مقالات

وفاء البوعيسي

المرأة بين هوس التسوّق وإيديولوجيا الجمال (2)

أرشيف الكاتب
2022/09/29 على الساعة 18:43

(2) المرأة مشهد والرجل متفرّج

مرة أخرى نعود للماضي البعيد، لنفهم حمّى الاستهلاك الشخصي التي يٌقال إن المرأة مصابةٌ بها.

إن النظام الذكوري في تشكّله، حرص على التمييز بين الرجل والمرأة، فظفر الرجل بالعقل والتدبير، واختُصت المرأة بالجسد والمشاعر، وكان الرجل هو السيّد ومعيل الأسرة، والمرأة خادمته المطيعة، الملتزمة بترفيهه ورعاية أطفاله، وبهذا تركّزت أدوار النساء في وظائف الإنجاب والخدمة، والرجال في السيادة عليهن.

هذه العلاقة غير المتكافئة، بين الرجل كذات والمرأة كجسد وحيازة، صمدت أمام التقلّبات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لتتجذّر عميقاً في كل ثقافة؛ وبتعبير شيستا مالك Shaista Malik (أكاديمية تكتب في تشييء المرأة في الثقافة الاستهلاكيّة) إنّ المرأة في النظام الأبوي داومت باستمرار على تملّق الرجل، بتجميل نفسها له، والخضوع لرغباته والاستسلام لأوامره، وبهذا غدت هي المشهد وهو المتفرج. 

وإن حدث لاحقاً واستطاعت المرأة التخفيف من وطأة تقييد حياتها بعد نضال، وبمساعدة الأفكار النسويّة، فقد تمكّنت من التخلّص مما يسمى بـ"الأدوار الأنثويّة"، لكنها لم تستطع ​​تخليص نفسها من "الصورة الأنثويّة" التي لا تزال ترى فيها محض جسدٍ خُلق ليرفه عن سيّده. 

كذلك يرى إفرات تسيلون Efrat Tseelon المهتم بما بات يعرف بـ"إيديولوجيا الجمال" The Ideology Of Beauty ، إذ يعتقد أنّ المرأة التي اختُزِلت في جسدها من قبل الثقافة الذكوريّة، تحوّلت لذاتٍ جسديّة جوهرها الجمال الخارجي، الذي يقرّره الرجل وحده، وقد عجزت هي عن تقديم نفسها كإنسانةٍ مكافئةٍ له، في مجتمعٍ شكّل الاختلاف الجنسي فيه جزءًا من أيديولوجيّته المهيمنة. وبهذا سيكون من المتوقّع أن تتحدّد هويّتها، ويُحكم على ذاتيّتها ضمن أنموذجٍ جسديّ جماليّ وحسب، ويتمثل هذا الأنموذج في إنكار جسدها الطبيعي الفطري، لكونه قابلاً للتقلّب والهرم، بإعادة ضبطه وتحسينه.

وفق تسيلون، سوف يُنتزع الجسد الأنثوي عنوة من علم الأحياء ليعاند الزمن، ويعاكس تنوّعات الجغرافيا، وخصائص الإثنيات وإملاء الجينات، ليتمّ إعادة تهذيبه وزخرفته في معامل عيادات التجميل ومستلزمات الزينة، بفضل ثقافة الاستهلاك. 

ولذيوع الاستهلاك بين النساء وارتباطه بهنّ حصراً، قصة فرضها ظهور الموضة للمرة الأولى، فبحسب "كوين هـ. نجو" Quyen H. Ngo المهتمّة بموضوع الاستهلاك والأنوثة، أنّ الموضة بدأت بالظهور في القرن الثامن عشر، أيّ في العصر الفيكتوري، وقد اتسمت وقتها بالإيقاع السريع جداً من خلال التنوّع الذي بدأ يظهر في وفرة الأزياء ومستحضرات التجميل من حيث الشكل والخامة والأسلوب، بدل أن يأخذ عقوداً وأجيالاً من أجل تبنّيه والاقتناع به.

وبحلول القرن التاسع عشر، بدأ مصمّمو الموضة يدقّقون في مسألة استئثار المرأة بمهمّة الشراء، بوصفها جزءاً من عملها كربّة بيت، واستغلالها بهدف تسويق منتجاتهم لها، ومن وقتها بدأ التخطيط للقيام بحملات إعلانيّة مكثفة استهدفت ربّات البيوت والعاملات بتعليمهنّ كيفيّة إنفاق المال على أنفسهنّ والعناية بجمالهنّ لأجل أنوثة نضرة، جذّابة ومستدامة. 

ومع الوقت، ظهر ما يسمّى اليوم بالمحاكاة الاجتماعيّة Social simulation، المتمثّلة بقيام المراتب الدنيا في المجتمع بتقليد المراتب العليا، في قفزةٍ واضحة على الفجوة بين الطبقات الاجتماعيّة. وتقدّم السيدة "كوين ه. نجو" كثيراً من المصادر في بحثها، لدعم فكرة أنّ المحاكاة الاجتماعيّة كانت هي بالذات السبب الكامن وراء النزعة الاستهلاكيّة التي نعرفها اليوم. أما طلب المستهلك نفسه، فكان هو مفتاح الثورة الصناعيّة.

وقد انصبّت أعمال الدعاية الموجّهة للنساء قديماً، كما الآن، على تقديم أيقونات الجمال العالمي المثاليّة بعرض أجساد الممثلات وعارضات الأزياء، وجعلهن المثال الوحيد والحصري للجمال لجذب المستهلكات لفخّ الاستهلاك.

لقد قُدّمت تلك الأيقونات دائماً كنماذج لا تكبر، لا تترهّل، لا تهرم، لا تسمن، ملساء ودائمة النضارة؛ ولاحقت النساء عبر عقوٍد طويلة، تحرّشت بهنّ في كل ثقافة استطاعت الوصول إليها، فظهرت صورهنّ في الشوارع والمجلّات والسينما وفي دعايات الجرّارات الزراعيّة والعطور الرجاليّة، بل وعلى علب الطماطم وأكياس الطحين. 

هذا الغزو الملحاح لعقول النساء، كان يهدف إلى تعويدهنّ نفسانيّاً على الالتزام بالنزعة الاستهلاكيّة، عبر ربط منتجات الموضة المقترحة بأيقونات الجمال تلك. ومن هنا بدأ تصميم هويّة الأنثى المستهلكة، من خلال ثقافة الاستهلاك نفسها التي تتفنّن في استحداث حاجيّات مصطنعة لهنّ، ويتبارين هنّ في استهلاكها بنهمٍ ملحوظ، رغبةً منهنّ في استبقاء نضارتهنّ وشبابهنّ إلى الأبد.

ما تفعله إيديولوجيا الجمال 

إنّ إيديولوجيّة الجمال التي يخبرنا عنها إفرات تسيلون تُجبر المرأة على العيش في وضعٍ فصامي مأزوم، فهي إن لم تُفلح في إخضاع جسدها الفطري للانضباط الذي فرضته سياسات الجمال المعولمة، فهي لن تكون مقبولة في سوق العمل والزواج، وستكون مدانةً باعتبارها قبيحة ولا تساير شروط الجمال العالميّة. أما إن نجحت، فهي ستثبت أنها لا تزال تدور في فلم النظام الذكوري الذي يُحدّد قيمتها من خلال مظهرها، وعليه فهي لا تزال تتملّق سيّدها وإن بأساليب برّاقة وعصريّة. 

قصارى القول، إنّ المرأة حتى اللحظة لا تزال تأخذ وضعيّة المشهد، فيما الرجل يتمتّرس في وضعيّة المتفرّج، وعليه فإنّ مؤشّر المرأة لا يزال يراوح مكانه على مستوى هذين الوضعين القائمين. 

ولحسم القول بخصوص هوس المرأة بالتسوق، يتوجّب الآن استجواب نواياها عند الشراء، وتحديد من المستفيد حقاً من فرط الاستهلاك هذا.

إنّ اقتصاد الأسرة، يخبرنا أنّ معظم مشتريات المرأة، إنما يرتبط باحتياجات الأسرة بأكملها، وهي معنيّة، علاوة على ذلك، باتخاذ القرار المناسب بشأن ماذا تبتاع؟، وكم تستهلك؟ وما الميزانيّة المناسبة لتوفير مختلف الاحتياجات بلا تبذير أو تقتير؟.. وهي قد تمارس هذا النشاط على مضض، لكنها تفعله لأجل الشريك، لا لأجل نفسها بالضرورة.

إذا، إنّ تبضّع المرأة للبيت يخدم مصلحة العائلة، وما هي إلّا فردٌ واحد فيها، فهي في النهاية تشتري احتياجات الرجل وضيوفه وعائلته، وبيته وأولاده.

أما المشتريات المدفوعة لمستحضرات الزينة والريجيم وعمليّات التجميل ..إلخ، التي ترمّم بها جسدها الذي هدّه الزمن والإنجاب والعمل على جبهتين ربما (البيت والعمل المأجور)، إنما تفعله كيّ تظلّ نضرة ومثيرة في عين شريكها، وهو أمرُ قد يُعرّضها لمتاعب وآلام صحيّة وقد تفضي بها إلى الموت.

والمفارقة المثيرة للسخرية، أن الثقافة الاستهلاكيّة المعاصرة، إنما تتلاعب بالمرأة حين تجعلها تعتقد أنها حرّة، وأنها تتحكّم بنفسها وبجسدها، لكنها في الحقيقة، تقع في مصيدة مطاردة الجمال، لأنها لا تعي أنّ الجمال المطارد، تمّ استحداثه من طرف الرجل، وعلى هذا يكون الرجل هو الناظر المتمتّع بها في كل مرة تلهث فيها للقبض عليه، وهو أيضاً المنتٍج للأفكار والأساليب التي تقوم هي باستهلاكها؛ فشركات الموضة، والأزياء، ومستحضرات الزينة، وعيادات التجميل، ومراكز التنحيف، والعطور... إلخ معظمها ملك للرجال، ما يعني أن استهلاك المرأة في النهاية، إنّما يصبّ في مصلحه الرجل لأنها موجودة دائماً لترضي عينه وتملأ جيبه. 

وفاء البوعيسي

- راجع: الجزء الأول

هوامش:

1) Women’s Objectification by Consumer Culture, p-87

2) Shaista Malik P-89.

3) file:///C:/Users/Gebruiker/Downloads/Theideologyofbeauty1993.pdf  p-2,3

4) Women and Consumer Culture in Contemporary Hollywood Feature Films, p-8

5) Quyen H. Ngo p-8,9

6) Quyen H. Ngo p-9,10

7) Quyen H. Ngo p-10

8) Efrat Tseelon p-3

9) Quyen H. Ngo p-13,14

10) Quyen H. Ngo p-14,15

كلمات مفاتيح : المرأة،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع