مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

في غات عرفت القمر [الفصل الأخير]

أرشيف الكاتب
2022/09/27 على الساعة 15:58

لست من الذين يقرأون الكتاب من عنوانه بل إنني من الذين يقرأون الكتاب من محتواه. وقد قرأت كتاب التاريخ الليبي القديم وكنت شاهدا على بعض فصول كتاب التاريخ الليبي المعاصر. عشت أيام الفقر والعازة في ليبيا كما عشت أيام ليبيا الجميلة. ثم عانيت كغيري من العديد من المواطنين من أيام ليبيا السوداء التي بدأت يوم ١٩٦٩/٩/١ ولا تزال متواصلة الى اليوم.!

عاصرت وعملت مع كبار رجالات الاستقلال المؤسسين وعرفت كيف ظلمناهم ونحن في بعض مراحل الشباب.! وعرفت السجن وعرفني مرتين. عرفته في الزمن الملكي الليبي الجميل بتهمة باطلة حكمت محكمة الجنايات في طرابلس ببطلانها. وعرفت السجن والقهر وحجز الحرية الشخصية والمحاكمة المهزلة ظلما وعدوانا في عهد ليبيا الاسود. ثم عرفت الغربة ومرارتها وقسوتها.

وكنت قبل ذلك قد عاصرت وعشت وعملت مع اباء الاستقلال المؤسسين ومع جيل الثلاثينات المميز الذين قدر لهم الله سبحانه وتعالى ان يستلموا الراية راية الوطن من اباء الاستقلال المؤسسين وأن يواصلوا ذلك العمل الكبير الذي بدأه الاباء والاجداد. فلست من الذين يلقون الكلام على عواهنه كما يقولون ولكنني من الذين عرفوا أيام ليبيا خيرها وشرها وكنت بفضل الله تعالى واحدا من جيل الثلاثينات المميز الذين وضعهم القدر أمام تجربة ذات وجهين متناقضين لم يكن من السهل خوضهما إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

لقد كان ذلك الجيل يحمل الحلم الليبي الكبير الذي لم يكد يحلم به الليبيون والليبيات حتى انسل من بين أيديهم في ليلة مظلمة من ليالي خريف عام ١٩٦٩. فتحول الحلم الى كابوس امتد لما يزيد اليوم عن نصف قرن من الزمن ولا يعلم إلا الله مدى معاناة شعبنا خلال ذلك الزمن الرديء وإلى اليوم من ذلك الكابوس المرعب القاسي الطويل.

أردت من هذه الفصول أن أسجل المواقف العظيمة والجليلة لاباء الاستقلال ولجيل الثلاثينات لعل الاجيال الجديدة من شعبنا تعلم ما لم تكن تعلم عن أولئك وهؤلاء وعن تضحياتهم وخدماتهم الجليلة للوطن العزيز. رغم انحراف بعض جيل الثلاثينات عن السير على خطى الآباء المؤسسين رحمهم الله تعالى.

ومن هنا جاءت قراءتي لتاريخ ليبيا المعاصر كما عشته يوما بيوم وكما عرفت فيه مالم أكن أعرف عن الظروف الصعبة التي واجهها اباؤنا وأجدادنا من بناة الاستقلال حتى حققوا استقلال الوطن وسيادته وبنوا لليبيا ذلك المجد التليد الذي عرفه الليبيون والليبيات وعاشوه في العهد الملكي الزاهر.

ثم استلم الراية منهم جيل الثلاثينات الذين يتحدث عنهم هذا الكتاب ويوثق كل الجهد الذي بذلوه من أجل تحقيق الحلم الليبي الكبير قبل إن يتم اغتيال ذلك الحلم في ظروف غامضة لا تزال حقيقتها الكاملة مجهولة الى اليوم. فانقسم ذلك الجيل المميز الى فريقين فريق حافظ على قيم دولة الاستقلال دولة الدستور وحكم القانون وقسم انحاز الى جماعة أيلول الاسود الذين قضوا على ذلك الحلم الليبي الكبير واستبدلوا الدولة الليبية المحترمة المملكة الليبية بدولة اخرى اسموها بدولة الحقراء. وهو الاسم الذي اطلقه "الاخ قائد الثورة" على دولته وقد يكون يشير بذلك الى أعوانه الذين كان يختارهم ويعرفهم جيدا. وربما كانت كذلك.!! والله أعلم.!

ومهما كانت مبررات بعض جيل الثلاثينات المميز لانضمامهم لمواكب النفاق ولمهرجانات الدجل وقبولهم للعمل تحت قيادة " مجنون ليبيا" كما أسماه المرحوم الرئيس محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية مع علمهم الكامل بكل جنونه وبكل مفاسده وبكل جرائمه في حق الوطن وفي حق الشعب الليبي وفي حقهم أيضًا وقد كانوا جميعا شهودا عليه وعليها ومنهم من كان شريكا فيها فضلا عما كانوا يشاهدونه وما كانوا يسمعونه كل يوم عن الماسي التي لا حصر لها والتي عانى وظل يعاني منها الشعب الليبي المقهور بكل طوائفه دون استثناء لما يزيد عن نصف قرن وبمن فيهم بعض كبار أعوان الطاغيه أنفسهم الذين كان يتعمد إهانتهم علنا والتقليل من شأنهم ومن شأن المناصب التي يشغلونها والدلائل والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى وهي مسجلة بالصوت والصورة وعرفها ويعرفها كل من قدر له أن يعاني من تصرفات وسلوك وشذوذ ذلك الطاغية المجنون وأن يشهد على فساد وطغيان ذلك النظام البغيض، ربما كآن أسوأها إهانة العلم والعلماء وتحويل المدارس والجامعات الى ثكنات عسكرية وشنق الشباب الجامعي في ساحات الحرم الجامعي واغتيال ضباط وجنود الجيش داخل معسكراتهم وفي أدغال ومجاهد أفريقيا. واغتيال خيار الليبيين من أهل الفكر والثقافة ومن رجال الاعمال في عواصم العالم المختلفة وارتكاب الجرائم البشعة ضد بعض دول العالم الكبرى والصغرى ثم دفع التعويضات الهائلة لهم من أموال الشعب الليبي الذي لم يأذن بذلك ولم يوافق عليه. كان سجلا أسودا يستحي منه الشيطان الرحيم نفسه ولكن من ارتكبوا تلك الجرائم لم يكونوا يستحون.!!

أقول إنه مهما كانت مبررات بعض جيل الثلاثينات الذين انحرفوا عن قيم ذلك الجيل المميز فإن قبولهم للعمل تحت راية أيلول الاسود كان نكسة كبيرة ونكرانا لماضيهم وربما يرتقي ذلك الى درجة الخيانة العظمى للقيم الجميلة التي تعلموها وورثوها وعرفوها عن اباء الاستقلال.! إنهم من بين أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون} سورة يونس الاية ٦٠. صدق الله العظيم.

لقد كان للعهد الملكي الليبي بالتأكيد فضلا على أولئك النفر من جيل الثلاثينات ولكنهم لم يشكروا الله تعالى على نعمه عليهم ولا عرفوا لرجالات الاستقلال المؤسسين قدرهم وانساقوا وراء من أهان الدستور ومزق القانون وأنكر جهاد الليبيين وتضحياتهم قديمًا وحديثًا. وروجوا لمقولاته المجنونة ما ينطبق عليهم ما قاله الله سبحانه وتعالى عن فرعون مصر وعن كل فرعون: "فاستخف قومه فأطاعوه“.!!

حقا.. لقد استخف بهم قبل أن يستخف بالشعب الليبين فأطاعوه هم قبل أن يتحمل الشعب الليبي وزر جنونه وجرائمه.!! وهكذا كان استخفاف الطاغية بأعوانه أكثر كثيرا من استخفافه بباقي المواطنين .!!

وأقول أيضا إنه مهما كانت مبررات أولئك النفر من جيل الثلاثينات المميز فإنه لا الشعب الليبي الذي قهره المجنون ولا التاريخ الذي سجل كل جرائم أيلول الاسود سيغفر لهم ذلك طال الزمن أم قصر. لا أستثني في ذلك أحدا منهم.!

ولا يمكن تبرير أفعالهم بحسن النية.!!رغم أنه كان منهم من ظل لسنوات طويلة بعيدا عن عرس الدم شأنه في ذلك كشأني وشأن غيري من الوطنيين الليبيين الذين رفضوا الظلم واختاروا الهجرة من القرية الظالم أهلها كما أمر الله سبحانه وتعالى وخيموا بعيدا عن عرس الدم الذي انتصب في الوطن المخطوف كما قال بحق الرئيس الشاعر الصديق العزيز الأستاذ عبدالحميد مختار البكوش رحمه الله.

إلا أنه كان منهم من قبل أن ينضم إلى نادي أيلول الاسود متأخرا ولو بقليل من الحذر بحجة محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه كما قال من ذلك الكم الهائل من الفساد ومن الطغيان ومن الجرائم التي لا تعد ولا تحصى والتي يندى لها الجبين الليبي كما يندى لها الضمير الإنساني كله!!. وقد حاول البعض منهم ذلك فعلا ولكن أوان الإصلاح كان قد فات.!

وكان من بينهم واحدا من جيل الثلاثينات المميز الذي كانت تربطني به علاقة طويلة من الأخوة ومن العمل الوطني المشترك ومن الصداقة والزمالة ومع كل ذلك لم أغفر له تلك الزلة الكبرى رغم ترحيب الناس ببعض الخطوات الإصلاحية التي قام بها خلال المناصب الثلاثة التي تولاها في عهد ايلول الاسود.!

لم تكن هنالك بالتأكيد أية علاقة بين الدكتور شكري محمد غانم وجماعة أيلول الاسود فهو مثلي لايعرفهم ولا يعرفونه. ثم شاءت الظروف وحدها وفي واحدة من أعمال القضاء والقدر أن يتعرف الدكتور شكري محمد غانم على أحد أبناء من يصفونه بأنه "قائد الثورة" في مدينة فيينا بالنمسا حيث كان الدكتور شكري يعمل في منظمة الاقطار المصدرة للبترول (أوبك) وحيث جاء الابن المذكور للتحصيل العلمي كما قيل.

وربما كانت المبادرة من ذلك الابن وليس من الدكتور شكري فقد كان الابن في حاجة ماسة الى مساعدة من هم مثل الدكتور شكري من العلماء والدارسين لمساعدته في إنجاز مهمته الدراسية في فيينا كما قيل.

ولاشك أنه من هنا جاءت عملية هدم تلك النظرية الهندسية التي تعلمناها في المدارس الثانوية والتي تقول "الخطان المتوازيان لا يلتقيان" فشكري وأيلول الاسود كانا "خطان متوازنان لا يلتقيان".!! فقدر الله لذلك الابن أن يهدم تلك النظرية التي يعرفها كل تلاميذ المدارس الثانوية كما يعرفها كل من درس الهندسة.

هكذا تم اللقاء الغريب المفاجئ والمشوب بالقلق بين واحد من جيل الثلاثينات المميز والرمز المعلن لنكبة أيلول الاسود.!! من خلال أحد أبنائه.!

كتبت له بمجرد ما علمت بقبوله المهمة الأولى التي كلف بها أقول: "أكاد أشك فيك وأنت مني..!!“.. وقد علمت منه ومن بعض أصدقائنا المشتركين بعد ذلك كم أزعجته تلك الرسالة.!!

الرسالة التي أخذها مأخذ الجد ممن يعرفه حق المعرفة ويعرف صدق العلاقة الطويلة التي تجمعه به قبل وبعد نكبة أيلول الاسود.!! كما كان من العارفين بتلك الحكمة البليغة: "صديقك من صدقك.“!!

وقد يكون قد فكر في الخروج من تلك الورطة والعودة الى ما كان عليه قبلها لولا الخوف من ردود فعل من لا يخاف الله.!

ورغم ذلك كانت له بعض المواقف الإيجابية التي تصب في صالح الوطن والمواطنين سواء في إدارة الشأن العام او في المؤسسة الوطنية للنفط. كما كان من أوائل المنشقين عن ايلول الاسود بعد انتفاضة ١٧ فبراير ٢٠١١.

كان شكري غانم مختلفا عن كل من تولوا مناصب مماثلة في عهد أيلول الاسود.!! فلم يمارس النفاق المفضوح كبعض من سبقه من أعوان ذلك النظام كما حاول أن يعيد "للحكومة" التي أصبح اسمها تقليلا لشأنها "اللجنة الشعبيه العامة"!! حاول أن يعيد للحكومة بعض هيبتها وللقانون بعض ملامحه ! واتاح لبعض الناس استرداد بعض حقوقهم المغتصبة.! وحقق بعض الانجازات في قطاع النفط الليبي لم تتحقق من قبل خلال توليه إدارة المؤسسة الوطنية للنفط. فنال بكل ذلك بعض الرضا من الناس. ومن هنا جاءت الإشارة إليه وحده بالاسم دون غيره ممن رضوا بالعمل مع جماعة ايلول الاسود.

وكان من سوء حظنا جميعا أنه تمت تصفيته في ظروف غامضة لا أستبعد أن يكون لبعض زبانية أيلول الاسود يد فيها فقد كان في الفترة الاخيرة قريبا من الطاغيه ومن بعض أفراد أسرته وربما كان يعلم عنه وعنهم ما لا نعلم والله أعلم.!!

رحم الله الدكتور شكري غانم رحمة واسعة وعوضنا وعوض الوطن فيه خيرا.

كان الدكتور شكري محمد غانم رحمه الله من أقرب أصدقائي الي. وكنا نلتقي يوميًا تقريبا في الوطن وفي خارج الوطن. في عهد ليبيا الملكي وفي عهد ليبيا الاسود. جمعنا الوطن وجمعتنا دار الهجرة في لندن حينا من الدهر ثم فرقت بيننا الأيام حينا اخر من الزمن ولكن صداقتنا وعلاقتنا الخاصة لم تنقطع أبدا. ولم ينقطع التواصل بيننا بالهاتف أبدا أينما كان وأينما كنت.

وربما كان الدكتور شكري غانم رحمه الله هو الوحيد من جيل الثلاثينات الذي كان صادقا في قوله "إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله".! حينما اختار أن يدخل نادي أيلول الاسود.!

وقد حاول الإصلاح فعلا. وقام ببعض الإجراءات التي رحب بها المواطنون خلال فترة توليه المسؤولية كما أشرنا الى ذلك. ولكن الفساد كان قد استشرى ولم يعد بالامكان إصلاح ما أفسده دهر ذلك النظام الفظيع الرهيب.!!

كان مما يدعو للأسف وللحيرة أن العديد من جيل الثلاثينات الذين انحرفوا عن القيم التي تربوا عليها خلال عهد ليبيا الملكي الزاهر الذي وفر لهم فرص التعليم ووفر لهم الحياة الكريمة ووفر لهم الامن والامان قد ضلوا السبيل وتنكروا لكل ذلك وانساقوا وراء سخافات ما أسموه "الكتاب الاخضر" يمجدونها ويروجون لها ومنهم من كتب فيها رسائل الماجستير والدكتوراه وصدقوا أن مجنون ليبيا كان هو "رسول الصحراء".!! كما أشيع وكما أشاع هو أيضا عن نفسه ولكنه لم يكن يتلقى الوحي كما قيل مثل رسل الله بل كان هو وحده مصدر الإلهام الزائف والمقولات السخيفه التي اسموها باطلا "بالفكر الاخضر".!! فكان يرى نفسه فوق الانبياء والرسل.!! وكان هنالك من يصدق هذا الزعم المجنون من بعض جيل الثلاثينات.!

نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فان تجد له وليا مرشدا.

إلا إذا كان وراء ذلك كله من كان يملي عليه ذلك السخف المبين ويزين له سوء عمله تماما كما يفعل الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.!

فكان لمجنون ليبيا ثلة من المريدين شكل من بعضهم لجان التصفية الجسدية الذين أسماهم "اللجان الثورية" كان ثلة منهم مع الآسف من هذا الجيل المميز الذي تنكر لتاريخه. وكانت مهمتهم هي تنفيذ أوامره باغتيال النشطاء الوطنيين الذين يعارضون تصرفاته وتصرفات نظامه المجرم. فقاموا بارتكاب تلك الجرائم البشعة في العديد من مدن العالم وخسر الوطن مجموعة نادرة من خيار رجاله من أهل الفكر والثقافة ومن رجال الأعمال ومن أهل السياسة.!

وكان من هؤلاء المنحرفين من تصدوا لأفكاره السوداء المجنونة والسخيفه وأخذوا يروجون لها وينشرونها بكل لغات العالم بأموال الدولة دون حسيب ولا رقيب. وتم إنفاق الملايين من الدولارات في ترجمة ما أسموه "بالفكر الأخضر"!! الى جميع لغات العالم الحية منها والميتة.! تلك اللغات التي لم يكونوا يتقنونها ولا يعرفونها ولكن ذلك العمل أتاح لبعضهم فرصة الثراء غير المشروع عن طريق نهب المال العام دون واعز من الضمير الذي اختفى عند هؤلاء وأمثالهم.! بدعوى نشر "الفكر الاخضر" والترويج "للثورة العالمية" و"للنظرية العالمية الثالثة“.

الله وحده وبعض الراسخين في النهب والسرقة يعلمون كم من العملات الصعبة من أموال الشعب الليبي قد تم صرفها على ذلك الكتيب الفضيحة الذي اكتشف مؤلفه المجنون وحده أن "المرأة تلد والرجل لا يلد"! وأن "المرأة تحيض والرجل لا يحيض"! و"أن الطفل تربيه أمه."!! وأن البيت لساكنه" وليس لمالكه.!! وأن "السيارة لمن يركبها" او يقودها وليست لصاحبها الذي اشتراها بماله الخاص.!!كان من بين مقولاته السخيفة أيضا "في الحاجة تكمن الحرية"!!بينما الواقع هو أنه في الحاجة تكمن العبودية وليس الحرية ولكن يبدو أن كل حروف الطغاة تكتب بالمقلوب.!!

كنت أستغرب حينما أقرأ عن "مركز دراسات الكتاب الأخضر".! فهل يمكن لمثل ذلك السخف المبين أن تقام له مراكز البحوث.!؟ وهل يمكن لحامل الشهادة الابتدائية أن يكتب في مادة "الإنشاء" ثلاثة أسطر عن "الكتاب الأخضر".!؟ بينما وجدنا من تطوع من "علمائنا" و"أهل الفكر" فينا من جيل الثلاثينات المميز من كتب وأعد"الدراسات" و"البحوث" وحصل بها على الدرجات العلمية الفضيحة كالماجستير والدكتوراه في "النظرية العالمية الثالثة" التي جاء بها صاحب "الكتاب الأخضر“.!؟

"كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا.“!!

تلك كانت أعلى وأسوأ درجات النفاق والتزلف والترويج للباطل التي عرفها الشعب الليبي وعرفها العالم عبر التاريخ كله.!! والأعجب من ذلك أن يقوم به ثلة من جيل الثلاثينات المميز من أهل العلم والفكر والثقافة ومنهم من كان يحمل مؤهلات علمية عالية من بعض أهم الجامعات في العالم.!!

ولكن سيكون جزاء كل أولئك في يوم تشخص فيه الأبصار .! يوم لا ينفع فيه مال حرام ولا نفاق مأجور.!! وهو ما قاله الله تعالى في أمثالهم: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار".! وبئس المصير.!!

لماذا ينحرف المثقفون.!؟ لماذا ينافق أهل العلم.!؟ لماذا يتطاول "الباطل" و"يختفي" الحق ويتمرد الباطل على يد من يفترض أنهم يعرفون ماهو الحق ويعرفون أيضا ماهو الباطل.!؟

هذا وغيره من الأسئلة المماثلة هو ما يستحق الدراسات والبحوث لو تعلمون وليست سخافات "الكتاب الاخضر“.!!

وهنا تبرز أمامنا وأمام كل باحث منصف مجموعة أخرى من الأسئلة الحائرة:

هل نحن الليبيون والليبيات الذين صنعنا كل ذلك الإفك وكل ذلك الباطل.!؟ هل نحن الليبيون والليبيات الذين رضينا بكل ذلك الهوان.!؟ هل نحن الليبيون والليبيات الذين كنا ذلك الشيطان الاخرس الذي سكت عن الحق.!؟ هل نحن الليبيون والليبيات الذين رضينا بأن يعرف الضيم فينا. !؟ ونحن الذين قال شاعرنا عنا: "رضينا بحتف النفوس رضينا.. ولم نرض أن يعرف الضيم فينا.!! هل نحن حقا هكذا شعب السلبية وشعب اللامبالاة.!؟ هل حقا كانت فترة الحكم الملكي الزاهر في ليبيا هي الفترة الخطأ في التاريخ الليبي الحديث.!؟ وهل حقا أن تلك هي حالة شعبنا رضينا بذلك أم لم نرض.! علمنا بذلك أم لم نعلم.!؟ هل حقًا أن ما جرى وما لا يزال يجري في بلادنا منذ فجر الاول من أيلول الاسود ١٩٦٩ وحتى اليوم هو ما صنعناه بأيدينا.!؟ هل حقا أن تلك هي الحقيقة المرة والقاسية في بلادنا وأن ذلك هو الواقع الأليم الذي تربى عليه شعبنا عبر تاريخنا كله من أيام الوندال الي الفينيقيين الى الاغريق إلى الرومان إلى العرب إلى الأتراك إلى الطليان إلى الانجليز والفرنسيين إلى أيلول الأسود إلى اليوم.!؟ هل حقا كان العهد الملكي الزاهر الذي كان وحده مختلفا عن باقي عهود التاريخ الليبي ، هل حقًا كان ذلك العهد الملكي هو الحقبة الشاذة عبر تاريخنا الطويل كله.!؟ هل كان الملك الصالح وآباء الاستقلال ومن تبعهم بإحسان من جيل الثلاثينات المميز يقودون الشعب الليبي كله بالسلاسل الى النعيم.!!؟ وحينما وقعت الواقعة نسي الشعب الليبي كل ذلك النعيم وخرج يهتف بحياة قاتليه.!؟ هل حقا أنني وأمثالي الذين يرفضون الظلم والهوان ويطالبون بعودة حكم الدستور والقانون إنما هم المخطئون وأنهم ينطبق عليهم ذلك المثل الليبي الذي يقول عنهم وعن أمثالهم إنهم كمن "ينفخ في قربة مثقوبة ".!!! لان شعبنا قد تعود على الخضوع للظالم ورضي بالخنوع وبالهوان.!! هل هكذا بلغ بنا اليأس من الصلاح والاصلاح في وطننا المنكوب إلى هذا الحد.!! هل تعرضنا "للغزو من الداخل" كما قال شاعر اليمن.!؟ هل تم أخذنا إلى الهاوية على غرة .!؟

تلك أسئلة مريرة وقاسية حقا تفرض نفسها فرضًا على واقعنا المرير.! بعد هذه التجربة القاسية التي مر بها الوطن ومر بها اباء الاستقلال المؤسسين ومر بها جيل الثلاثينات المميز.

نحن اليوم في أمس الحاجة الى من يقوم بدراسة هذه الظاهرة العجيبة الغريبة ومحاولة إيجاد التفسير المقبول والحلول الملائمة لها.!

ولكن.. أليس من ظلمة الليل يولد الفجر الصادق.!؟ أليس مِن اليأس يولد الأمل.!؟ أليس بعد العسر يسرا.!؟

أجل. هو كذلك.! ولكن البلاء المبين الذي أصاب الشعب الليبي الطيب والصابر على أيدي زبانية أيلول الاسود ومن تبعهم بغير إحسان هو الذي يقف وراء كل ذلك اليأس وكل هذا القنوط. ولا حول ولا قوة الا بالله. قال شاعر اليمن عبدالله البردوني في قصيدته الأشهر "الغزو من الداخل" كما لو أنه يصف حالنا اليوم كما وصف حال اليمن بالأمس..!! وحالها اليوم أسوأ.!! قال شاعر اليمن عبدالله البردوني:

فظيع جهل ما يجري..

وأفظع منه أن تدري..!!

وهل تدرين يا صنعا..

من المستعمر السري..!؟

(يمكن استبدال "يا صنعا“بـ "يا ليبيا“.!)

"وهل تدرين يا ليبيا..

من المستعمر السري..!!؟“

غزاة لا أشاهدهم..

وسيف الغزو في صدري..!!

ويستخفون في جلدي..!

وينسلون من شعري..!!

وفوق وجوههم وجهي..

وتحت خيولهم ظهري..!!

غزاة اليوم كالطاعون..

يخفى.. وهو يستشري..!!

فظيع جهل ما يجري..

وأفظع منه أن تدري..!!

هكذا قام "المستعمر السري" باغتيال الحلم الليبي الكبير..!! حلم جيل الثلاثينات المميز.. حلم اباء الاستقلال الكبار المؤسسين.. حلم الملك المجاهد الراحل طيب الله ثراه وثراهم جميعا.. حلم ولي عهدنا الشاب الطموح طيب الله ثراه الذي كان يتطلع ويعمل هو الاخر لكي تكون بلادنا بين الدول المتقدمة في العالم في ظل الدستور والقانون تتمتع بالحرية والاستقرار والكرامة ويتمتع شعبنا بالامن والامان والتنمية والرخاء.!؟ حلم جيل الثلاثينات المميز بليبيا ناهضة ومتميزة ومختلفة.!؟ حلمنا نحن الشعب الليبي المغصوبة إرادته المهانة كرامته المداس على دستوره المنهوبة ثرواته.!!

لماذا رضي شعبنا بالهوان وبكل ذلك.!؟ لماذا هتف وصفق للطاغية الذي انسل كالطاعون في جسد كل ليبي وليبية بمن فيهم أعوانه ومريديه.!!

حقا كان كل ذلك فظيعا.. وكان أفظع منه أننا كنا نراه..!! وكنا نعلمه..!! وكنا كلنا ندري به.!! أو كما قال شاعر اليمن.!!

ولكن ورغم كل ذلك تبقى هذه الأسئلة تدور في أذهاننا وتحوم حول حمانا : هل ستعيد ليبيا أمجادها الملكية.!؟ هل يستطيع الجيل الحالي من الليبيين والليبيات أن يحققوا حلم جيل الثلاثينات المميز لليبيا مختلفة عن ليبيا اليوم.!؟ ذلك الحلم الكبير الذي تمت سرقته في ليلة خريف سوداء منذ أكثر من نصف قرن. هل يستطيع شباب اليوم العمل على استعادته.!؟ هل سيرحل ذلك الجيل الذي كان يحلم بليبيا يحكمها الدستور والقانون وليس المليشيات والعصابات المسلحة قبل أن يتحقق ذلك الحلم الكبير.!؟ هل ستعود ليبيا كما كانت قبل زلزال ايلول الاسود.!؟ ذلك بالطبع هو الأمل المنشود.!!

اخر الكلام…

دستور الاستقلال هو الحل. المملكة الليبية المتحدة أو المملكة الليبية هي الحل. ما سنه لنا اباء الاستقلال هو الحكمة البالغة التي ينبغي لنا كليبيين وليبيات أن نتمسك بها وهي وحدها طريقنا الى الخلاص من هذا الغم ومن هذا الهم الذي طال وأوصلنا الى حافة الهاوية.! طريق جيل الثلاثينات المميز هو الذي سيصل بالوطن العزيز الى بر الأمان.

فهل إلى مرد من سبيل.!؟ الله ورسوله أعلم.!! {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}.

أما بعد…

فأرجو أن أكون قد أديت أمانة الوفاء لقادة ليبيا الكبار من رجالات الاستقلال المؤسسين ومن جيل الثلاثينات المميز. اللهم اغفر لهم جميعا وارحمهم. وأرجو أن أكون قد أديت الأمانة أمانة الوفاء لجيلي جيل الثلاثينات المميز الذين كان لي شرف العمل معهم حينا من الدهر كان من أروع الايام التي عرفها شعبنا الطيب وعرفها وطننا العزيز. اللهم احفظ وطننا العزيز ليبيا من مؤامرات المتآمرين ومن فساد المفسدين ومن ظلم الظالمين.

ولعل ما قد يبعث في نفوسنا بعض الأمل أن نختم هذا الحديث بهذه الآيات الكريمة: {ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك. فإن مع العسر يسرًا. إن مع العسر يسرا. فإذا فرغت فانصب. والى ربك فارغب} صدق الله العظيم.

هذا.. ولله الامر من قبل ومن بعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ابراهيم محمد الهنقاري

-  إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات السابقة.

راجع:

إبراهيم محمد الهنقاري: في ذكرى رحيل شكري غانم

- إبراهيم محمد الهنقاري: ليس دفاعا عن شكري غانم..!!

 

 

محمد حسن البشاري | 29/09/2022 على الساعة 16:46
شكرا جزيلا
شكرا جزيلا أستاذ/ إبراهيم على هذه المذكرات التي تابعناها بشغف آملا أن يحذو حذوك الباقون ومتعك الله بالصحة والسلامة وطول العمر حتى ترى ليبيا كما تحبها أن تكون.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع