مقالات

د. الصديق بشير نصر

من حمار الحكيم إلى صوت الحمير (3/3)

أرشيف الكاتب
2022/08/25 على الساعة 16:19

بعد موت الشيخ علي بن الحسين تغيّرت حياة الحمار (أبو صابر) رأساً على عقب. لم يجد أبو صابر من يرعاه فزهد فيه أهل القرية، وانتهى به الأمر إلى بيت (سطام) الذي أهمله وتركه في حاكورة بيته كأنه أجرب دون أن يطعمه أو يسقيه، وهو مشدودٌ بحبل يمنعه حتى من أن يتجول داخل ذلك الفناء ليقتات من خشاس الأرض، وتعرّض للأدى، وابتُلي بصبيان طائشين تفننوا في إيذائه مع أنه كان يُحسن إليهم، ولكن "ماذا تفيد الماء إذا كانت الأرض ذات قيعان لا تُنبت“...

وساق (أبو صابر) قصة مضحكة ومخجلة حدثت له مع ذلك الفتى الخبيث (دحّام) ابن (سطام)  الذي وجد تسليته في الحمار فعاقبه أبو صابر، تأديباً له، بأن رفسه بقوائمه الخلفية رفسةً أفقدته رجولته. غادر الحمار  أبو صابر قرية (سوف) قائلاً:

"لا أقيم عند هؤلاء الأوغاد". وتركتُهم غيرَ آسفٍ. ومضيتُ خارجَ سوف، وقلتُ لا أقيم في قريةٍ أهلُها فيهم هذا الخبيث، ورحتُ أفكّر فيما أصنع في حياتي المُستقبليّة، وأنا يومئذٍ لي من العُمر والتّجربة ما يكفي أنْ أختار، والخير ما اختاره الله“.

ذهب أبو صابر إلى (جرش) وعزم على أن يجمع إليه الحمير من أجل تغيير تاريخهم بتشكيل حزبٍ للحمير. وبدأ بدعوة حمير قرى جرش:

"ومضيتُ إلى قُرى جرش أوّل الدّعوة؛ فالأقربون أولى بالمعروف، وابدأ بِمَنْ تَعُول كما قال الحبيب، فدعوتُ حميرها إلى الفِكرة، وبيّنْتُ لهم ما نويتُ صُنعه، فمنهم من استجاب من أوّل الأمر، ومنهم مَنْ تردّد، ومنهم مَنْ خافَ بسبب مالِكه والعُبوديّة الّتي اسْتَمْرأها، ومنهم مَنْ شتمني وقال: "صحيح أنّك حِمار!!“. ومنهم مَنْ قال:"ألمْ يبعثِ الله إلينا حِمارًا غيرَك ؟". ومنهم مَنْ نعتني بالجنون وبأنّني أفكّر كما يُفكّر البشر! ومنهم من قال: "لولا أنّكَ أخي في الحَمِيْريّة لعلوتُكَ بحوافري". ومنهم من ضحك حتّى استلقى على قَفاه ورِجلاه تدوران في الهواء، ومنهم من طَرَدني، ومنهم من قال:"لو جئتني طالباً يد ابنتي لأجبتُكَ إلى طلبك، أمّا أنْ أنضمّ إلى مثل هذه التُّرّهات فلا". ولم أحزنْ، ولم أيأس، ولم أقنط، ولم أتراجَع، وقلتُ في نفسي: "على أيّة حال لو استجاب لندائي هذا عُشر الّذين دعوتُهم أو حتّى أقلّ من ذلك لكُنّا أكبر حزبٍ في العالَم...!!". وفكّرتُ أكثر: "نحن لسنا حزباً يمينيّاً ولا يساريّاً، ولهذا ستكون لنا الحُظوة بانضِمام أكبر عدد ممكن من الحمير". ورحتُ أواصل اللّيل بالنّهار وأنا أبشّر بمبادِئ الحزب الّتي ستُحقّق العدالة في الأرض! وتَبِعني عددٌ كبيرٌ من الحمير رغم المُعارضات الأولى، وقلتُ لهم: "الحقوا بي إلى العاصمة، فإنْ لم نبدأ ضربتَنا من هُناك فعلى الأقلّ في أطرافِها". ومضَيْنا، وكلّما قطعْنا ميلاً أو اثنَين انضمّ إلى حزبنا عددٌ جديد من الحمير الّتي ثارتْ على اضطهاد أصحابِها لها، أو الّذين قاموا بتحميلهم أضعافَ أضعاف طاقتهم، أو أولئك الّذين مات أصحابهم مثلي، أو تُرِكوا في البرّيّة دون مالكٍ أو راعٍ، وقلت:"نرعى أنفُسَنا بأنفسِنا. وليذهبْ مجتمع الظَّلَمة إلى الجحيم، وأنا ثُمّ العالَم من بعدي". وفكّرتُ أنْ أجعل العبارة الأخيرة أوّل شعارات الحِزب، لِما فيها من الأنفة وحِماية الذّات، فلا بُدّ من أنْ أُحصّن أتباعي من التّغوّل عليهم من ذوي السّلطة الغاشمة، أو الأيادي الجاهلة المِبطاش، أو أصحاب النّفوذ الأغبياء“.

نهض أبو صابر خطيباً في جمهور الحمير، وكأنه قُس بن ساعدة، وراح يروّج لفلسفته ومبادئ حزبه:

"الأرضُ لا تُبنَى إلاّ بالعمل، ولا عملَ يُثمِر إلاّ بإخلاص، وإنّه إذا فُقِدَ الإخلاص فُقِدت الثّمرة، ولسوفَ تلقَون من عَسْفِ البشر ما يدلّ على أنّ الظّلم غريزةٌ مركوزةٌ فيهم، فاصبروا واحتسِبوا، واتركوا مقالة الشّانئين، وأنجِزوا لهذه الأرض ما لم يُنجِزه أحدٌ، وتواضَعوا حتّى لا يُعرَف منكم السّيّد من العبد كما قال العرندس:

(هَيْنُونَ لَيْنُونَ أَيْسارٌ ذوو يُسُرٍ)

(سُوّاسُ مكرُمةٍ، أبناءُ أيْسارِ)

(مَنْ تلقَ منهم تَقُلْ لاقيتُ سيّدَهُمْ)

(مِثلُ النُّجومِ الّتي يَسْرِي بِها السّاري)

وكونوا الأوطأ أكنافًا تُحَبّوا. ولو تحلّى البشر ببعضِ صِفاتكم لغيّروا العالَم، ولجرى نهرُ المودّة بينهم فما أكل بعضُهم بعضاً، ولا شرب بعضُهم دمَ بعضٍ. وإنّنا سنلقَى العنت ونحن صامِتون فلا تحسبوا ذلك ضعةً ولا ضعفاً، وإنّما هو صبرٌ وتعفّف، وهو في ميزان الله عظيم، والله الّذي خلقَ كلّ شيءٍ يعرفُ منزلةَ كلّ عبدٍ عنده بما أعطى ووهب، لا بما أخذ وسلب. ونحن لا نطمع إلى قِيادة البِلاد ولا أنْ نكون مُلوكًا؛ فالملوك أشقى النّاس، ولكنّنا نطمع أنْ تسود روح المحبّة والتّعاون والرّضا، وأنْ يقضي الفرد عُمره مرتاحاً شاكِراً أنعُمَ الله مهما حاقَ به حتّى يأتيه وعدُ الله وهو كذلك، ولو رأى النّاس عمَلَنا وعملَ الملوك لتمنّوا أنّ نكون نحن المُلوك، ونحن مَنْ يتولّى سياسة الدُّول، ولكنّ أحد شعاراتنا الّتي ستشكّل سيرورة أعمالنا أنّ الملِك مَنْ لا يعرفُ المُلْكَ! ولن نذهب إلى قول الحاقدين الّذين يَفُوهُون بما لا يعملون حين قال شاعرهم الجاهل:

(ولو لَبِسَ الحِمارُ ثِيابَ خَزٍّ)

(لقال النّاسُ يا لكَ مِنْ حِمارِ!!)

ولكنْ نقول:

وَلَوْ عَرَفَ المُلُوكُ كَما عَرَفْنَا)

(لَقالُوا: ألا لَيتَ الحَمِيْرَ هُمُ المُلوكُ !)”.

وهكذا شرع أبو صابر الحمار يخطط لتأسيس مملكة الحمير في هذه الأرض الخَلاء العامرة بالغابات (ياجوز)، حتّى لا تزاحم الحميرُ البشرً في سُكناهم لأنها أكثر خَلْق الله زُهداً بِعَرَضِ الدُّنيا، أمّا بالنّسبة لمشكلة الطّعام فإنّ الدّواب تجد ما تأكل وما تشرب، فهذه ليستْ مشكلةً تستدعي من الحمير أن تفكر  بها، وإنّ الله يرزق النّملة في جُحرها أفلا يرزق الحمير؟. وأمّا بخصوص التّناسل والتّكاثر، فإن زعيم حزب الحمير (أبو صابر) سيؤسس محكمةً للتّزاوج، ولن يُزوَّجَ فيها إلاّ الأكفياء القادرون على القِيام بأعباء الأسرة الحميرية، فالحمير ليسوا كالبشر ينجبون وينسون. وأمّا المبيت، ففي ياجوز، وفي أيّ مكانٍ آمن، فإنّ الأرضَ لله. وأمّا إدارة شؤون الدّولة، فستُنتخَب هيئةٌ إداريّةٌ للحزب تُشرف على أمراء الولايات في بقاع المعمور من الأردنّ.

نزلّ أبو صابر من فوق الصخرة التي اعتلاها ليلقي خطبته، والحمير تهتفُ بحياته، ونهيقها يملأ أجواز الفَضاء: (أبو صابر... أبو صابر…). وبدأ عهدٌ جديد؛ وتداعتْ للانضِمام إلى حزب الحميرِ الحميرُ من كلّ مكانٍ في الشّمال والجَنوب. وخلال فترةٍ وجيزةٍ سمعتْ حمير العالم بما فعلته حمير الأردن فودّتْ لو أنها تصنع الصنيع ذاته الّذي صنعناه. واختير أبو صابر أميناً عاماً لحزب الحمير، لا لأنه أذكاهم فذلك شَرَفٌ لا يدّعيه كما يقول؛ ولكنْ لأنه صاحب  الفِكرة. واختارت الحمير: (الدَّوْبل) نائباً للرّئيس، و(البُهْصُل) أمينًا للسّرّ، و(الفَرا) أميناً للصُّندوق، و(التّولب) و(الجلعد) و(الزِّهلق) أعضاء رئيسيّين، و(الصّنادل) و(القِلْو) و(القَنادل) أعضاء احتِياط.  وجميع هذه أسماء للحمير. 

ولمّا فشا أمر الجمير في بقية الولايات رُفِع شعار ِ"يا حمير العالم اتّحدوا"على غرار (يا عمال العالم اتحدو).. نداء كوزموبوليتاني، وفعل الشّعار في الحمير فعلَ السّحر، فتأسست ممالك الحمير في أصقاع الأرض، وبدأ عهد الحمير , وكان لا بد للحمار الزعيم (أبو صابر) أن يتنحى عن الزعامة للحمار (الدّوبل)، وهو حمار شاب تعهده الزعيم بالرعاية لِيَخلُفَه وإن اعترضت الحمير بادئ الأمر على هذه الاستقالة أو التخلي خوفاً من أن تتبدد الفكرة،"ولكنهم ما درَوا أنّ الفكرة أكبر من الأشخاص، وأنها لا تموت بموتهم". على رأي زعيم الحمير (أبو صابر). وفي هذا الفصل إسقاط على ما يجري في عالم العرب، حيث يلتصق حكامه بعروشهم وكراسيهم لا ينزعهم منها إلا الموت أو القتل أو أميركا. 

يطمئن أبو صابر شعب الحمير قائلاً:

"وقال بعضُهم:"لمن تتركُنا بعدَك، إنّنا سنصبح أيتاماً". فنهرْتُهم وقلتُ لهم: "إنّ طول عهدكم بالبشر نقلَ إليكم أسوأ صِفاتهم من صناعتهم للطُّغاة، وقبولهم بالعبوديّة". وأصررتُ على الاستِقالة، فأنا لستُ مثل الزّعماء العرب ولا مثل الحُكّام الشّموليّين الذين يلتصقون بالكرسيّ ولا يتركونه ولو أهلكوا ثلاثة أرباع شعبهم، ولا يُمكن أن يغادروا منصبهم إلا بواحدة من اثنتين؛ عزرائيل أو أمريكا. أنا جئت لأخدم شعبي، لكنني لست وحدي في ذلك، أنا حلقة في سلسلة، أترك مكاني للشّباب الطّامحين، والقادة الجُدُد حالَما ينتهي عَقْدي الاجتماعيّ مع حميري!". 

رواية (صوت الحمير) تحولات من الواقعية إلى الرمزية ثم إلى اللامعقول. فالسواد الأعظم من الرواية يضرب في عوالم الواقعية بضروبها المختلفة التي تكتنفها بعض صور تنتمي إلى مدرسة اللامعقول، وأفضل تمثيل لهذع الصور تداعي الخطابات بين (أبو صابر) والآدميين، وإن كان المؤلف أيمن العتوم لم يظهر لنا كيف يرتسم عنصر المفاجأة على وجوه البشر، بشكلٍ يدعو إلى الدهشة، وهم يستمعون إلى الحمار وهو يتكلم بلسانهم، إلا  في كلمات عابرة، مثل:

(وصحتُ في جمهرةٍ من النّاس مُتجمّعين حول بائع خُردة: "الشّيخ... الشّيخ". ولم ينتبه لي أحدٌ، فقد كانت الكيزان والنّحاسيّات والآنية المعروضة وقرقعتها تحجبُ صوتي عنهم. لكنّني صدحتُ: "الشّيخ... الشّيخ...". وانتبه إليّ أحدُهم، ولم يُصدّق أنّ حِماراً يتكلّم، فأردفتُ حتّى أقضي على شكوكه:"الشّيخ... الشّيخ...". فالتفتَ حوله مذعورًا، ثُمّ حدّق فِيّ، وهتفتُ من جديد:"نعم أنا الّذي أتكلّم... هيّا بنا إلى الشّيخ". واقترب منّي حَذِرًا: "هل أنتَ بشري؟". "لا أنا حِمار“. "حِمار ويتكلّم لغة البشر؟!!“. "قدرة الله يا سيدي... معجزة.. عبقريّة حِمار.. سَمّها ما شِئت". "أووه.. ابنُ مَنْ أنتَ ؟ وماذا فعلتَ حتّى مسخكَ الله على هيئة حِمار“).

وكان من المفروض، أو من المتوقّع على الأقل، أن تتكرّر هذه الصورة حيثما حلّ أبو صابر لأنها إحدى حبكات الرواية، بل أسّها الذي انبنت عليه. والرواية تقوم على تنقلات وأسفار، وإن لم تكن كأسفار هارولد تشايلد للورد بايرون، تكون اللقاءات فيها على غير ميعاد، ويجتمع خلقٌ كثيرٌ. وأتصور لو أنّ بعضهم سمعوا حماراً يتكلم بلغة الآدميين، لانعقدت ألسنتهم لفرط الدهشة ولطاروا زرافاتٍ ووحداناً  لإشاعة هذا الخبر، ولن يبق أحدٌ في قريةٍ أو مدينةٍ حلّ بها أبو صابر إلا شدّ الرحال ليرى هذه الأعجوبة النادرة. 

واستخدام اللامعقول وإدخاله في النصوص الأدبية الرمزية شيء جميل، ولكنه يحتاج إلى حساسية الفنان والأديب، وإلا جاء مقحماً فيه تكلّف وعنت، وقد لا تكون صور اللامعقول مقبولة، إذ ليس كلّ صورةٍ منها يؤتى بها لمجرد أنها لامعقول، ولكن يؤتى بها لوظيفة محددة يراها المؤلف ولا يشقّ على القارئ اكتشافها. وفي الغالب الأعم لا يؤتى بتلك الصورة أو الصور لمجرد الفكاهة، وإلا انقلبت الرواية إلى عملٍ كوميدي ليس هو مقصود الكاتب أو المؤلف. ولعل صورة الحمار (أبو صابر) وهو يصطحب أتانه (صعد) إلى المسرح لمشاهدة مسرحية (عصر القرود)، وللكاتب مصطفى محمود كتابُ بهذا العنوان، وهي صورة من صور اللامعقول، وامتناع موظف الشباك عن بيع تذكرتي دخول لهما لأنهما حمير ولا يفهمان السينما والمسرح، كان بالإمكان سوقها بطريقة أذكى من هذه. وكان الأولى أن يتجمدَ لسانُ الموظف في حلقه لرؤيته حماراً يتكلم لغة البشر  قبل أن يتشاجر مع الحمار وهو الأمر المثير للدهشة، وليس تدني ثقافة الحمير، ثم لا يلبث الموقف أن يتحوّل إلى مشادة فصراع بين (أبو صابر) والموظف ينتهي برفسة من الأوّل تقتلع عين الثاني. نعم؛ إنها صورة ساخرة من صور اللامعقول، ولكن توظيفها لم يكن موفقاً في ظنّي  لحاجتها إلى توطئة، لأنّ أهل المدينة لم يعلموا بعد بقيام مملكة الحمير، التي هي في الأصل لم تقم، وإنما كان ثمة  بيان أو إعلان عن تأسيس حزب الحمير!!.

وفاتني أن أذكر أنّ ثمة تأثراً  ظاهراً، وعلى الأقلّ في الشكل العام، برواية (كوكب القردة) The Planet of the Apes للكاتب الفرنسي Pierre Boulle التي صدرت في مطلع ستينيات القرن الماضي، وتحكي الرواية قصة ثلاثة مستكشفين بشريين من الأرض يزورون كوكباً يدور حول النجم المسمى منكب الجوزاء، حيث تكون القردة العليا هي الأنواع الذكية والمتحضرة السائدة، في حين يتم اختزال البشر إلى حالة شبيهة بالحيوان. ثم تطور هذا العمل وخرج من عباءته  أعمال أخرى  تحولت إلى أعمال سينمائية عالمية، يتعلم فيها بطل القردة لغة البشر فصار يحدثهم بها، ثم لم يلبث أن دعا إلى الثورة على ظلم الآدمين لهم وعسفهم انتهت بالسيطرة على الأرض لتصحيح ما أصابها من مفاسد. وفي تطور لاحق لفكرة الرواية انتهت بتحوّل القردة إلى مجرمين وقتلة وسفاحين شأنهم شأن البشر.

والفكاهة في العمل الأدبي لا تُطلبُ لذاتها، فضلاً عن أنها ليست موضوعاً في ذاتها. ولكنها وسيلة أو أداةٌ فنيةٌ  يؤتى بها في الغالب للتخلص من السآمة والضجر.  وثمة صورة أخرى غير مقبولة من صور اللامعقول، تدعو إلى الضحك حقاً، ولكن يعتريها خلل، وهي صورة الفتى الشبق (دحّام) وهو يريد أن يعتلي الحمار (أبو صابر) ليفعل فيه الفاحشة، وفات المؤلف أنّ (أبو صابر) حمارٌ ذكرٌ، وليس حمارةً  (أتاناً) أنثى.

ولمّا رأى أبو صابر  إساءة البشر لفنّ المسرح قرّر تأسيس فرقةٍ مسرحيّةٍ خاصّة به، سمّاها: "صوت الحمير"، وقال: "لا يفهم الحميرَ إلاّ الحمير". وكان يحضر عروض فرقته آلاف الحمير، وكان بعضُهم يقطع تذكرة المسرحيّة وينتظر شهراً أو شهرَين حتّى يحين دَورُه فيدخل المسرح؛ لكثرة اكتظاظ الحمير وتَوقهم إلى المعرفة، وحُبّهم لرؤية كلّ ما هو جديدٌ ونافع والتّعلّم منه.

قرّر (أبو صابر) أن يعِدّ برنامجاً إذاعياً، ولكن الإذاعات رفضت، فقرر أن يقدّم البرنامج بكلّ السبل فمضى إلى إذاعة (الحياة الطّيّبة)، فرفس بابها بقدمه فانخلعَ على الفور، وسقطَ على الأرض مُهشّماً فانخلعتْ له قلوب الشّباب المُوكّلين بمكتب الاستِعلامات، وقال في نفسه: "الحَقُّ يُنتَزع انتِزاعًا.. فلسفتي خاصّة، ومَنْ أرادَ أنْ يؤمن بها فأهلاً وسهلاً، ومَنْ أرادَ أنْ يكفُر فله ما أراد". فكرة البرنامج كما يتصورها أبو صابر تقوم على أنْ نوقِظَ الإنسانيّة الميّتة في قلوب المُستمعين؛ فالإنسانيّة تتمثّل في إيقاظ العقل والقلب على السّواء. وأن تنهضَ بأمّة، بمجتمع، بقطيع، بشعبٍ، فعليكَ أنْ تنظّف قلبَه مِمّا تراكمَ عليه من قاذورات بسبب طول العهد بالهُراء المبذول في كلّ حينٍ لكلّ أحد. البرنامج يقول للنّاس إنّ الخير أصل والشّرّ عارض، وإنّ العدل أصل والظُّلم عارض، وإنّ الحُبّ أصلٌ والكُره عارض، وهو بذلك يُوقِظ قِيَمَ الخير والعدل والحُبّ من خلال نماذج حيّة من العُظماء السّالفين أو مقولاتهم أو أشعارهم. وهكذا شرع (أبو صابر) في تقديم برنامجه (صوت الحمير) عبر إذاعة (الحياة الطيبة)، وبدأه بافتتاحية جاء فيها:

"أيّها السّيدات والسّادة، أيّها المُستمِعون الكِرام، حيثُما كنُتم تسمعوننا في أصقاع الأرض، برنامجكم (صوتُ الحمير) يأتيكم عبر أثير إذاعة الحياة الطّيّبة، ساعة من المُتعة والفائدة، نطوف فيها على الحدائق، فنختار من كلّ حديقةٍ وردة لا تذبل، ونُقدّمها لكم حتّى تكون على موائدكم فتظلّ ذكراكم الطّيّبة..طاقَم البرنامج يُحيّيكم، وهذا أنا أبو صابر أحيّيكم من وراء الميكرفون، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بكم“.

في اليوم الأوّل أغلقَ نصف المُستمعين المِذياع أوّل ما سمعوا اسم البرنامج: (صوت الحمير)، وقهقه النّصف الثّاني حتّى غطّى صوتُ قهقهاتهم على ما كان يقوله أبو صابر، وذهبت الحلقة الأولى أدراجَ الرّياح. وتشفّى المدير به؛ كأنّ البرنامج لا يُقدَّم على إذاعته، بل على إذاعةٍ مُنافسة ! وهكذا هم البشر؛ يقفون ضِدّ أنفسهم، ولن يتعلّموا كما يعلل أبو صابر هذا الإعراض عن حلقته. غير أنه ما من حِمارٍ سِمَع البرنامج ولو بالمصادفة إلاّ استمع إليه حتّى نهايته، أمّا البشر فحظهم، وأمّا الحمير فنصيبهم الفوز!. وبعد حلقة (الأمانة) ذاع صيت البرنامج،  وألقتْ حلقة الأمانة حجراً في البُحيرة بالفعل، فانداحت دوائر التّساؤل دائرةً دائرة حتّى بلغتْ منتهاها، والتفتَ النّاس والخلق إلى ما يقول أبو صابر. وبدأ مَنْ كان يلوي عنقه إلى كِفله وخَصْرِه، يلويه إلى قلبه، وأدرك أبو صابر أنه بدأ يحقق غايته.

وطارتْ شُهرة البرنامج في الآفاق، وصار النّاس يستمعون إليه في أقاصي الأرض، ودخلت الحمير على الخَطّ، فنقلت تجاربها في بُلْدانها. واضطرّ أبو صابر، لكثرة المتّصلين من البُلدان الخارجيّة، أنْ يُخصّصَ فقرةً في البرنامج سمّاها: (قِصّة من بلدي). ونجحت الفِقرة، فصار كلّ حِمارٍ يروي قصّته، وتعلّم النّاس من تجارب الحمير ما لم يتعلّموا من قبلُ.

ومن طرائف الحكايات ولطائفها تلك التي يرويها حمارٌ يزعم أنه ينحدر من سلالة حكيم الصين كونفوشيوس، مدعياً أنّ جدَّه الأعلى هو من علّم كونفوشيوس حكمته.

يقول ذلك الحمار أنّ جدّه كان يحمل حكيم الصين في إحدى الطّرق الوعرة وكان هذا يبحث عن مكانٍ في جبلٍ عالٍ لا يبلغه الناس ليتنسّك فيه، فلمّا وصل إلى أوّل الجبل، وكان شاهقًا، نظر إليه فرآه يُطامن السّماء، فقال: هذا مُبتغاي، وتابعه ببصره حتّى يرى نهايته، فالتوتْ عنُقُه دون أنْ يرى تلك النّهاية، فأصابه القنوط، وقال: إنّ هذا الجبل مُحالٌ الصّعود إليه والوصول إلى قِمّته، ونظر حوله فوجد بعضَ الكهوف في بعض السّهوب، فهَمّ أنْ يختار الأسهل، ويأوي إلى هذه الكهوف المتواضعة، ولكنّ جدّ هذا الحمار كان لا يعترفُ بالهزيمة، فدار حول الجبل حتّى وجد منفذاً صعباً ودخله، وبدأ يصعد الجبل في خطوطٍ متعرّجة، وأخذ ذلك منه وقتاً أضعافَ ما كان يرجو الحكيم، ولكنّه وصل به في النّهاية إلى غايته، كان كهفاً لا يعلوه شيء، يُطلّ على الأرض من فوق كأنّه مُنزرعٌ في قُبّة السّماء، تُرى منه جهات الأرض السّتّ، فلّما بلغ الحمار بالحكيم ذلك الكهف، ربّت كونفوشيوس على عنقه، وقال: لقد علّمْتَني أيّها الحِمار حكمةً اليوم، وكتب في قِرطاسه: "عندما يبدو لك تحقيق الهدف مُحالاً، لا تُغيّره؛ بل غيّر طريقة عملك لتحقيقه". وفي عيد الرّبيع، خرج كونفوشيوس مع النّاس ومعه حماره، فأقبل النّاس في وسط السّهول يأكلون ويشربون ويضحكون، وأمّا الحمار فطافَ على كلّ وردةٍ يتشمّمها، ويقفُ عندها مليًّا، ويُسمّيها، ويُخاطبها، ويتغزّل بها؛ فكتب كونفوشيوس في قِرطاسه: "كل شيء يملك قَدْراً من الجمالِ، ولكن ليس كلّ عينٍ يمكنُ أن تُشاهده". وأمّا الحكمة الثالثة التي تعلمها الحكيم من الحمار، كانت عندما مرّ الحمار  والحكيم يركبه على قنطرةٍ فوقَ نهرٍ، فحثّه على أنْ يعبرها فأبى، فتعجّب منه الحكيم، ورآه يتحوّل عنها إلى النّهر نفسه، ويعبر به سباحةً إلى الضّفّة الأخرى، كان الحكيم يرى أنّ فِعل الحمار جنونٌ وخطأ وتهوّر، فلمّا صار آمنا في تلك الضّفّة، نظر إلى القنطرة فإذا هي قد وقعتْ بالنّاسِ الّذين كانوا يعبرونها، فصاح مهتاجاً:"هل كنتَ ترى ذلك أيّها الحِمار؟. وكتبَ كونفوشيوس في قرطاسه: "مَنْ يرى الصواب ولا يفعله فهو جبان". 

والحكم الثلاث مأخوذة من مجموع حِكم كونفوشيوس، وأما الإطار الفني وتوظيف الحمار فيه فهو من صناعة أيمن العتوم وابتكاره.

واحتفلت الإذاعة بمرور عامٍ على بثّ برنامج (صوت الحمير)، ودعتْ إليه شخصيّات مرموقة، أو هكذا يتمّ تصنيفهم في مقاييس البشر على رأي (أبو صابر)، وأُقيم الحفلُ في أحد الفنادق الكُبرى، وجاء الضّيوف ليتعرّفوا على (أبو صابر) الّذي دوّخ برنامجُه المستمعين، وأرادَ رئيس الوزراء أنْ يمازحه، فقال له: "أليسَ صحيحاً أنّ الله تعالى قال إن أنكر الأصواتِ لصوت الحمير". فأجابه أبوصابر: "بالطّبع قال ذلك، ولكنّه سكتَ عن أنكر العقول، أظنّ أنّ أنكر العقول يليقُ بكم يا دولة الرّئيس“.

وفي هذا الاحتفال ألقى أبوصابر خطبةً عصماءَ في جمهور الحاضرين تلخّص فلسفة الرواية، قال فيها:

(أيّها النّاس إنّ بيننا وبينكم رَحِماً، وإنّني أعظكم أنْ يُحيّي بعضُكم بعضاً في الصّباح، ثُمّ يضربُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ في المساء. الدّم حرام، فلماذا يقتل الإنسانُ أخاه باسم الحُرّيّة؟ ولماذا يُبيدُ شعبَه باسم الحِفاظ على الأمن؟ أفلا حَمَل ذلك المِسكين نعلَيه وترك الكرسيّ لأهل العدل؟! أم أنّ شهوة الدّم والسّلطة والبطش داءٌ لا يُمكن الخَلاص منه!!

أيّها الحُضور: بشراً وحميراً ومَنْ شرّفنا في هذا الَمقام، لقد كنتُ أسمع أنّ زعيماً قتلَ مليونًا من شعبه في أقلّ من خمس سنين، وشرّد عشرة ملايين في صقيع الأرض، وكانوا يقولون: إنّه حِمار، والله لقد كذبوا، فإنّ الحمير لا تقتل البشر فضلاً عن أنْ تقتل أبناء جِنسها، وإنّنا لأرأفُ بخلق الله من خلق الله كلّهم، وأكثرُ خلق الله خدمةً لخلقه، ولكنْ قولوا إنّه إنسانٌ تجرّد من إنسانيّته، أو قولوا إنّه بشريٌّ سكنه الشّيطان، ولا تكذبوا ولا تظلموا. أيّها الحفل المُكرّم: لا أريد أنْ أُطيل، دَعُوا خلافاتِكم جانِباً، وكونوا مُتساوين كأسنان الحمير، وتعلّموا منّاالتّواضع وإنكار الذّات والصّبر والمُثابرة والأخوّة والعَطاء دون مقابل. والسّلام“).

وهكذا تتوالى أحداث الرواية، ويوظّف فيها المؤلف ببراعة قراءاته المتنوعة، وما يقف عليه  من أخبار تأتي بها الصحف عن الحمير، فيقابله خبر عن القيمة الغذائية للحم الحمير منشور في صحيفة  Daily Mail البريطانية، فيوظفه بطريقة فنية ساخرة، هكذا:

"أيّها المُستمِعون إلينا في كلّ مكان، لقد حدثتْ طامّة أضافتْ إلى وحشيّة البشر مستوىً جديداً. اسمعوا هذا الخبر المُفزِع الّذي نشرتْه أكثر الصّحف مصداقيّة: أكّدتْ صحيفة ديلي ميل البريطانية أنّ لحوم الحمير آمنةٌ للاستهلاك الآدميّ بشرط ذَبْحها بطريقةٍ صحيحة، وأنّها غنية بالبروتينات والمعادن، وتتميّز بقلّة الدّهون. وأكّدتِ الصحيفة، أنه بالرغم من أنّ الحمار معروف عنه عدم الذكاء، إلا أنّ لحومه تساعد على تنمية نسبة الذّكاء!!!!". أهذا خبرٌ صحيحٌ أم هلوسة ؟ قولوا لي إنّني أحلم، أو إنّني أرى كابوساً لا يُمكن الخروج منه؛ إنّهم يشتموننا ويصفوننا بالغَباء لكنّ لحومنا تزيدُ نسبة الذّكاء، لكنْ -مهلاً- هناك شرط حتّى يزيد ذكاء البشر؛ هو أنْ يذبحوننا بالطّريقة الصّحيحة !!! هل في قاموس اللغة ما يُعبّر عن هذا الجنون البشريّ المُرعب؟! كلا. وإنّني لأتساءل وأنا أبكي من الدّاخل: بالله عليكم أيّها البشر الحنونون: كيفَ تكون الطّريقةُ الصّحيحةُ لذبْحنا؟!“

ورواية (صوت الحمير) فضلاً عن كونها رواية رمزية بكل المقاييس، فهي بيان (مانيفيست) يحذّر من انهيار العالم بتفسخ القيم، والاعتداء على النواميس الطبيعية، حتى بات كلّ ما على البسيطة مهدداً بالانقراض. وفي ذلك يصرخ  المؤلف على لسان (أبو صابر):

"أيّها العُقلاء من البشر، أو مِمّن تبقّى منهم، هذا نِداءٌ حقيقي ّ: أنقِذونا من الانقِراض، إنّ جشعكم تخطّى كلّ الحدود وانتهك كلّ المُحرّمات !! وكالعادة ذهبتْ كلّ النّداءات والاستِغاثات أدراج الرّياح، ولم يُلقِ لها أحدٌ بالاً، لا الحكومات ولا الدّول ولا المجالس التّشريعيّة، ولا حتّى جمعيّات حقوق الحيوان، وأعتقد أنّ طوفان الجنون البشريّ لن يتوقّف حتّى يأتي على البشر كلّهم، ويُهلكهم عن بكرةِ أبيهم!". 

وعلى الحدود من لبنان يُطلق عليه النار، وينجو إلا من جرح غير قاتل، ويدخل إلى بيروت ويجدها في هرج ومرج، وقد مزّقتها الحرب الأهلية مِزقاً، فيسوؤه ما يرى من ذبح وقتلٍ على الهوية  وتشريد من البيوت، والناس تجري في الشوارع في حالة  هلع. والحربُ هي الحربُ لا تميّز بين بريء وجانٍ، كالنار تلتهم ما في طريقها من أخضر ويابس. وبكل تفنن يتحدث أيمن العتوم عن (الحرب الجريمة) التي يرتكبها الإنسان في حق نفسه، وفي حقّ الكائنات الأخرى الموجودة على سطح هذا الكوكب الأزرق الذي يوشك ان ينفجر بما فيه وبمن فيه.  يتحدث (أبو صابر) عن ذلك، فيقول:

"وصلتُ إلى بيروت بعدَ يومٍ من المُظاهرات الحاشدة الهادرة الّتي غطّت السّماء بهتافات غاضبة، كان بعضُها موجّهاً إلى إسرائيل، وبعضُها موجّهًا إلى الكتائب، وأخرى إلى الفلسطينيّين، ورابعة إلى المسيحيّين.  كانت الهتافات تلعن كلّ شيءٍ، وتُحمّل كلّ طرف المسؤوليّة عن اندِلاع الحرب، لم أكنْ مشغولاً بتحليل الهتافات الّتي كنتُ أعتبرها تافهة، ولكنّني كنتُ مشغولاً بإطفاء الحرائق الّتي بدا أنّها في طريقها إلى أنْ تلتهمَ كلّ شيءٍ، لم يكنْ لديّ احتِفاءٌ لا بالشّعارات الثّوريّة ولا اليساريّة ولا العُنصريّة، ولا تلك الّتي تُعلن الجهاد المُقدّس، كنتُ منشغلاً بالإنسان فحسب، أحاول أنْ أُنقذه من وحشيّته، وأنْ أُعيده إلى إنسانيّته. كان حظر التّجوّل قد أعلن عقب تلك المُظاهرات، وتمركز  القنّاصة على أسطح البنايات، وخرجتُ أستطلع الأمرَ وأنا أعتقد أنّ الإنسان ذكيّ بما فيه الكِفاية لكي لا يُطلق النّار على حِمار، ولكنْ يبدو أنّني كنتُ مُخطِئًا!

وصلتُ إلى شارع عين الرُّمّانة، كان الشّارع خالياً تمامًا، والبنايات على جانبيه ساكنة، ولا شيء يتحرّك في الشّارع، مشيتُ وأنا أقول: لولا هذه الجُدران الإسمنتيّة لقلتُ ما أجمل المكان الّذي يخلو من البشر! لا طيفَ يلوح غير الأشباح، الأشباح أرحم من البشر، ربّما لأنّها لا تحمل سِلاحًا، ولا تتعمّد أنْ تخيف أحداً ما لم يكنِ الإنسان هو الّذي يخاف منها من تلقاء نفسه“.

ويخصص أيمن العتوم الفصل التاسع عشر من رواية (صوت الحمير) لهجاء الحرب، تحت عنوان (ذاكرة الموت)، وهو فصل تراجيدي هجائي للجنس البشري. والموت أفواه فاغرة، وأنيابٌ زرق تنهش القريب والبعيد. في الحرب تستعر موجبات القتل، ويتحول المشهد إلى حالة عبثية  لا يحسن تصويرها إلا فنان سوريالي مثل سلفادور دالي، حيث تتداخل الأشياء في بعضها، وتتشوه ملامحها، فيبدو "كلّ أحدٍ يُقاتل كلّ أحدٍ"...

"توجّهتُ إلى مخيّم عين الحلوة، قرأتُ ذلك على إشارة مكتوبة باللّغة العربيّة، كانت مبعوجة وصَدِئة ومليئة بالثّقوب. في الطّريق رأيتُ بشريّاً مسكيناً مثلي، اقتربتُ منه، كان يعرج، قلتُ له: "اركبْ أوصلْك". لمّا رآني فرح، كانت الحمير عملةً نادرة في الحرب، ركبني، وقادني إلى مخيّم عين الحُلوة. لمّا وصل إلى بيته المصنوع من الصّفيح، ضربني على كفلي وتركني وحدي، تلطّختْ يده بالدّم، كان كفلي ما يزال ينزف. خرجت امرأةٌ عجوز، كان وجهها خارطة، خارطة تكشف ظلم البشر، وتكشف تاريخ أوطان مذبوحة وبلادٍ منهوبة وحروبٍ مشتعلة من القديم ولم تنطفِئ، أو لا يُراد لها أنْ تنطفِئ. أدخلتْني إلى بيتِها، شهقتْ لمّا رأت الدّماء تسيل من كفلي، قالتْ لي: "سأنزع الرّصاصة منك". وشتمت:"الحمير لم يجدوا غير الحمير ليُصوّبوا نحوها". أردتُ أنْ أقول لها: "إنّ الحمير لا تُصوّب بنادقها إلى أحدٍ، ولا تعترف بالرّصاص، نحن لم نخترع البارود يا سيّدتي، اسألي لتعرفي مَنْ صنع كلّ هذه المآسي". حَمّتْ على النّار مِخرزًا طويلاً، وقالتْ لي: "ستتألّم، ولكن عليكَ أنْ تصبر“.

قلتُ: "لا يعرف الصّبر أحدٌ مثلما نعرفه". لم تسمعني. غاص المخرز المُحمّى عميقًا في لحمي، كان الوجع فظيعاً، ولكن لا بأس يا سيدّتي، شكرًا لقلبكِ الحنون“.

"صوتُ الموت ذاكرة". أدق تعبير عن ميتة الحروب جرى على لسان (أبو صابر) أو هكذا وهو يهُمّ بمغادرة بيروت حيث للجحيم أفواه وأنياب. فالموت الطبيعيّ، نهاية كلّ حي، ولا بد أن يطويه النسيان إلا موتى الحرب، تختزنهم الذاكرة وتستدعيهم من جوفها مع كلّ حزن جديد، وتولّد كلّ الغصص الدفينة، لأنّ سوادهم الأعظم يموتون وهم لا يدرون لماذا يموتون؟ ولأجل من؟. 

والحرب التي اختارها المؤلف أيمن العتوم مسرحاً لجزء من روايته (صوت الحمير)، هي الحرب الأهلية في لبنان.. تلك التي اجتمع فيها اللامعقول والتراجيديا معاً. وكثير من الأدباء جعلوا الحرب مادة لرواياتهم، ولكنها حروبٌ لبعضها مغزى على الأقل، كـــ (الحرب والسلم) للكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي، وقبل ذلك بألف سنة تقابلنا حروب الإليادة والأوديسة  لهوميروس، والإنيادة لفرجيل، وهي حروب تارات وتوسّع وسيطرة، أي أنها حروب مسببة، ولها دواعٍ قد تكون معقولة وإن كانت تافهة أحياناً. ولكن الحروب الأهلية كالحرب الأسبانية التي يصورها إرنست هيمنجواي في رائعته (لمن تُقرع الأجراس)، والقتل على الهوية والدين شيء فظيع. والحربان العالميتان، والحروب المتتالية على أفغانستان، والحروب على العراق وفيها تجتمع شعوب الأرض مجتمعةً على شعوب مستضعفة لتمتص دماءها وثرواتها تحت مبررات سخيفة، وتحت غطاء القانون الدولي، حروب سوريالية بحق!!. 

في الفصل العشرين الذي يحمل عنوان (ما نفع الورد على تابوت؟)، تموت (صَعَد) أتان أبي صابر، وهو فصلٌ مفعم بالرومانسية، غنيٌّ بالعواطف في لغة مجنحة. فصلٌ جديرٌ بأن يحفظه التلاميذ في المدارس ليذوقوا حلاوة البيان، وروعة اللسان.

(وفي مساء يومٍ أرجوانيّ، كُنّا نتحدّث عن كلّ ما مرّ في حياتنا، وكانت الرّيح تنقلُ إلينا أصواتاً مختلطة غائمة كأنّها قادمةٌ من جُبّ عميق، سمعْنا فيها حكايا الرّاحلين من أجدادنا، وكانت صَعْدة هادِئة ومُطمئنّة وتبتسم بين حينٍ وآخر، وهي تقول: "ما مرّ عليّ يومٌ في صحبتكَ أجمل من هذا". كانت شجرة الصّفصاف هي الأخرى تبتسم، حفيف أوراقِها كان يختصر مشاعر العشق كلّها، وقلتُ لها: "لقد تعبْتِ معي“. فقالتْ:"ألم يأن لي أنْ أرتاح". فقلت ُ: "نرتاح معًا". فردّتْ:"أنا سأمضي، وأنتَ عليكَ أنْ تتابع الرّحلة". فقلتُ: "أيّ رِحلةٍ سيكون لها طعمٌ من دونك؟“.

ونمنا ونحن أسعدَ اثنَين في العالَم، ولمّا صحوتُ كانتْ صعْدة قد ماتت، وتركتْني وحيداً أواجه هذا الصَّخَبَ المتلاطمَ في بحر الحياة. حفرتُ لها قبراً تحت شجرة الصّفصاف تلك، ربّما يذكرها الخلق ذات يومٍ عندما يمرّون بالقرب من هذه الشّجرة، ويُشيرون إليها:"لقد غيّرتْ مجرى النّهر". وهتفتُ:"وا أسفا على صَعْدة". وثقب الحُزنُ قلبي على فِراقها، وزهدتُ بالدُّنيا، ووضعْنا أنا والأولاد الزّهور على قبرها، وبكيْنا فقدها معاً. كان جسدي يرتجّ، أحسستُ أنّني هيكلٌ فارغٌ من الدّاخل، وكتْبتُ على الشّاهد:

لا شَيْءَ يَمُوتْ

خالدةٌ ذكراكِ العَطِرةِ يا ياقوتْ

مَنقوشٌ رَسْمُكِ واسمُكِ في المَلَكُوتْ

فلْتَبقَيْ نَجمي حينَ يُصِيبُ النّجمَ خُفوتْ 

فأنا بعدكِ غُصنٌ مَقطُوعٍ مِنْ شَجَرِ الحُبّ…

وقَلْبٌ مَبْتُوتْ

يا صعدةُ ها أنذا أنثر روحي ورداً فوقَ القبرِ

ولكنْ…

"ما نَفْعُ الوَردِ على تابوت؟!“).

إنّ أفضل من يكتب رواية رومانسية هو الشاعر. وأيمن العتوم شاعر مجيد يُحلّي رواياته بأشعاره، وبغيرها من جياد الشعر المنتخب. وكم هي جميلةٌ تلك الأبيات التي نظمها المؤلف على لسان (أبو صابر) في رثاء رفيقته (صعدة). اختلى (أبو صابر) بنفسه في كهفٍ أعلى قمّة جبل ابن الأدهم في سُوف، وتفرّغ لكتابة مذكراته، ومكثتُ عشر سنواتٍ يكتب فيها. كان للعزلة معنى يعبر عنه بقوله:

"في الحجارة الّتي آوي خلفَها فوق قمّة الجبل، عشتُ أعوام العُزلة، العُزلة تحمينا أحياناً من العبثيّة، من الشّعور بالخُواء، وفيها يُمكن للقلوب المُنفطرة أنْ تستعيدَ أنفاسَها من أجل أنْ تُصلح ما انكسر. كانتْ قد انكسرتْ فِيّ أشياء كثيرة، موتُ صَعدة أراني كم هي مُخيفة وكثيرة تلك الأشياء، ربّما وجودها إلى جانبي هو الّذي كان يُخفيها أو يُؤجّلها إلى حين. أنا الآن أفضلُ حالاً. أرعى النّجوم في اللّيل، وآكل ما يُبقيني قادِراً على أنْ أنظر إلى هذا العالَم بعينٍ مُختلفة“.

العُزلة تفعل أشياء غريبة في صاحبها.. العُزلة أيقظتْ فِي (أبو صابر) حِسّ الفلسفة الّذي مات. وبعد ثلاثة أعوام من تلك العُزلة يصبح المعتزل خلقاً آخر، يستقيظ الفيلسوف النّائم في أعماق كلّ أحدٍ،  والتفكير في التجربة الحياتية في جوف كهف يجعل صاحبه  يتفلسفُ كما فعلَ المَشّاؤون.  فالفارابي كان في هذا شيخا لـــ (أبو صابر)، شدّه إليه غموضه اللّذيذ، وزُهده بكلّ شيء، وزرايته  بالعيش.

"ها أنذا أرى الحياة على نحوٍ عميق، أرى ما خلفَ وجهها الخادع، أليست تلك هي الفلسفة في أعمق تصوّراتها؛ أنْ نفهمَ الحياة. لا أظنّ أنّ هناك خلقاً فهموها أكثر منّا نحن الحمير، إنّنا أعطينا دون مقابل، ومشينا دون توقّف، وصبرنا دون جزع، ورضينا دون سُخط؛ تلك هي الفلسفة“.

كان (أبو صابر) يرى نصوصه الفلسفية تُكتب بماء القلب، ولم يكن يملك دواةً، ولا حِبراً، ولا ورقاً يكتب عليه.، إنه في في حاجة لمن يعينه في ذلك، فكان أيمن العتوم هو ذلك البشري الذي ظلّ (أبو صابر) يبحث عنه ليمليَ عليه تأملاته قبل أن تغيّبه الحياة.

يتساءل (أبو صابر)، وكأنه أحسّ بدنو أجله: هل هي النهايات؟. ولكن من يكتب عنه البدايات قبلّ أن يُغيّبه الموت؟. في عزلته كان تتناهى إليه أصوات بشرية، ولكنها أصوات غير مؤنسة، ولا تبعث على الارتياح، ولعل (أبو صابر) الفيلسوف المتوحد على رأي ابن باجه يحقّ فيه قول الشاعر العربي، الأحيمر السعدي، وكان فاتكاً من الفتّاك خلعه قومه:

(عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى

وصوّت إنسانٌ  فكدت أطير)

(رأى اللهُ أنّى للأنيس لشانىءٌ

وتبغضُهم لى مقلةٌ  وضميرُ)

(فللّيلِ إذ وارانى اللّيلُ حكمُه

وللشّمس إن غابت علىّ نذور)

(وإنّى لأستحيى لنفسى أن أُرى

أمرّ بحبل ليس  فيه  بعيرُ)

و(أطير) فعلٌ من الطيرة والزجر والعيافة. والمتوحّد (لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ. إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَانِسُ بِهِ ولَا يسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ).

وفي ذات مساء لاح له بشريٌّ لم يره من قبل، يجلس تحت شجرة بلوط قريباً منه كهفه، وشرع يغني وينفخ في الناي فيخرُجُ منه لحنٌ شجيٌّ. وجاء في المساء الثاني، وعزف لحناً آخرَ وغنّى أشعاراً للسُّهْرَوَردي المقتول، والحلاج، وابن الفارض، وابن سينا، وأبي يزيد البسطامي. واستمر ذلك البشري يأتي المكان، فيطرب له (أبو صابر) ويأنس لغنائه وعزفه وهو يتسلّل إليه داخلَ كهفه.. وفي خاتمة هذا الفصل (المشّاؤون) تكتمل حبكة الرواية، ويظهر عنصر جديد من عناصر المفاجأة والدهشة في الرواية، ولا بأس أن نسوقه مع طوله بتمامه، وطوله لا يبعث على الضجر. يقول (أبو صابر):

(استمرّ هذا البشريّ يأتي إلى شجرة البلّوط العتيقة، يُغنّي ويقرأ، ويتمايل كصوفيّ من شدّة الوَجْد، وسمعتُه ذات يومٍ يُنشِد: (فَلَوْ أنّي اسْتَطَعْتُ خَفَضْتُ طَرْفي ** فلم أُبْصِرْ بِهِ حتّى أَرَاكا)…

فهزّني البيتُ هَزّا، ورجّني رَجّاً، وبَسّني بَسّاً، وتمايلتُ حتّى مادتْ بي الأرض، وكدتُ لشدّة الطّرب أنْ أصرخ، لكنّني خِفتُ أنْ أُفسِدَ عليه خلوته فيعلمَ بوجودي فينقطعَ مجيئُه إلى هنا، فكتمتُ صوتي من أنْ ينشقّ من أعماقي. ورجوتُه في نفسي أنْ يُكمل، وسمعتُه يُحدّث آخَرَ بكلماتٍ غير مفهومة، أقربُ إلى الغمعمات الحزينة، فحدّقتُ النّظر لأرى الشّخصَ الّذي يُكلّمه، فلمْ أعثرْ إلاّ على الفَراغ، فقلتُ: "مجنونٌ مثلي!“.

ودأبَ ذو النّاي على الجلوس تحت تلك الشّجرة يُغنّي ويُحدّث طيوفاً لا أراها أكثر من عشرة أشهر وأنا أُخفي عنه نفسي، حتّى جاء يومٌ، وانتظرتُه في المساء انتظار الصّبّ المُستهام فلم يأتِ، واستوحشْتُ، وبدا المكان فارغاً من كلّ شيءٍ، ونظرتُ إلى قلبي فإذا هو خاملٌ، باردٌ، ليس فيه رُواء، وقلتُ:"لعلّ حابِساً حبَسَه، وربّما يتأخّر المحزون، لكنّه في النّهاية سيجيء". ولم يأتِ. مرّ نجمٌ ونجمان وألفُ نجمٍ، وعَبَرَتْ غيمةٌ وغيمتان وألفُ غيمة، وصوّتَ غرابٌ وغرابان وألفُ غراب، ولم يأتِ. فسقطتُ في اليأس كأنّني حجرٌ غاص إلى قاع بركة، ولم أستطعْ تلك اللّيلة أن أنام.

فلمّا ألقى النّهارُ ثوبَه على الجبل، خرجتُ من كهفي إلى المكان فلم أر له أثراً، إلاّ أنّني رأيتُ ناياً مكسوراً تحت شجرة البلّوط تلك، فلم أشكّ أنّه له، وقلتُ:"الفتى كسرَ نايه"، فعرفتُ أنْ روحه انطفأتْ، وأنّه رأى منّي ما لم يحمَدْ، وشعرتُ أنّني ضِعتُ عنّي. وفي تلك اللّيلة لُمتُ نفسي حتّى كدتُ أذوب، وأنا أقول: "لعلّه أحسّ بوجود مَنْ يُراقبه، فلم يشأْ أنْ يُفتَضح سِرّه... لعلّه عرفَ أنّ الله لا يقبل في مناجاته الشَّرِكة...". وظلّت لَعَلّاتي تطعنني حتّى ذويت، وقطعتُ من بعدها أيّاماً  كانتْ أطول عليّ من الدُّهور، حتّى جاء مساءٌ رأيتُه من كُوّة في الكهف يصعدُ الجبل ومعه نايُه، فطرتُ من الفرح، وقلتُ: "ها قد أقبل.. يا لَسَعْدِكَ يا أبا صابر!". وعزمتُ أنْ أعرّفه بنفسي، وأنْ أطلب منه أنْ يكون صديقي دون أنْ يدور بيننا حديث، فقط أكتفي بسماع أسرار الوجود في نايه ولو على البُعد. وبقيتُ في كهفي متحمّساً، حتّى رأيتُه يجلسُ تحتَ الشّجرة إيّاها، ويبدأ بالنّشيج: (أَبَرْقٌ بَدا مِن جانِبِ الغَوْرِ لامِعُ ** أمِ ارْتَفَعَتْ عَنْ وَجهِ ليلى البَراقعُ؟)…

فهزّني الطّربُ القديم، وحرّكني لاعج الشّوق العَميم، وبعثرني العِشق في كلّ جهة، حتّى إذا وصل إلى قوله: (وهل عامِرٌ مِنْ بَعدنا شِعبُ عامرٍ ** وهل هو يوماً للمُحبّين جامِع ُ؟)…

صعّدَ فِيّ الحنينُ زَفَراتِه حتّى ظننتُ أنّها سُتذيب حجارة الكهف، فتماسكْتُ وأنا أنهار، وتمالكتْ وأنا أذوب، فلمّا غنّى: (وهل لي بجمْعِ الشّملِ في جمعٍ مُسعدٍ ** وهل لليالي الخِيْف بالعُمر بائِعُ ؟).

خرجتُ من كهفي وأنا أتمايل وأصيح: "أنا.. أنا.. أنا أبيعها لك أيّها الفتى". وسكتَ هو عن غنائه، والتفتَ ناحيةَ الصّوت فرآني، فجمدتْ أصابعه على النّاي، وجمدتْ شفاهه على الحروف، وظللتُ أجرّ خُطاي إليه وأنا أخشى أنْ يفارقني، وأقول: "أنا.. أنا أيّها الفتى...". فلمّا وقفتُ بشجرته، أردفتُ: "أنا.. أحسنُ مَنْ يهيمُ معك في هذا يا فتى". فانحلّ شيءٌ من حُبسة لسانه، وهَمّ أنْ يقول، فعاجلْتُه: "إنّني أسمعك منذ عامٍ، فما الّذي غيّبكَ عَنّا.. أما عرفتَ أنّني كنتُ أعيشُ على ما تقول؟!". فانحلّ ما تبقّى من حُبسته، وهتف بصوتٍ راجف: "مَنْ أنتَ... أحمار أم جنّيّ"؟!. فقلتُ:"أنا أبو صابر.. سائحٌ مثلك في مَلَكوت الله، أبحثُ عنه كما تبحث". فسرى الدّم المتجمّد في عروقه، وقال: "وهل يجمعنا البحثُ عن الله؟ آلبشر والحمير؟". فقلتُ وقد أخذتْني العِزّة:"إنّنا نعرفُ الله أكثرَ منكم". فهزّه ذلك وأنا خائفٌ من أنْ يكون سبباً في غيابه من جديد، فقال: "والله ما على الله شيءٌ يُعجِزه؛ حمارٌ يتكلّم بلسانٍ عربيٍّ مُبين !!". فقلتُ: "إنّ الّذي علّمكم لَلّذي علّمنا، ولكنّ الله حبسَ لسان بني جِنسي وأطلق لِساني، وما ذلك إلاّ بدعوةٍ من شيخٍ كان من أهل الله". فسألني:"ومن ذلك الشّيخ رحم الله والدَيك؟". فقلتُ: "الشّيخ عليّ.. الّذي علّم أهل هذه القرية". فرأيتُه رجف، واسترجع، واختلجتْ نظَراته، وقال: "الشّيخ عليّ الّذي جاء من الجنوب". فقلتُ: "وهل في سوف مَنْ لا يعرفه؟!". فردّ: "إنّه شيخي، وإنّني عرفتُ الله عنه". فقلتُ: "وإنّني صَحِبْتُه أكثرَ مِمّا صحِبْتَه". فقال: "فأنتَ إذًا…" فقاطعتُه: "نعم، أنا حِمارُه". فسأل: "ولكنْ ما الّذي أقامَكَ هنا في هذا المَقام، وقد مات الشّيخ قبل ما يقرب من ثلاثين عامًا؟!". فقلتُ: "جِئتُ أتهدّى خُطاه، وأقف على أطلال ذِكراه، وقد طفتُ به وطاف بي حتّى رأينا ما لم يرَ سِوايَ وسِواه". فقال: "إنّنا نصدر عن مِشكاةٍ واحدة". فقلتُ: "وهل تصحبني حتّى يأذن الله؟". فردّ: "أقْبَل، تُعلّمني وأُعلّمك". فقلت: "اتّفقْنا، ولكنْ مَنْ أنت؟". فقال: "أنا أيمن العتوم“).

هذا النص المستقطع من الرواية يكشف عن ملكات ذهنية وفنية لمؤلفها. فها نحن، أولاء، نقرأ شعراً لابن الفارض اختير بعناية، وقبله نقرأ بيتاً لأبي الطيب يحمل دلالة صوفية وإن لم يكن المتنبي من السالكين وقد أثارتني قارئاً وناقداً تلك المفاجأة التي يختتم بها الراوي ذلك المقطع عندما يتبيّن أن ذلك المغنّي والمنشد الذي يهيم بأشعار ابن الفارض هو الفتى (أيمن العتوم) المؤلف نفسه. 

وهذا المقطع تمهيد ذكي لإنهاء الرواية. والتمهيد بنهاية مثيرة وذكية لأي رواية من علامات حذقِ الروائي صنعتَه. وكم من رواية قرأناها تنتهي ولمّا تبدأ بعد، وكم من رواية لا تُعرفُ لها نهاية، وكم من رواية لا تعرف لها بداية ولا نهاية !!، ومردّ ذلك إلى صفتين: إمّا العجلة، أو الغفلة. وكلتاهما صفتان معيبتان في الروائي إذا أصيب بإحداهما، وكيف إذا اصيب بكلتيهما.

وفي فصل (المواقف والمخاطبات) يوظّف أيمن العتوم قراءاته الكثيفة في الفلسفة والتصوف، وبذلك يتحوّل (أبو صابر) إلى فيلسوف حقيقي تتوهّج في عقله معارف الدنيا. وعنوان الفصل انعكاسٌ لقراءة المؤلف أيمن العتوم لكتابي عبد الجبّار النِّفري (المواقف والمخاطبات)، وهما كتابان في التصوف الفلسفي تكتنفهما أسرار وألغاز، ويُعدان من أعظم التراث الصوفي في الإسلام. حققهما المستشرق آرثر آربري في ثلاثينيات القرن الماضي، وقدم لهما بدراسة ضافية باللغة الإنجليزية وترجمة للكتابين.

والسرد على غرار ما في هذين الكتابين يفتح أبواباً  كثيرة أمام أيّ متفلسف كأبي صابر، أو أيمن العتوم. يفتتح النفري كلّ موقف من مواقفه بقوله: "أوقفني.. وقال لي"، ومخاطباته بقوله: "يا عبد.."وكذا يفعل أيمن العتوم على لسان (أبو صابر)، فتسمعه يقول:

-  أو قفني في موقف الخوف، وقال: "من خافني أمِن، وإنني لا أجمع على عبدي يوم العرض خوفين“.

-  أوقفني في موقف (الغياب)، وقال: "من غاب عن الوجود رأى أثري في كلّ شيء، ومن خاض مع الخائضين صرفته عني“.

-  وأوقفني في موقف (العلم)، وقال: "ولا يحيطون". 

-  وأوقفني في موقف (النور)، وقال: "المصباح في زجاجة“.

-  وأوقفني في موقف (الساعة)، وقال: "مَن شُغِلوا بها عنه تاهو، ولا يُجليها لوقتها إلا هو“.

-  وأوقفني في موقف (الفناء)، وقال: "مَن شهِدني فني عن ذاته لأجلي“.

وفي الفصل ما قبل الأخير، ويحمل عنواناً (في الفلسفة)، يملي (أبو صابر) على (أيمن العتوم )كتاباً له في الفلسفة، وسماه (صوت الحمير). أقام أبوابه على الكليّات، وفصوله على الجزئيات، ومكث شهوراً يستمليه. والكتاب (إشراقات) في فلسفة البدايات، وفلسفة الموت والحياة، وفلسفة العبادة، وفلسفة الزمن، وفلسفة النهايات، وفلسفة الهُويّة، وفلسفة الحقيقة، وفلسفة العقل، وفلسفة الحب، وفلسفة الموسيقى، وفلسفة الفقر والغنى، وفلسفة الألم، وفلسفة اللذة.

وهذا الفصل برمته هو أيمن العتوم !!.

وفي الفصل الأخير وهو  خاتمة الرواية، يخرج (أبو صابر) من عزلته بالكهف برفقة الفتى أيمن العتوم لزيارة دار الشيخ علي بن الحسين  وقد تداعت جدرانها وتهدمت، ولم يتهدم ما فيها من ذكريات.

يوصي (أبو صابر) الفتى (أيمن العتوم) قائلاً:

("إذا مِتّ فادفنّي تحتَ شجرة البلّوط الّتي كُنتَ تُغنّي تحتها، على مقربة من كهفي، لعلّني أسمعُ نداء الأرواح من هنا، وآنسُ بقرب ابن الأدهم، فقد كان مثلنا، واحِداً في سلسلة الباحثين عن الله... منذُ عشرِ ليالٍ وأنا أُحدّق في السّماء، أقرأ فيها حروف النّور، وأرى طُيوف الرّاحلين، وأشعر بأنّ النّهايات قد صارتْ أقرب من شِراك النّعل. تهون النّهايات يا صَعدة إذا كانتْ ستجمعك بمن تُحب... إنّني أفقدُني يا صَعْدة، في كلّ يومٍ ينقصُ منّي عُضو، هل نحن بَعْضٌ يذهبُ في إثر بَعض؟! صار الفتى يجلسُ إليّ ويستنطقني، وأنا صامتٌ لا أقول شيئًا، تركتُ بين يديه ذُخرًا آمُل أنْ يستفيد منه النّاس، وهل ينقطعُ ذِكْرُ مَنْ جعل من الكلمات صَدَقتَه الجارِية؟ لم أعدْ أقوى على الكلام، الصّمتُ يُريحني، سوف أترك للفتى أنْ يُكمل عنّي فقد تعبتُ من كلّ شيءٍ". قال الفتى: "تركتُ أبا صابر في اللّيلة الأخيرة في الكهف، كان كلّ شيءٍ فيه ساكِنًا، فقط عيناه كانتْ تنظران إلى البعيد، وتُحدّقان في الفراغ، وتتبعان أفولَ الشّهب المُتساقطة بكثافة، لعلّه كان يبحثُ عن شِهابه الخاصّ به، ويُتابِعه بعينَيه، وينتظر ظهوره. وفجأةً تحرّكتْ جوارحه، وانتبه؛ ها هو شهابُه يسقط، ها هو يذوب  وها هو يغرقُ في ظَلامٍ كثيف!“).

وهكذا تنتهي رائعة (صوت الحمير) للقاص أيمن العتوم. رواية تعكس تطوراً ظاهراً في الكتابة الفنية لمؤلفها، وأحسب أن أيمن العتوم قلّد جيد العربية بنفيسة جديدة من نفائس أدبه. وكثيراً ما يعتريني الأسى عندما أتأمّل في الحياة الثقافية في بلداننا العربية، وما أصابها من وهن، ولا سيما عقم الحركة النقدية، وعدم اكتراث الناقدين بالأعمال المجيدة، والالتفات إلى الأعمال المتدنية والسخيفة. (صوت الحمير) رواية صنعتها عظمة اللغة عند مؤلفها، وعبقريته في  التصوير.

د. الصديق بشير نصر

طالع:

- الجزء الأول 

- الجزء الثالي

 

فرج الترهوني | 15/09/2022 على الساعة 08:51
عرضٌ أدبي رائع
رائع يا سيدي هذه النصوص الأدبية المتقنة التي ما تفتأ تجود بها علينا... لك الشكر والتقدير
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع