مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. متحف الفأر

أرشيف الكاتب
2022/09/16 على الساعة 20:52

لو أردنا تعريف المتحف، أو وصفه لقلنا، كما قالت القواميس، هو مؤسسة مهمتها اقتناء وحفظ، ودراسة وعرض، أشياء ثمينة، لها علاقة بالعلم والفن، وأشياء مهمة ثقافيا، تساعد على تنمية المعارف البشرية. وصف جميل واضح بليغ، وصفت به مؤسسة من أهم المؤسسات التثقيفية الإعلامية، تفيد وتخبر وتعرض، كل ما يُعتبر أن فيه ما يفيد الأنسان وينمّي معارفه وثقافته العامة. إذا أخذنا هذا التعريف في اعتبارنا، وجدنا أن الفأر لا مكان له في أي متحف. أما أن يخصص له متحف فهذا من العجب العجاب. العجيب فيه هو اتصاله بالملكية، وكما جاء في مثلنا الشعبي "حكم السلاطين طاعة" حتى أنها جعلت للفأر متحفا. بما أن الأمور بمباديها، كما يقال، فلنبدأ من البداية.

شاءت الأقدار أن يولد ألفوصو 13 ملكا إذ مات أبوه، جد الملك الحالي لأبيه قبل أشهر قليلة من ميلاده. ولد ضعيفا حتى أن مجرّد سقوط سن من أسنانه يحدث له توعكا صحيا فينشأ عنه قلق وحيرة لأمه، القائمة بالوصاية، حتى يبلغ السادسة عشرة فيقسم على الدستور ويتولى الملك بنفسه. سقطت أولى سن لبنية فمرض وحزن الملك الطفل، فما كان من أمه إلا أن طلبت من أحد القساوسة، قريب من القصر، عرف بالكتابة والإنتاج القصصي، أن يكتب قصة تسلّي بها ابنها مُتوعّك الصحة والمزاج، فأنتج قصة "الفؤير بيريز" التي نالت استحسان الملكة والملك الصغير، لأن بطلها تصادق مع طفل فجعل منه رفيقا مشاركا في المغامرات والجولات الليلية التي يقومان بها، انطلاقا من قاعدة تحركاتهما، وما هي إلا دهليز متجر معروف، يقع في شارع رئيسي بالعاصمة مدريد، مليء بما لذ وطاب من أجبان وما شابهها مما تفضله الفئران. ثم إن الكاتب الذي سمّى الفأر بيريز في قصته، ألبس الطفل شريكه اسم الملك بوبي الأول وهذا الاسم هو الذي تنادي به الملكة ابنها تودّدا. 

تسلّى الملك الطفل بالقصة التي تسردها له أمه قبل أن ينام، وعرفها أصدقاؤه الأطفال أبناء الوجهاء الذين يترددون على القصر، فاشتهرت القصة وشاعت بما نالته من استحسان الكبار والصغار، لأنها، علاوة على جاذبيتها، لم تخل، بل حشرت بسامي المبادئ والعبر التربوية الأخلاقية الثقافية، والنصائح التي توصي بحسن السلوك وطيب المعاملة، والعطف والمحبة الشاملة نحو الجميع، كأن المؤلف أراد بها تربية الملك الطفل، وتكوينه تكوينا كاملا لملك صالح. صمدت هذه القطعة الأدبية أمام الأيام، ونشرت وقرئت وذاعت حتى أصبح لزاما تخليدها فكان. لوحة رخامية نقش فيها اسم القصة واسم مؤلفها وتاريخها ودوافعها، احتلت مكانا بارزا في أحد جدران نفس المكان المذكور بها، لكن لا في دهليزه، بل في طابقه الأول حيث أنشئ متجر متخصص في كل ما يلهو به الأطفال، لهوا سليما من الشوائب والعيوب، لهوا يساعد على تكوينهم تكوينا أخلاقيا رفيعا، وسلوكيا مؤدبا مسالما، وثقافيا منوعا متعددا.

هكذا تسببت سن لَبَنِية في كتابة قصة، وتسببت القصة في إنشاء متحف "الفئران" إن صح التعبير، والمتحف حافظ على حدث فزكاه بمتجر تربوي، ومادي طبعا، فتلك سنة الحياة. حياة تريد الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة، يوجد فيها ومنها ومن أجلها فائدة أو فوائد تربوية أخلاقية سلوكية مبنية على أسمى المبادئ وأرفعها.

محمد نجيب عبد الكافي 

مدريد 15/7/2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع