مقالات

صالح الحاراتى

”قصقاص“!

أرشيف الكاتب
2022/09/23 على الساعة 05:15

فى عدة قواميس اللغة وجدت.. قَصْقَصَ الشيءَ أى كَسَرَه. قصقص الورقَ: قطعه بالمِقَصّ. قصقص جوانِحَ فُلان أى جرَّده من وَسائل العمل ومنعه عنه. قصقص جناحيْ الطائر: أزال ريشهما ليمنعه من الطَّيران.

ولكن في قاموس الرائد نجد: تقصقص أثره اى تتبعه. وهذا المعنى الاخير هو الأقرب  للمعنى المقصود باللهجة المحلية، ف "التقصقيص" يعني تلك العملية التى يقوم بها إنسان كثير السؤال ويتطفل على الآخرين بهدف معرفة أحوالهم واسرارهم.. ويسمى حينها "قصقاص".. وهو من يقوم بعملية حشر أنفه فى خصوصيات الآخرين.

و"القصقاص" غالبا لا يستطيع قراءة علامات الضيق والملل على وجوه الأشخاص الذين يتطفل عليهم.. وإن انتبه لذلك فيتجاهل شعوره، فهو لا يستطيع مقاومة رغبته الجامحة  لمعرفة  أسرار الناس وما يتعلق بحياتهم المعيشية، ويعطي لنفسه حق التعرف على معلومات لا دخل له بها ولا يكف عن تدخله السخيف والمثير للحنق.

القصقاص لا يعرف احترام الحياة الخاصة للآخرين، وعدم التدخل في خصوصياتهم وشؤونهم الخاصة، وترك ما لا يعنيه من أمورهم، رغم انه قرأ فى منهج التربية بالمدارس الابتدائية انه.. «مِن حُسنِ إسلامِ المَرءِ تَركُهُ ما لا يَعنيهِ» ولكنه لا يتوقف عن "التقصقيص".

الانسان السوي يعلم ان لكل إنسان خصوصياته وأسراره الشخصية التي لا يرغب في إطلاع الآخرين عليها، ولا يحق لأحد اقتحامه من غير إذنه، فكما لا يجوز لأحد أن يقتحم دار غيره إلا بإذنه، كذلك لا يجوز لأحد أن يقتحم على الآخرين حياتهم الخاصة وشؤونهم وقضاياهم الشخصية من غير رغبتهم.

"القصقاص" ليس ذو طبع فضولي اوبحسن نية أويفعل ذلك بجهالة؛ ولكن قد يكون رجل أمن متخفى ويريد الحصول على معلومة يتقرب بها إلى اسياده، وقد كان شائعا يوما ما ان يحذرك منه اصحابك ومن يعنيه امرك  ويلمحون لك بكلمة "يوك" اى احذر، والمتعارف عليها بانها تعنى اسكت فهناك مخبر أو رجل امن.

يحضرنى شعر شعبى يقول:

وفيه من عاش بصاص

وخادم لسيده يطيعه

وفيه اللي عاش قصقاص 

وسرك إن حصله يبيعه

فى زمننا الحاضر ومع التطور التكنولوجي لم تعد الحكومة ورجل الأمن هو من ينتهك الخصوصية؛ وتغيرت طرق انتهاك الخصوصية، وفي حالة بعض التقنيات الحديثة والإنترنت فإن زيادة القدرة على مشاركة المعلومات يمكن أن تؤدي إلى طرق جديدة يمكن أن تنتهك الخصوصية بشكل كبير.

هذه السطور ليست الا للتأكيد على الحق في الخصوصية، وهو حق اصيل للإنسان  في الاحتفاظ بالنطاق الذي يحيط به والذي يشمل كل الأشياء التي تعد جزءًا منه، ابتداء من شؤون بيته وممتلكاته، الى أفكاره ومشاعره.. والحق في الخصوصية يمنح الفرد القدرة على اختيار أي جزء من هذا النطاق يمكن للآخرين الوصول إليه، والتحكم في مدى وطريقة وتوقيت استخدام الأجزاء التي يتم الكشف عنها.

بقيت ملاحظة لابد من الإشارة إليها وهى أن "التقصقيص" ليس كله أمر مدان ومستهجن ولكن فى بعض الحالات يكون أمرا ايجابيا.. وكمثال فى مجال البحث العلمى يعتبر التقصقيص امرا مستحبا ومحمودا، فالعالم لا يكف عن السؤال والبحث وتتبع الاسباب حتى يصل إلى مراده. ومثال اخر هو الأسئلة التى تأتى من الأطفال وما تجترحه عقولهم من أسئلة وجودية بغرض التعرف على العالم المحيط بهم.. وأعتقد أن ذلك يصح أن نسميه "التقصقيص" الايجابى.

ومن التقصقيص الايجابى كذلك ما يسمى بالصحافة الاستقصائية التى مهمتها الكشف عن الأمور التي يتم إخفاؤها إما عن عمد من قبل شخص في موقع سلطة، أو عن طريق الخطأ وكشف جميع الحقائق ذات الصلة للجمهور، حيث يقوم الصحفيون بالتحقيق في موضوع معين مثل الجرائم الخطيرة أو الفساد السياسي وتقصي اى مخالفات، وبهذه الطريقة تساهم الصحافة الاستقصائية بشكل ايجابى في حرية التعبير وتؤكد دورها كسلطة رابعة.

صالح الحاراتى

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع