مقالات

المهدى يوسف كاجيجي

ليبيا.. الموت على الطرقات

أرشيف الكاتب
2022/09/16 على الساعة 21:35

في أوائل الستينات من القرن الماضي، كانت مكاتب جريدة الحرية في شارع النصر، وكنت وقتها اسكن في منطقة فشلوم. كان عليّ أن أقطع المسافة يوميا في الساعات الأولى من الفجر، بعد ان أكون قد ألقيت نظرة اخيرة على الجريدة قبل الطبع. في طريق عودتي إلى البيت، كان عليّ ان اعبر الاشارة الضوئية، وهي ما كنا نطلق عليها اسم " السيمافرو" الموجودة عند تقاطع شارع البلدية مع القصر الملكي. في أحد الأيام، كانت الساعة الثالثة فجرًا تقريبا.. تلفت يمينًا لا أحد.. تلفت يسارًا.. لا أحد، بينما الإشارة الضوئية ترسل اللون الأصفر على وشك إرسال اللون الأحمر، فضغطت على دواسة البنزين، وبمجرد عبوري التقاطع، سمعت صوت صفارة. توقفت.. فورًا فظهر رجل مرور على دراجته النارية، ألقى تحية الصباح، وطلب الرخص. قدمت له بطاقتي الصحفية، لعلها تشفع لي، فقرأها بإمعان وقال بالحرف الواحد: يا خيبة المسعى ويا خيبة الأمل ، تخيل يا أستاذ مهدي ان أبنى معجب بك، وهو من قراء صفحتكم يوم الخميس، بالله عليك شنو بنقوله؟ كاتبك المفضل لا يحترم القانون؟ يا أستاذي هذه الاشارة وضعت من أجل سلامتك، فإذا كانت حياتك رخيصة عليك، فما ذنب المواطنين الآخرين؟ يومها تم تلقينِ درسا لم ولن انساه ما دمت حيًا.

تذكرت هذه الحكاية التي مضى عليها اكثرمن نصف قرن، وأنا أتأمل حالة الفوضى العارمة، التي تعيشها حركة المرور في ليبيا، في بلد تم تصنيفه ضمن واحد من عشرة بلدان، هي الاسوأ مروريا في العالم. ارقام مرعبة في الخسائر الاقتصادية، والارواح البشرية، آسر كاملة تفقد ارواحها، وفيات تفوق موتى الحروب فى عام واحد في حوادث على طرق انعدمت فيها الصيانة، تخلوا عن أبسط قواعد السلامة، بلد يتم الاعتداء عليك فيه لفظيا إذا توقفت في إشارة المرور الحمراء. إن القيادة على الطرقات الليبية تذكرني بلعبة السيارات المتصادمة في مدن الملاهي، فوضى عارمة، اختلط فيها الحابل بالنابل، اختفى فيها القانون، وانحدرت فيها الاخلاقيات، وهبط فيها الذوق العام. بل وصل الأمر الى درجة الصدام المسلح عند تقاطع الطرق، والسبب هو غياب القانون، وغياب رجل المرور عن المسرح، وإذا تواجد اصبح لا قيمة له، (كشاهد ما شافش حاجة) على راي المسرحية الشهيرة. وإذا حضر فهو عرضة للإهانة وعدم التقدير والاحترام، وربما تعرض للاعتداء اللفظي والجسدي.

اوقفوا النزيف !!

الموت على الطرقات العامة، اصبح مشكلة خطيرة من الضرورة التصدي لها، وإيجاد حل سريع وجريء يتمثل في إعادة النظر في القوانين واللوائح الخاصة بقطاع المرور، واجراء التعديلات عليها بما يتناسب مع التغييرات الشاملة التي جرت على ارض الواقع، وتغليظ العقوبات، واستخدام التقنيات الحديثة والمتطورة في ضبط المخالفين، وتنفيذ الاحكام على الجميع، دون محاباة او مجاملة، ونشر الثقافة المرورية عبر الوسائل الإعلامية، وفرضها كمادة تربوية تلقن لطلبتنا في المدارس، وإعادة الهيبة والاحترام والتقدير لرجل المرور ، مدعوما من المجتمع ومن الدولة، ممثلا للسلطة التي تعمل من اجل سلامة المجتمع وافراده.

المهدي يوسف كاجيجي

• الصورة: نوفمبر 1958م الاحتفال بإدخال اول اشارة مرور ضوئية لشوارع مدينة طرابلس.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع