مقالات

د. محمد بالروين

السياسة.. والتـاءات الثـلاث (2 من 3)

أرشيف الكاتب
2022/09/23 على الساعة 05:19

حاولت في الجزء الاول من هذا المقال الإشارة الي العناصر الضرورية الثلاث التي تتطلبها العملية التسويقية في السياسة، أي ما أطلقت عليه "الثاءات الثلاث." وسلطت بعض الضوء على "التاء الاولي" الا وهي ”التموضع“. فى هذا الجزء سأحاول مناقشة "التاء الثانية" اي "التغليف" وسلطت بعض الضوء على "التاء الاولي" الا وهي "التموضع". فى هذا الجزء سأحاول مناقشة "التاء الثانية" اي "التغليف."

ثانيا: التغليف (Packaging)

التغليف - في السياسة - هو علم وفن وتقنية َعرض الأفكار والمشاريع والبرامج وكيفية استخدامها وإقناع المواطنين (المُستهدفين) بها بأسلوب بسيط وجذاب. بمعني اخر، هو الطريقة التي يتم بها وضع وعرض وتسويق الأفكار والمشاريع والبرامج. 

يقوم التغليف على أساس عملية تصميم واخراج الأفكار والمشاريع والبرامج بالشكل المناسب والمطلوب، ويهدف بالدرجة الاولي الي تحقيق الجاذبية المرئية والشكلية، ويساعد علي الوصول للمواطن بأكثر وأقصر الطرق الممكنة، ويلعب دورًا حيويًا في تحريك مشاعر المواطنين وجعل الأفكار والمشاريع والبرامج جذابة ومؤثرة (ايجابياً أو سلبياً) على سلوكياتهم وخياراتهم. 

فعلي السياسي ان يعي ان هناك جانب عاطفي لعرض أفكاره ومشاريعه وبرامجه، وان المواطنين، في اغلب الأحيان، لا يدركون درجة وأهمية عواطفهم في اختيار (او رفض) الأشياء التي يريدونها الا بعد اخد قرارتهم، وعليه علي السياسي إدراك هذه الحقيقة والعمل على تسخيرها لإقناع وتوجيه المواطنين للهدف الذي يرغب في تحقيقه، وان يدرك ان الناس بطبعهم يميلون، في البداية وبسرعة لقبول (او رفض) الاشياء عاطفياً تم يقوموا بتبريرها عقليا ومنطقيا بعد اتخاد القرار. 

والسؤال المهم هنا هو كيف يمكن تحقيق ذلك؟ في اعتقادي، يمكن للسياسي تحقيق ذلك باخد العوامل الاتية في الاعتبار: 

> اولا: التموضع (Positioning) – اي علي السياسي ان يحدد – قبل اي شيء اخر - افضل تموضع (او اعادة تموضع) له، وعليه ان يتذكر بانه في النهاية، كما يقول المثل: "سيقف المرء اينما هو جالس." 

ثانيا: التبسيط (Simplification) – اي عملية جعل الافكار والبرامج والمشاريع أبسط وأسهل للفهم والتطبيق. بمعني علي السياسي القيام بعرض افكاره وبرامجه ومشاريعه بطرق واضحة ومفهومة للجميع، وان ينطلق دائما من مبدأ "عدم تعقيد المبسط." 

ثالثا: التأطير (Framing) – اي النِطاق او الهيكل العام الذي يحدِّد معالم الشكل أو الموضوع لافكار وبرامج ومشاريع السياسي. بمعني علي السياسي ان يسعي لاختيار التاطير المناسب لافكاره لكي يؤثر في خيارات المواطنين الخاصة بهم. بمعني عليه اختيار العملية التي يضع بها افكاره وبرامجه ومشاريعه من منظور معين وفي "أطر" محددة، لكي يتم إعطاءها شكل ومعنى واضح يمكن من خلاله فهمها بسهولة وبشكل أفضل، بمعني اخر، علي السياسي ان يدرك ان التاطير هو جزء مهم وضروري لا مفر منه للتواصل مع المواطنين (المستهدفين).

من هذا الفهم، يمكن القول إن أي سياسي يرغب في تسويق افكاره وبرامجه ومشاريعه عليه ان يتذكر ان هناك شيء أكثر أهمية من "الفكرة" نفسها، الا وهو الاسلوب الذي تُعرض او تُسوق به، بمعني علي السياسي ان يتذكر انه لتغليف فكرته ومشروعه وبرنامجه التأثير الأكبر على قرار المواطنين (المستهدفين) عندما يتعلق الأمر بالاختيار او الرفض، وذلك لان التغليف المناسب والجيد يساعد على اعطاء إحساس بقيمة المنتج وجودته، وانه علامة من علامات النجاح. بمعني اخر، علي السياسي ان يدرك ان التغليف هو عملية بالغة الأهمية لتسويق الأفكار والمشاريع والبرامج، حيث يمكن لتصميمها أن يجذب انتباه المهتمين ويجعلها    تبرز وتتميز علي افكار وبرامج المنافسين الاخرين. 

 ولعله من المناسب ان اختم هذا الجزء من المقال بالاستدلال بمثال بسيط يوضح دور التغليف واهميته في بيع وتسويق افضل واحلي وأكثر أنواع الحلويات الشعبية في العالم الا وهي الشوكلاته. وهنا يمكن القول ان الشوكولاته – في الاصل - هي "شوكولاته، شوكولاته، شوكولاته،" وهي من الحلويات المفضلة لدى فئات كبيرة من الأطفال والكبار، وان الفرق الرئيسي الذي يمييز بين اسعارها المختلفة والرغبة في شراء بعضها دون الاخر هو – بالدرجة الاولي - الاساليب والطرق التي يتم بها تغليفها في المناسبات (كالاعياد والافراح) التي تُعرض من اجلها، واستعداد الناس للشراء (حسب المناسبة) نفس النوع من الشوكولاته باسعارمختلفة وفقاً للاطر والكيفية التي غُلفت بها ومن اجلها. وعليه يمكن استنتاج ان فن التغليف هو السرًّ الاول والاساسي الذي يحدد الاسعار المختلفة للشوكلاته والرغبة في شرائها! فهل يختلف عرض وبيع الشوكولاته في الاسواق التجارية عن عرض وبيع الافكار والمشاريع والبرامج في الاسواق السياسية؟!!.. انا شخصياً، لا اعتقد ذلك.

الخلاصة:

يجب علي كل من يريد ان يتعاطي السياسة ان يهتم بعملية تغليف افكاره ومشاريعه وبرامجه لانها مرحلة مهمة في العملية التسويقية، وضرورية لفوزه وتحقيق اهدافه، وعليه ان يدرك انها اداة قوية للتأثير على الرأي العام في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكسب الانصار والمؤيدين الجدد. 

في الجزء الثالث والاخير من هذا المقال بأذن الله سوف أحاول تسليط بعض الضوء على "التاء الثالث" التي تتطلبها العملية التسويقية في السياسة، الا وهي "التوقيت".

يتبع.. والله المستعان.

د. محمد بالروين

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع