مقالات

د. نورالدين محمود سعيد

المواهب الليبية المبدعة

أرشيف الكاتب
2022/09/23 على الساعة 05:16

سأتحدث عن المواهب الليبية المبدعة.. أريد أن أتحدث عن عازف قيتار ليبي حالم/ المهندس الشاب هاني الكوت، له أعمال كثيرة جداً، اخترت لكم منها هذا العمل…

ليس لأنه فقط راق لي، ولكن لأنه عمل مليء بالأسئلة، مليئ بالتنهدات، تلك التي كتبها بلغته الخاصة على أنغام قيتاره، إختارها بلغة عالمية على اتساع مداها لتصل لكل كائن يتنفس على هذه الكرة الأرضية، رغم أنه عنونها بـ ذكريات جو، In the memories of Joe يقصد بها ذكرياته عند سماعه لموسيقى عازف القيتار العالمي المعروف Joe Satriani.

لا أخفيكم لن أستطيع أن أحصي عدد المرات التي استمعت فيها للعمل، ولا أخفيكم أيضاً أن العمل ليس بمعجزة، لكنه مليء بلغة إنسانية عالية الإحساس، ومختارة بعد تعب مقتصد، رهين حالة هروب برزخية المكان والمدى، تنهدات صوفية لمحاولة اقتراب من كل ما هو سامي وإنساني وأخلاقي، مثابرة مخلوطة بالحزن والبهجة رغم تناثر الأسئلة المعقدة فيه.

كثيرة جداً هي الآلات الموسيقية التي تستطيع أن تفعل ذلك، غير أن القيتار تتفوق في كل مرة، لكن، وهذا المهم، قلة نادرة، من يستطيعون رسم اللغة على هذه الشاكلة التي يشتغل بها الموسيقار الشاب، هاني الكوت.

لا أتحدث هنا عن الحرفية والتكنولوجيا وتضخيم الصوت إلخ، والتطورات التي هذبت صوت الآلات الموسيقية، فهذا مهم في عصرنا، غير أنني غير ميال إلى هذه التقنية كونها صنعة، بقدر ميلي إلى الفن الذي يشترك معها كونه فن، أو لنقل للتوضيح أكثر، كونه إبداع.

الإبداع مسؤولية جسيمة، فهو غير مقترن بالموهبة وحدها أبداً، وقد ينفصل عنها أصلاً في بعض الأحيان، الموهبة تشكل جزءاً منه فقط، وربما قليل جداً، وقد يستغرب البعض هنا، لكنني أتحدث بناءً على تجربة، كل الناس بإمكانها أن تتعلم موسيقى شرط المثابرة، لأن الموسيقى شأنها (وهذا رأي شخصي) شأنها شأن القراءة والكتابة، الكل يستطيع التعلم، حتى باقي الأمم أمثالنا تستطيع التدرب والتعلم، ربما ليس على القراءة والكتابة بالتحديد، رغم أن بعض الفصائل استطاعت، ولكن الموسيقى تتشابه مع التعلم على القراءة والكتابة، والكل يمكنه العزف والتعبير بعزفه على لآلة يختارها، لكن ليس الكل يمكنه أن يبدع، أو أن يترجم رسالة إبداعية، فالإبداع رسالة ثقيلة وخليط من الذكريات والتراكمات المعرفية لا حصر له، ثقافة عالية جداً، بمعنى خبرة تعلم متدرجة وصافية لا يشوبها القفز أبداً بقدر ما يعطبها، الإبداع أيضاً كائن حي، ينمو بالتدرج ويكبر على التجارب والخبرات مثله مثل العلم، غير أنه يختلف كونه إلهام ما بعد خبرة ومران، وليس إلهام يعطى هكذا عبثاً بلا عمل.

بدأ هاني الكوت العزف على القيتار في سن مبكرة، وكغيره من الشباب عانى من إشكاليات عم وجود حوافز، أو حفلات تهتم بمثل أسلوبه، الخ من الأمور التي لاتخفى على أحد، إضافة إلى أنه قارئ  نهم ويجيد أكثر من لغة أجنية قراءة وكتابة، تخصص في هندسة الكومبيوتر، واشتغل في تخصصه، وهو من الشباب المكافح المحب لشغله، والمحافظ على الوقت، والطموح إلى الرزق الحلال، وهو بالفعل ما يعيشه ويفعله، الى أيامنا هذه.

درس في أكثر من بلد في الخارج وتفوق، تحصل على الترتيب الأول في عمل غنائي له، باللهجة المحلية في راديو لندن BBC، عنوانه، نتمنى انشوف بلادي، وهو لا يقصد أنه يتحدث من الخارج واشتاق لها، بقدر ما أنه يتمنى رؤية بلاده في أحسن حالاتها، نامية مزدهرة محافظة على مواردها البشرية والمادية، خالية من الحرب، والقتل والخطف والترويع، تحصلت في لندن على الترتيب الأول، وحين شارك بها قبل ذلك في مسابقة محلية تحصل بها على الترتيب 17 من أصل عشرين أغنية مشاركة، ولكم أن تلاحظوا، سيقول بعضنا: لأنها غربية والغرب فهم لغتها أكثر، أقول أنها ليست غربية بل أغنية ليبية بكلمات وبلهجة محلية بعيدة عن أي تزلف، فلا يوجد غربي أو شرقي، بقدر ما توجد أساليب وأنماط موسيقية كما أشرنا في أكثر من حديث، ثم أن هذه المقطوعة، شاركت معها مقطوعات كثيرة من العالم بنفس موسيقى البلد المضيف بريطانيا، غير أن مقطوعة الكوت، حصدت الترتيب الأول.

المقطوعة التي سأدرجها رفقة هذا المقال، والتي ذكرت عنوانها آنفاً، مقطوعة مشحونة بالخيال، والحلم، بإنسان هادئ محارب لكل ماهو عدو للإنسانية، متحدثاً بلغة نغمية تتراقص مع أجمل ما قاله عازفوا القيتار من ألحان، وتتفوق على الكثير منه، أغنية تعبيرية بلغة موسيقية إنسانية عالمية، وجدانها محاكاة الجمال بأسئلة تدور في رأس، وبين، أنامل عازفها هاني الكوت، له مني كل التقدير…

د. نورالدين محمود سعيد

استمع الى ”ذكريات جو“

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع