الفرنسيين قرّر أن يبادر إلى خطوة من شأنها تهدئة الأوضاع وتجنيب قبائل التبو عبء حرب طاحنة، فرحل في 19 اكتوبر 1920 مع عدد من أعيان التبو الشماليين إلى بلما والتقى بالعقيد رويف مفوّض الحكومة الفرنسية، ليعلن أمامه القبول بعدم مهاجمة الفرنسيين أو حلفائهم بغتةً، مع التعهّد بالإيفاء بالتزاماته الأخرى، إلا أنه اشترط احتفاظه بالسلاح حتى يوافق، كما اشترط دعمه لإزاحة خصمه گَتّي (رجل فرنسا في تشاد)، والتخلص من متمرّدي التبو الذين كانوا يتحصّنون بمناطق وعرة من جبال تبستي، وقد استجاب الفرنسيون لبعض شروطه، إلا انهم رفضوا التخلّص من الموالين لهم. 

استمرت مقاومة شهاي دون انتظام واستطاعت قواته تأمين وجود قبائل التبو باللجوء إلى مواقع صحراوية منيعة في الشمال الشرقي، وكان مضطراً في أحيان كثيرة إلى القتال على جبهتين اثنتين الأولى باتجاه الجنوب ضد الفرنسيين في بردّي، والثانية باتجاه الشمال ضد الإيطاليين في الكفرة.

لم ينل شهاي ثقة الفرنسيين في أيٍّ من مراحل حياته، ولا ثقة الإيطاليين بالطبع، وعاش شبه مطارد من الطرفين، ولكنه لم يستكن أبداً للتفاوض أو الرضوخ.

عبدالمنعم المحجوب

هوامش:

1- انتشرت هذه الصفة باللهجتين الليبية والتونسية باسم «الفلاقة».

2- بول مارتي: دور العرب الليبيين في مقاومة الغزو الفرنسي، ترجمة: محمد عبدالسلام العلاقي. جمعية الدعوة الإسلامية، 2001، ص 54. 

3- المرجع نفسه. 

4- يُكتب اسمه في المصادر العربية: غيطي. 

5- مارتي: 47.

6- في الأصل: ماي شافامي، وقد أثبتنا هنا الاسم الذي عرفته به قبائل التبو.

7- مارتي: 55. ولم أعثر على تأريخ هذه الرسالة، وبالعودة إلى بعض كبراء التبو قيل أنها كانت سنة 1911.

8- مارتي: 56.

9- المرجع نفسه: 64.

- راجع: من تاريحنا المجهول.. حنّون بن أُزِر

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع