مقالات

خليفة علي حداد

عبد المولى دغمان.. مأساة مثقف في مواجهة قطعان الغوغاء

أرشيف الكاتب
2022/08/13 على الساعة 17:59

تروي كتب التاريخ حادثة جرت لأحد أعلام بغداد وفقهائها في العصر العباسي.. كان هذا الطود الراسخ في العلم رجلا ذا أنفة وكبرياء وكان لا يبيع نفسه بالدرهم والدينار، وكان ممن يتعففون عن التزلف في مجالس الأمراء والسلاطين، وكان من الطبيعي أن تجلب له أنفته سخط الحكام في زمن وصل فيه الطمع بأهل "الأدب" إلى القول: ما شئت لا ما شاءت الأقدار *** فاحكم فأنت الواحد القهار *** كأنما أنت النبي محمد *** وكأنما أنصارك الأنصار...

كان العالم العلامة يسير، يوما، في أسواق بغداد، فأشار إليه أحد "الزمزاكة" قائلا: "أرأيتم هذا الفاسق الزنديق؟".. انطلقت جحافل الغوغاء تلطمه وترجمه بالحجارة حتى أدمته وأصابته بعاهات ظلت تلازمه طول حياته.

لا يختلف أمر عبد المولى دغمان كثيرا عن أمر العلامة البغدادي.. السلطان هو السلطان وإن ذهب العصر العباسي وحلّ العصر الجماهيري.. والغوغاء هي الغوغاء في بغداد أو طرابلس.. وحجارة بغداد ومشانق بنغازي وسجونها سواء..

مثقف عضوي في مواجهة سلطة جاهلة خشنة لا تعرف قيمة للثقافة والتثقف وقطعان من الدهماء تهتف لكل أفّاق وتبيع أنفسها وماضيها وحاضرها ومستقبلها بدراهم معدودات..

العسكر والثقافة أمران لا يلتقيان في المجال العربي الوالغ في التخلف الاجتماعي والعقد المرضية.. الجاهل يظل جاهلا وإن حمل النياشين، والمثقف العضوي يظل أسير ضميره وإن حدثته نفسه بالبيع والشراء..

قد يدعي القادمون على ظهور الدبابات أنهم أصحاب مشروع ورؤية واستراتيجيا، وقد يزعمون أنهم طليعة "ثورة ثقافية"، غير أن أفعالهم سرعان ما تكشف سفههم وكرههم المرضي لكل ما يمت بصلة للكتاب والثقافة والفن.. ومن هنا يمكن أن نفهم المآل الذي آل إليه عبد المولى دغمان أحد الآباء المؤسسين للتعليم والبحث العلمي في ليبيا الحديثة..

لم يكن عبد المولى دغمان زعيما حزبيا معارضا ولم يحمل سلاحا في وجه الدولة ولم يعرف عنه أي انخراط في العمل السياسي المباشر ولم يسجل عنه أي انحياز إلا إلى العلم والحقيقة والإبداع ولم يطمح إلى رئاسة أو وزارة؛ وهو الذي غادر المنصب الحكومي كوكيل وزارة طواعية ليعود إلى مدارج الجامعة حيث يجد ذاته وحيث ينسجم معها..

إذن، ما الذي دفع كتائب الجهل الأخضر لتودع المثقف معتقلاتها الرهيبة لسنوات طويلة؟

إنه الشعور بالصَّغار والتفاهة أمام القامات العالية.. جهل موشّى بالنياشين ومدجج بالسلاح مقابل قامات علمية لا سلاح بيدها سوى قناعاتها التي اكتسبتها في مدارج الجامعات.. إنها السياسة الممنهجة لإذلال النخب وإطلاق جحافل الجهلوت لتتولى أمر السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم فتعيث فيها فسادا حتى لا تقوم للبلاد قائمة.. وقد أفلحت في ذلك أيما فلاح..

رحم الله عبد المولى دغمان.. لم يكن الوحيد الذي واجه عصابات الجهل والتجهيل وقطعان الغوغاء وأراذل القوم، ولكن سيرته ستظل تذكر بأن هذه البلاد قتلت أنبياءها وفوتت على نفسها فرصا ثمينة لن تعوض أبدا.

 خليفة علي حداد

 

سليمان بوفروة البرعصي | 19/08/2022 على الساعة 13:53
رجال وطن
البساطة فيما يعمل هو ما يجسد الوطن فهو من قلب الوطن والوطن في قلبه..رحم الله الدكتور عبدالمولى دغمان
رضا العوكلي | 15/08/2022 على الساعة 21:06
اضربه كف
هذه قصه منقوله الي من المرحوم المبروك العوكلي عن موقف سجن فيه عبدالمولي دغمان والمبروك العوكلي سويا؛ عوقب احد السجناء بان يضربه كل سجين زميل له "كف" في ساحه السجن السياسي في الاعوام الاولي بعد انقلاب.القذافي. وانتظم المسجونين يضربون زميلهم كف بالدور حتي جاء دور عبدالمولي دغمان والذي رفض ضرب السجين. كان رد فعل الحارس انذاك ضرب دغمان بعصا علي رأسه الذي كان نظيفا من الشعر حتي ارتفعت "قبوعه راسه" حسب تعبير المبروك العوكلي رحمه الله واغمي علي المرحوم دغمان وادخل الي المستشفي بسبب ايمانه بالعداله حتي تحت تلك الظروف العاتيه.
الهادي العثماني | 13/08/2022 على الساعة 17:38
ترفّع العلماء
في مختلف مراحل حياة الأمموالسعوب الجاهلة نرى الغوغاء والجهلة يناصبون العلماء والمفكرين العداء لشعورهم بعقدة النقص،. وبما أن العوامّ والرعاع هم دوما الأغلبية في مجتمعاتنا العربية مع الاسف فإنهم ينجحون عن طمع الي السيطرة وطلب الكرسي والجاه والتمسّك به ما يدفع نيّري العقول إلى الانسحاب والاستقامة حتى لا يظلموا أنفسهم ، اذا لا طاقة لهم بمجابهة الرعاع ولا قدرة لهم على تقويمهم ، ولكن الدعاء لا ينفكّون ينكّلون لكلّ ذي علم وأدب من منطلق شعورهم بأنهم خطر عليهم ...هكذا يدفع علماؤنا الضريبة باهظة ثمنا لفكرهم ومعرفتهم وثعلمهم وثقافتهم... ذاك واقعنا مع الاسف الشديد
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع