مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

في غات عرفت القمر [الفصل الحادي والعشرين]

أرشيف الكاتب
2022/09/16 على الساعة 22:25

 ولا يمكننا بالطبع أن نذكر شخصيات كل ذلك الجيل المميز وإن كنا نعلم أن كل واحد منهم يستحق الإشادة بما قام به من الجهد الوطني المميز في خدمة الشعب والوطن. ونكتفي بذكر بعض الرموز البارزة من هذا الجيل الليبي العظيم الذي قدر الله له أن يحمل بعد اباء الاستقلال المؤسسين الراية راية الوطن الحر الامن والمندفع بقوة العلم والايمان على يد خيرة أبنائه نحو التقدم والرفعة والالتحاق سريعًا بدول العالم المتقدم والمتحضر. داعين الله سبحانه وتعالى ان يجازي الجميع خير الجزاء لما قدموه لوطنهم وشعبهم من جليل الخدمات.

واخترنا هذه الشخصيات كرموز بارزة لهذا الجيل المميز الذين يتحدث عنهم هذا الكتاب دون أن يعني ذلك أننا نهمل دور الرجال الكبار الباقين ولكن لأنه يصعب الحديث عن كل أبناء ذلك الجيل الذين يعرفهم شعبنا ويعرف جهدهم وتضحياتهم ويعرف كل ما قاموا به من أجل وطنهم وشعبهم.

وقبل ذلك ينبغي لنا أن نشيد بمن سبق جيل الثلاثينات من رجالات الاستقلال المؤسسين بمن فيهم الملك الصالح السيد محمد إدريس المهدي السنوسي طيب الله ثراه وولي عهده الأمين الكريم وأعوانهما الكبار التاريخيين وهم رحمهم الله جميعا:

- السيد محمود ضياء الدين المنتصر.

- السيد محمد الساقزلي.

- السيد مصطفى بن حليم.

- السيد عبدالمجيد كعبار.

- السيد محمد عثمان الصيد.

- السيد الدكتور محي الدين فكيني.

- السيد الاستاذ حسين يوسف مازق.

- السيد عبدالقادر عبدالقادر البدري.

- السيد ونيس محمد القذافي.

وبالعودة الى جيل الثلاثينات نقول إنه كان في مقدمة هؤلاء:

(1) الاستاذ عبدالحميد مختار البكوش

ابن الظهرة وابن طرابلس ذلك المواطن الليبي الكبير الذي أحب ليبيا كلها ودعا الى ان تكون لليبيا شخصيتها التي تميزها عن باقي الاقطار العربية. كان الاستاذ عبدالحميد البكوش هو الوحيد من جيل الثلاثينات الذي ترأس الحكومة الليبية في العهد الملكي الليبي فهو من مواليد ١٠ أغسطس عام ١٩٣٣. أما الذين تولوا هذه المسؤولية الوطنية الكبيرة قبل وبعد الاستاذ عبدالحميد البكوش فكانوا جميعا من مواليد ما قبل ١٩٣٠.

وكان من أهم الشعارات التي رفعها الأستاذ عبدالحميد مختار البكوش هي دعوته الى بناء "الشخصية الليبية“. وكان يعني بالشخصية الليبية أن تكون لليبيا خصوصيتها كوطن واحد لكل الليبيين والليبيات دون قبلية ودون جهوية ودون تنابز بالألقاب الليبية. لا شرقاوي لا غرباوي لا فزاني. ولا ما بينها من الالقاب الصغيرة. بنغازي. طرابلسي. زاوي. غدامسي. غرياني. مصراتي. ترهوني. درناوي. نالوتي . زنتاني . الى اخره.

كان يريد من طرحه فكرة "الشخصية الليبية" أن يكون جميع المواطنين في ليبيا ليبيين وليبيات فقط.! كان حلمًا جميلًا ولكنه مع الأسف الشديد لم يتحقق ولكنه يظل حلما يتمنى الليبيون والليبيات ان يتحقق يوما ما.

ويظل الفضل برفع شعار "الشخصية الليبية" علامة فارقة في كتاب التاريخ السياسي للمواطن الليبي الكبير الاستاذ عبدالحميد مختار البكوش طيب الله ثراه.

درس القانون. وعمل في القضاء وفي المحاماة ثم اختاره دولة ألرئيس السيد محمود المنتصر وزيرا للعدل في حكومته الثانية عام ١٩٦٤ وهو في أوائل الثلاثينات من عمره واستمر يشغل هذا المنصب الهام في الحكومتين الليبيتين التاليتين وهما حكومة دولة ألرئيس حسين يوسف مازق طيب الله ثراه ثم في حكومة دولة ألرئيس عبدالقادر البدري رحمه الله. ثم اختاره الملك الصالح لتشكيل الحكومة الليبية العاشرة وقبل الاخيرة في عهد الاستقلال عهد ليبيا الملكي الزاهر.

حاول إجراء إصلاحات جذرية في نظام الحكم وفتح باب الحكومة الليبية على مصراعيه أمام جيله جيل الثلاثينات فكانت فترة حكومته التي تقل عن عام واحد حافلة بالكثير من الانجازات كان من ابرزها استكمال المنظومة القانونية الليبية وتوحيدها وإصدار قانون موحد للضرائب في ليبيا. ودعم القوات المسلحة الليبية وتزويدها بمنظومة متقدمة للدفاع الجوي ودعم القدرات العسكرية للجيش الليبي في البر والبحر والجو. والعمل على رفع الكفاءة والخبرة لضباط وجنود جميع أفرع القوات الليبية المسلحة. وحرص على وضع خطة طموحة للتنمية. كما أنه حرص على ونجح في تطوير العلاقات السياسية لليبيا العربية منها والأفريقية والعالمية.

فكانت فترة حكومته ذات طعم خاص خلقت اجواءا من التفاؤل والامل بين المثقفين الليبيين الذين كانوا يتطلعون الى المزيد من الحرية السياسية ومن حرية الصحافة ومن النهضة الفكرية التي بدأت مظاهرها تبرز للعيان في كل مدينة وفي كل قرية من مدن وقرى الوطن. كما خلقت تلك الفترة أجواء مماثلة من الامل لدى جماهير الشعب الليبي الذي يتطلع دائما الى المزيد من الحرية ومن الامن ومن التقدم ومن التنمية في جميع المجالات.

غير أن توجهاته الجريئة تلك وخططه الثورية الحقيقية القائمة على الفكر والعلم وليس على الدبابة والمدفع والتسلط على رقاب الناس ،لقيت تلك التوجهات معارضة شديدة من بعض قوى الحرس القديم الذين لم يكونوا يدركون الابعاد الحقيقية لتطلعاته وتطلعات الجيل الذي ينتمي اليه.

فتم التآمر للإطاحة به وبأحلامه كما تم التاثير على الملك الصالح الذي تقدم به العمر والذي كانت عقليته أقرب الى عقلية ذلك الحرس القديم منها الى العقلية المتجددة لجيل الثلاثينات المميز فاختار الإطاحة بحكومة ألرئيس عبدالحميد مختار البكوش .! فانهارت كل تلك الاحلام الليبية الجميلة بأمر ملكي.! فكان لابد أن تكون لتلك الخطوة الغريبة والمفاجئة أثارها الكارثية على الوطن وعلى الشعب في ليبيا.

كانت النتيجة القاسية لتلك الخطيئة السياسية ان صح التعبير هي تلك الكارثة السوداء وذلك الزلزال الرهيب الذي ضرب الوطن في إنقلاب أيلول الاسود فجر الاول من سبتمبر ايلول عام ١٩٦٩ بعد أقل من عام واحد على إقالة تلك الحكومة الجريئة والمتميزة.!

وهو الحدث الرهيب الذي قضى على كل الطموحات الكبرى التي كان ينوي تحقيقها السيد ألرئيس الأستاذ عبدالحميد مختار البكوش ومن معه من جيل الثلاثينات المميز كما قضى على الحلم الليبي الكبير الذي كان يراود الشعب الليبي والذي كان يعمل جيل الثلاثينات على انجازه من خلال الخطط الطموحة للتنمية والتي كانت ستحقق نقلة نوعية لليبيا بين شقيقاتها من الدول العربية ومن دول العالمين الثاني والثالث.

حدثت تلك الكارثة وحدث ذلك الزلزال كما قلنا بعد أقل من عام واحد على إقالة حكومته في اليوم الرابع من سبتمبر ايلول ١٩٦٨ ولما تكمل عامها الاول.! وشاءت الأقدار أن تجمع مرة أخرى بين الملك الصالح ورئيس وزرائه دولة ألرئيس الأستاذ عبدالحميد مختار البكوش في دار هجرتهم في مصر المحروسة بعد ذلك الانقلاب العسكري المشبوه في ايلول الاسود عام ١٩٦٩.

وقد أخبرني الاستاذ عبد الحميد خلال لقاءاتنا العديدة في سنوات الهجرة ان مولانا الملك الصالح قد اعترف له بأن اقالة حكومته كانت من بين بعض الأخطاء التي ارتكبها الملك الصالح خلال سنوات توليه المسؤولية في ليبيا.! وجل من لا يخطئ كما قال. وكانت تلك لاشك فضيلة من الفضائل العديدة لمليكنا الصالح طيب الله ثراه. وقد قيل قديما إن الاعتراف بالحق فضيلة.

واستطيع ان أؤكد جازما انه لو لم تتم إقالة تلك الحكومة المميزة في تلك الفترة الحاسمة والحرجة من التاريخ الوطني الليبي واستمرت حكومة دولة الرئيس الاستاذ عبدالحميد البكوش في الحكم لاستحال حدوث ذلك الزلزال في ذلك اليوم الليبي الاسود ولكان لليبيا اليوم شأنا اخر مختلفا جدا.!!

وقدر الله أن يقضي الرئيس الاستاذ عبدالحميد مختار البكوش بقية سنوات عمره مهاجرا الى الله و"خيم بعيدا عن عرس الدم " كما قال في إحدى قصائده آلتي أمتلأت بالحب والحنان لليبيا التي أحبها وأسماها في ديوانه "أم السعد“.!

وجاء يوم الرحيل في ديار الغربة في مدينة أبوظبي في دولة الامارات العربية المتحدة في اليوم الثاني من مايوأيار عام ٢٠٠٧ وكانت تلك صدمة قاسية لي ولكل أصدقائه ولكل زملائه ولكل من عرفه وللعديد من الليبيين والليبيات الذين عرفوه وعرفوا قدره وعرفوا نضاله وكفاحه من أجل ليبيا "أم السعد“.!! ودفن في مقابر تلك المدينة بعيدا عن التراب الوطني الذي أحبه وبعيدا عن مرابع طفولته وشبابه وبعيدا عن "أم السعد". ولا يزال قبره هناك. اللهم اغفر له وارحمه.

(2) الاستاذ الدكتور علي أحمد عتيقة

الشخصية الثلاثينية الثانية التي ينبغي الاشادة بها وبدورها الخاص والمميز في الوطن العزيز هي شخصية العالم الجليل الموظف الكفؤ والوزير المتميز الاستاذ الدكتور علي أحمد عتيقة رحمه الله تعالى رحمة واسعة. هو بلاشك رائد خطط التنمية في ليبيا وحامل رايتها الخفاقة قبل أن يلقي بها إنقلاب أيلول الاسود في واد سحيق.!

عرفته مبكرا وربطتنا علاقة اخوة وود وصداقة دامت لسنوات طويلة خلال عهد ليبيا الملكي الزاهر وبعده. جمعنا العمل العام في الحكومات الليبية خلال عمله مديرا لإدارة البحوث في بنك ليبيا المركزي ثم في المجلس الاعلى للبترول وفي لجنة التخطيط المشتركة وفي المجلس الاعلى للتخطيط وفي المناسبات الخاصة والعامة في العاصمة طرابلس وفي مدينة البيضاء. كما جمعنا اهتمامنا المشترك بالحركة الفكرية والثقافية في الوطن العزيز.

ولد هذا الرجل الليبي النبيل والعظيم في مدينة مصراتة عام ١٩٣١ وهي إحدى المدن الليبية المجاهدة ضد الاحتلال الايطالي الغاشم لبلادنا عام 1911. وتلقى تعليمه الأولي فيها ثم انتقل الى العاصمة طرابلس ومنها الى الولايات المتحدة الامريكية حيث التحق بجامعة ويسكانسون دارسًا علم الاقتصاد حيث تخرج منها وحصل على درجاته العلمية العليا ونال منها شهادة الدكتوراه في الاقتصاد ومنها عاد الى ارض الوطن لينضم الى فريق العمل في بنك ليبيا المركزي مديرا لادارة البحوث ومستشارا للمحافظ ولمجلس إدارة البنك. فكان من أوائل كبار المسؤولين في هذه المؤسسة الليبيه الهامة.

كان رحمه الله رجلا عصاميا علمته الحياة ان يكون جادا في كل شؤونه دقيقا في كل عمل يؤديه صادقا في القول والعمل. كآن لقائي الاول معه في مكتبه في مبنى البنك المركزي في طرابلس ومنذ ذلك اللقاء الأول أصبحنا صديقين حميمين تجمع بيننا الكثير من الخصال المشتركة ثم جمعنا المجلس الاعلى للبترول حينما تم اختياره عضوا فيه من بين الاعضاء الخبراء غير الوزراء المختصين الاعضاء بحكم مناصبهم وهم وزراء المالية والاقتصاد والصناعة والتخطيط والتنمية ووزير شؤون البترول رئيس المجلس.وكنت حينها السكرتير العام لذلك المجلس. ثم أصبح الدكتور علي احمد عتيقة وكيلا لوزارة التخطيط ثم وزيرا للتخطيط حيث كانت تجمعنا جلسات لجنة التخطيط المشتركة وجلسات المجلس الأعلى للتخطيط.

كان جادا ودقيقا في كل عمل أنجزناه معا وكانت قدرته على إدارة الاجتماعات المشتركة واضحة لكل الزملاء. كان حريصا دائما على ضرورة تخصيص ما نسبته ٨٠٪ من دخل النفط لميزانية التنمية حسب ما ينص عليه القانون الليبي وكان يصر على ذلك إصرارًا شديدا.

في إحدى الجلسات الرسمية للحكومة برئاسة الاستاذ عبد الحميد البكوش والتي دعيت للمشاركة فيها طلب مني الوزير الدكتور علي احمد عتيقة أن أقدم للمجلس الرقم الحقيقي لدخل الدولة من النفط إذ كان يشك في أن الرقم المطروح في تلك الجلسة لم يكن هو الرقم الصحيح.!

وكان يشك في أن وزارة شؤون البترول تحتفظ بجزء من ذلك الدخل في حساب وزارة المالية في البنك المركزي. التفت إلي السيد ألرئيس وقال لي : قل له الرقم الصحيح.! فأجبته قائلا : قل له أنت. !! فالرقم الذي أعرفه هو الرقم الذي تعرفونه أنتم أيضا. والرقم الذي أعرفه هو الرقم الوارد في المذكرة.!! وتلت ذلك لحظات باسمة بين الحاضرين.! ولكن الصديق العزيز الوزير الدكتور علي أحمد عتيقة لم يشاركنا تلك اللحظات الباسمة فهو يعرف متى يبتسم ويعرف أيضا متى يكون جادا وحاسما.!

ولكنني أستطيع أن أقول اليوم أن شكوك الوزير الصديق قد يكون لها ما يبررها لأن الواقع أن الرقم الحقيقي كان يزيد قليلا عن الرقم الوارد في تلك المذكرة وذلك بناء على تفاهم بين وزارتي المالية والبترول وبعلم السيد الرئيس الاستاذ عبدالحميد البكوش ليبقى ذلك الرصيد في حساب وزارة المالية وهو الحساب رقم ١ في البنك المركزي الليبي كنوع من الرصيد الاحتياطي للحكومة الليبية.! على أن ذلك المبلغ لم يكن مبلغا كبيرا وكانت وزارة شؤون البترول حريصة حينها أيضا على تخصيص النسبة الاكبر من دخل ليبيا النفطي لمشاريع التنمية كما ينص على ذلك القانون.

رحم الله أخي العزيز الدكتور علي احمد عتيقة ورحم الله الاخ والصديق العزيز الاستاذ عبدالحميد مختار البكوش.

كان الدكتور علي عتيقة رحمه الله هو الشخصية البارزة وراء الخطة الخمسية الطموحة ١٩٧٣/١٩٦٨ وهي الخطة الخمسية التي جرى تعديلها بعد ذلك بعنوان الخطة الخمسية ١٩٧٤/١٩٦٩. وكانت تلك مع الاسف اخر خطة تنمية عرفتها ليبيا وهي الخطة الطموحة التي كانت ستنقل ليبيا من حال الى حال أفضل كثيرا للوطن وللمواطنين. ولكن صغار الملازمين الذين لا يعرفون شيئا لا عن التنمية ولا عن التخطيط بادروا بالغاء تلك الخطة الكبيرة بدعوى صبيانية وجاهلة هي أن تلك الخطة التي كان من ضمن مشروعاتها بناء الطريق الساحلي المزدوج الذي يربط بين حدود الوطن الشرقية مع مصر في مساعد وحدود الوطن الغربية مع تونس في راس جدير.

قالوا إن سبب تشييد ذلك الطريق كأحد مشاريع تلك الخطة لم يكن لصالح الوطن بل لسبب اخر ذكروه وهو أن الملك الصالح طيب الله ثراه كان يخشى ركوب الطائرات ويفضل استخدام الطريق البري.!! فتم وضع ذلك المشروع تحقيقا لرغبة الملك وليس تحقيقا للصالح العام.!

ذلك كان مبلغهم من العلم.!! وكان ذلك هو السخف المبين حقا. !!وتلك كانت أي إلغاء خطة التنمية أولى كوارث انقلاب ايلول الاسود على الوطن وعلى الشعب في ليبيا. فإن جريمة إلغاء خطة التنمية تلك لا تقل بشاعة عن جريمة الانقلاب العسكري نفسه.!!

وحاولنا ونحن في السجن إقناع صغار الضباط ممن كانوا يسمون بأعضاء "مجلس قيادة الثورة" باستعادة تلك الخطة ولكن لا حياة لمن تنادي.!!وعندما رأوا ان يقوموا ببعض المشاريع بعد ان تمت لهم السيطرة على مقدرات الوطن لم يجدوا سوى البعض من مشروعات تلك الخطة فاختاروا إعادة تنفيذ بعضها من جديد ولكن بأضعاف التكلفة الأصيلة.!!

ثم جمعنا سجن الانقلابيين سجن الحصان الاسود عقب انقلاب ايلول الاسود. ثم قدر الله للدكتور علي احمد عتيقة أن يتم اختياره أمينًا عاما لمنظمة الاقطار العربية المصدرة للنفط "اوابك" او اوبك العربية كما يحب البعض ان يدعو تلك المنظمة التي كنت مِن المشاركين في تاسيسها.

وقد شهدت المنظمة تحت قيادته وإدارته قفزات كبيرة وتنوعا في نشاطها وفي زيادة عدد أعضائها الثلاثة المؤسسين ليبيا والسعودية والكويت بعدد اخر من الدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط.

واخيرا استقر به المقام في عمان في المملكة الأردنية الهاشمية حيث عمل مستشارا للأمم المتحدة وخبيرا في شؤون التنمية وراعيا لمنتدى الفكر العربي برعاية صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال الذي كانت تربطه علاقة وثيقة بالدكتور علي احمد عتيقة طيب الله ثراه.

وكان اليوم الثاني من يونيو من عام ٢٠١٤ هو اليوم الذي لبى فيه الصديق والأخ والزميل العزيز الاستاذ الدكتور علي احمد عتيقة نداء ربه رحمه الله برحمته الواسعة وأدخله فسيح جناته وجزاه خير الجزاء لجهاده المتواصل من اجل الوطن ومن أجل صالح الشعب الليبي طوال سنوات حياته.

ذلك واحد من كبار جيل الثلاثينات المميز الذين ينبغي لنا جميعا الاشادة بهم والتذكير بإنجازاتهم الكبرى لصالح وطننا العزيز. ولعل من حقه علينا أن نذكر أن السيد الرئيس الاستاذ عبدالحميد البكوش رحمه الله قد اقترح على الملك الصالح طيب الله ثراه أن يكلف الدكتور علي احمد عتيقة بتشكيل الحكومة الليبية الجديدة عقب تقديم استقالته ولكن الملك لم يستجب مع الاسف لذلك الاقتراح الذي كان سيوفر الكثير من النجاحات للوطن العزيز.

(3) الاستاذ أحمد الصالحين الهوني

ربما كان أكبر جيل الثلاثينات سنا فهو من ومواليد ١٩٣٠. ولكنه قد يكون من أبرزهم عطاء وأكثرهم تأثيرا في الحياة السياسية الليبية في العهد الملكي الزاهر. الاستاذ احمد الصالحين الهوني كان شخصية كاريزمية في بعض الاحيان ولكنه كان شخصية غامضة أيضًا عند الكثيرين ممن عرفوه وتعاملوا معه.

كان صحفيا وإعلاميا كتب المقالات والافتتاحيات والتعليقات السياسية. عمل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وأشرف على رحلات الحجاج الليبيين الى بيت الله الحرام. ثم اختاره الرئيس الاستاذ عبدالحميد مختار البكوش وزيرا للاعلام في حكومته وشغل نفس المنصب بعد ذلك في حكومة السيد ونيس القذافي التي قدر الله سبحانه وتعالى ان تكون هي اخر حكومة ملكية في ليبيا. ويمكنني القول إنه كان أبرز وزراء الاعلام الليبيين وربما العرب أيضا.

كانت له طريقته الخاصة في العمل وكان له أسلوبه الخاص في معالجة المواقف السياسية التي واجهها. لم يكن بالنسبة لي من زملاء الدراسة ولم ألتق به إلا عندما كان وكيلا لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وكثيرا ما التقينا في بعض المناسبات الاجتماعية الخاصة عند أصدقاء مشتركين في مدينة طرابلس. وتوطدت العلاقة بيننا في عهد حكومتي الرئيسين عبدالحميد البكوش وونيس القذافي.

ثم شاءت الاقدار ان تجمعنا في مكانين مختلفين ولسببين مختلفين. جمعتنا زنزانات القسم الثالث من السجن المركزي سجن الحصان الاسود عقب إنقلاب أيلول الاسود ثم جمعتنا تلك المهزلة التي سميت بمحكمة الشعب وجمعتنا اخيرا وللمرة الثالثة عاصمة الضباب لندن التي اختارها كلانا دارا لهجرته فرارا من القرية الظالم أهلها.! وفيها أصدر صحيفته "العرب" والتي كانت هي أول صحيف عربية تصدر في العاصمة البريطانية.

كان الاستاذ أحمد الصالحين الهوني لماحا ذكيا وسريع البديهة كما كان صاحب نكتة ويتمتع بخفة الدم. ولعل أبرز ما يسجله له التاريخ خلال حياته هو ذلك الموقف التاريخي الذي وقفه ضد إصرار السيد ونيس القذافي رئيس الحكومة ليلة ٣٠/٢٩ أغسطس عام ١٩٦٩ برفع حالة الطوارئ التي كانت معلنة في صفوف الجيش وقوات الامن عقب تقديم الملك الصالح لاستقالته يوم ٤ أغسطس ١٩٦٩ وإصراره عليها. كما لو أنه كان يتوقع الكارثة التي حدثت بعد ذلك بثمان وأربعين ساعة.!!

وكان من المستحيل أن يحدث ما حدث لو كانت حالة الطوارئ لا تزال سارية داخل الجيش وداخل قوات الامن العام.

كان خلال فترة الاعتقال من أكثرنا استدعاءا لما سمي بمكتب الإدعاء العام. ثم تمت إحالته الى ما كانت تسمى "محكمة الشعب" بصفته المتهم الاول في قضية غريبة لجريمة مصطنعة لا أركان لها كما يقول رجال القانون أسموها قضية تضليل الراي العام وكنت انا ايضا احد المتهمين فيها بسبب عملي السابق في دار الإذاعة الليبية.

وخلال تلك المحاكمة السخيفه برزت عبقرية الاستاذ أحمد الصالحين الهوني. سأله رئيس تلك المحكمة وهو ضابط صغير لا يفقه شيئا لا في القانون ولا في الاعلام ولا في أصول المحاكمات ساله : لماذا كنت ترسل رجال الإذاعة والتلفزيون وراء الملك خلال تحركاته داخل البلاد!؟ وفي هدوء ودهاء عرف بهما وزير الاعلام والثقافة السابق أجاب رئيس المحكمة المهزلة قائلا: لم أكن أرسل أحدا.! بل هي تلك طبيعة رجال الإعلام.! يجرون وراء كل حدث.!! فأنت تراهم اليوم يجرون وراء "الاخ قائد الثورة" أينما ذهب. ! فهل هو الذي طلب منهم ذلك.!؟ 

فبهت الذي سأل حتى لا نقول بهت الذي كفر.!! ولم يفهم أو لم يرتدع السيد رئيس تلك المحكمة المهزلة ولكنه فاجأ الاستاذ أحمد الصالحين الهوني بسؤال سخيف اخر. قال له: مالذي جعلك تتمرغ في التراب الذي يضم جثمان "السنوسي" في الجغبوب.!؟

وبهدوئه ودهائه المعروف أيضا القى على وجه رئيس المحكمة قنبلة أخرى.! قال له: إنني واحد من المحبين لأولياء الله الصالحين.! وقد سمعت أن والدك كان واحدا منهم.! ولو أنني كنت أعرف ضريحه لزرته هو الاخر ولفعلت عنده ما فعلت في مقام سيدي المرحوم محمد بن علي السنوسي الاكبر.!! وهنا لم يتمالك ذلك الضابط الصغير نفسه وفاجأنا كما فاجأ هيئة المحكمة وجمهور الحاضرين بضحكة هستيرية.! ثم رفع الجلسة ربما ليبلغ "الاخ القائد“ بما جرى.!!

(4) السيد المهندس أنور ساسي

شاب من درنة يتقد حماسة ووطنية ويحمل حبا لا حدود له لليبيا ولكل أبنائها. تولى المنصب الوزاري لاول مرة كوزير للاسكان والاملاك الحكومية في حكومة الاستاذ عبدالحميد البكوش التي ضمت العديد من جيل الثلاثينات كان من بينهم هذا المهندس الخلوق والباسم أبدا السيد انور ساسي ابن مدينة درنة الساحرة الجميلة. الى جانب اخرين من أهل الفكر والعلم كالمهندس فتحي جعودة والمهندس علي الميلودي وغيرهم. ثم احتفظ بالمنصب الوزاري نفسه في حكومة الرئيس ونيس محمد القذافي التي شاء القدر أن تكون هي اخر حكومات العهد الملكي الليبي الزاهر.!

لم نكن زملاء على مقاعد الدراسة ولم تكن لنا علاقة زمالة إلا في انتماء كلينا لهذا الجيل الرائع والمتميز من الليبيين والليبيات جيل الثلاثينات. التقينا من خلال العمل العام فأصبحنا أصدقاء وكانت ولا تزال بيننا علاقة مودة واحترام ويجمعنا قاسم مشترك هو التفاني والإخلاص في العمل العام.

كان رجلا جادا في عمله دقيقًا في قراراته كما كان من المدافعين عن حرية الراي وعن حرية الصحافة. جمعتنا بعض اللقاءات في كل من طرابلس والبيضاء وبعض جلسات مجلس النواب الموقر. ساهم بخبرته وبعلمه في وضع خطط التنمية وفي برامج التعمير والاسكان في الوطن العزيز. أدعو الله سبحانه وتعالى له بالصحة والعافية.

(5) الاستاذ منصور رشيد الكيخيا

لم يتول المنصب الوزاري في حكومات العهد الملكي ولكنه كان من أهم جيل الثلاثينات المميز في وزارة الخارجية الليبية وإن كان قد شغل المنصب الوزاري على مضض بعد انقلاب أيلول الاسود الذي سرعان ما انشق عنه وانضم الى المعارضة السياسية الهادئة للخطايا والرزايا التي ارتكبها ذلك النظام المشبوه الذي تسلط على رقاب الليبيين والليبيات بالفساد والجريمة. ورغم معارضته الهادئة ودعوته للإصلاح إلا أن النظام الدموي الاسود قام بخطفه وتصفيته في عملية إجرامية دنيئة لا يرتكبها إلا عتاة المجرمين وعصابات المافيا.

كان الاستاذ منصور واحدا من أبرز جيل الثلاثينات الذين ساهموا في إدارة الشأن العام في العهد الملكي. وكان دبلوماسيا من طراز رفيع. درس القانون. وعرف ما للمواطن من الحقوق والرعاية والحماية والمحافظة على كرامته وحريته.

لم تجمعنا مقاعد الدراسة ولكن جمعتنا تطلعاتنا الوطنية والقومية في فترة دقيقة وحرجة من فترات التاريخ الليبي والعربي. كان رفيق نضال. وكان من أهل الرأي السديد الذين نصحوا لله وللوطن وقدموا النصح لوزراء الخارجية ولرؤساء الحكومات الليبية الذين عمل معهم وكان دائما وفيا للقيم العليا التي تربى عليها وللمبادئ الوطنية والقومية التي امن بها وللقيم التي تعلمها من دراسته للقانون.

كانت تربطني به علاقة نضال وعلاقة صداقة ومودة. وكانت بيننا لقاءات عديدة في ديار الهجرة نتبادل الراي والحديث عن هموم الوطن.

أدعو الله سبحانه وتعالى له بالرحمة والرضوان وان يجازيه جزاء الشهداء فهو شهيد الوطن الذي تامر عليه أهل البغي والباطل ولم يعرفوا له قدره الكبير ولا علمه الغزير ولا نضاله الطويل قبل وبعد ايلول الأسود.

ولكن شاء الله أن تدور على الباغي الدوائر وأن يشهد الوطن المغتصب زوال ذلك النظام ومن كانوا وراءه في انتفاضة ١٧ فبراير الشعبية المجيدة التي لو امتد العمر بالاستاذ منصور الكيخيا لكان واحدا من القادة الذين سيحافظون على تلك الانتفاضة ويحققوا لشعبنا كل أمانيه في استعادة دولة الدستور والقانون.

نكتفي بهذه الكلمات عن هذه الشخصيات الخمسة المميزة من جيل الثلاثينات كعينة بسيطة من أولئك الشباب والرجال الكبار الذين حملوا الامانة بعد الجيل الاول من بناة الاستقلال وإن كان من الواجب أيضا أن نذكر بعض الاسماء البارزة والمعروفة ايضآ من جيل الثلاثينات من الوزراء ووكلاء الوزارات وكبار المسؤولين في عهد ليبيا الملكي الزاهر حيث كان لكل منهم إسهاماته ودوره في العمل الوطني الليبي وكلهم أصدقاء أعزاء جمع بيننا العمل العام وخدمة الوطن.

كان عَلى رأس هؤلاء وفي مقدمتهم الأستاذ بشير السني المنتصر وزير الدولة لشؤون الرئاسة والذي كان يتولى وزارة شؤون البترول بالوكالة في غياب الوزير الاصيل المرحوم السيد خليفة موسى. وكان منهم الوزير طارق الباروني وزير الصناعة سليل أسرة المجاهد الكبير سليمان الباروني. وكان منهم المهندس فتحي جعودة وزير الأشغال. وكان منهم الاستاذ عبد المولى لنقي وزير العمل والشؤون الاجتماعية والنائب المحترم الذي كثيرا ما صدح بالحق في قاعات مجلس النواب. وهو الذي قام ببناء المدينتين الرياضيتين في بنغازي وطرابلس. وكان منهم الاستاذ عبد المولى دغمان الذي كان وكيلا لوزارة شؤون البترول حين انتقالي إليها ثم تولى رئاسة الجامعة الليبية. كان مناضلا يصدح بالحق وقف في وجه الظلم والظالم فتم اعتقاله وتمت تصفيته فلقي الله شهيدا من اجل الحق ومن اجل الوطن. اللهم اغفر له وارحمه. وكان منهم السيد عمر محمود المنتصر الذي تولى وزارة العدل وكان سفيرا للمملكة الليبية لدى بريطانيا غداة الانقلاب العسكري الغامض المشؤوم. ومنهم الاستاذ رجب مفتاح الماجري الصديق الاديب الشاعر الذي تولى وزارة العدل في الحكومة الملكية الليبية الاخيرة.

ومنهم الصديق الاستاذ أحمد يونس نجم الذي تولى وزارة الاقتصاد والتجارة. ومنهم الاخ العزيز المهندس علي الميلودي الذي تولى وزارة الشؤون البلدية. ومنهم الصديق والاخ الدكتور احمد عبدالرزاق البشتي الذي تولى وزارتي الصحة والخارجية. ومنهم الاستاذ أحمد فؤاد شنيب الذي تولى وزارة المعارف. ومنهم الصديق الاستاذ خليفة التليسي الذي تولى وزارة الانباء والارشاد. ومنهم الصديق الاستاذ عبداللطيف الشويرف الذي تولى هو الاخر وزارة الاعلام والثقافة. ومنهم استاذي وصديقي الاستاذ الدكتور مصطفى عبدالله بعيو الذي تولى وزارة التربية والتعليم كمًا ترأس الجامعة الليبية. ومنهم الاستاذ عبدالكريم لياس الذي تولى وزارة الزراعة والثروة الحيوانيه. ومنهم الصديق العزيز الاستاذ المهندس بشير الحنش وكيل وزارة الاشغال العامة ورئيس لجنة العطاءات المركزية ذلك الرجل الصادق الامين مع الله ومع الوطن ومع الواجب الحريص على المال العام والحريص على النزاهة والصدق في كل عمله. ربطتني به زمالة العمل العام كما كانت بيننا علاقة مودة وصداقة طويلة ولا تزال. ندعو الله سبحانه وتعالى ان يمتعه بالصحة والعافية. ومنهم أخيرا كاتب هذه السطور الذي لا يريد أن يتحدث عن عمله الخالص لله وللوطن في دار الإذاعة الليبية ثم في وزارة شؤون البترول ثم في بعض المنظمات العربية والدولية فقد يعرف عن ذلك او عن بعضه ثلة من الذين يتابعون موقعه في هذا الفضاء الاليكتروني الواسع من الزملاء والاصدقاء ومن المتابعين لهذا الموقع أيضا من الاصدقاء والصديقات حفظهم الله ورعاهم ومن المتابعين لما كان يجري في الوطن خلال العهد الملكي وخلال عهد أيلول الاسود وما بعده.

ولعله من المناسب أن نختم هذا الفصل قبل الأخير من هذا الكتاب بهذه الايات البينات من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا}.. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا. أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الارائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا}. صدق الله العظيم. الايات ٢٩ الى ٣١ من سورة الكهف.

رحم الله رجالات الاستقلال.. ورحم الله من تبعهم بإحسان من جيل الثلاثينات المميز.

ابراهيم محمد الهنقاري

 إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات السابقة.

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع