مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. عصر الورق والقرطاس

أرشيف الكاتب
2022/08/11 على الساعة 19:47

كنا وليتنا عدنا كما كنا، دينيا وأخلاقيا وثقافيا، بما في ذلك العادات والتقاليد، لأنها من أسس وثمرة الثقافة الثرية، التي أعطت أكلها أحقابا وسنين طويلة، ولو بشيء من الانحراف في بعض الأحيان والحالات. 

يضيق المجال هنا بالحديث مليّا وبتفاصيل وبراهين، عن تلك الفترات التي سبقت عصر المرئيات وما تحمله من مُثُل، أقل ما يُقال بشأنها أنها هدّامة مُفسدة، بينما المفروض أنها بنّاءة مُصلحة، وقبل الهاتف المحمول الذي، رغم كثير المنافع والخدمات التي يقدّمها، فما هي إلا سُمّ في دَسِم، تسبح وسط بحر من المفسدات المسيئات القاضيات على الكثير مما كان غذاء روحيّا، فكريّا، به تربّت أجيال وأجيال، قدّمت لخلفها جليل الأمثال. 

لا يعني هذا العصمة أو الكمال، لأن كلّ أمرٍ في دنيانا له وجهان، فلا مهرب من الخلل، والأخطاء، والخسران. لكن العبرة بالكثرة والنقصان، وبالتعادل بين كفتي الميزان، فثقُلت موازين الإحسان، وخفّت الشّرور ووسوسة الشيطان. كنّا رغم الفقر المُدقع هنا وهناك، ننعم بفضائل عديدة، منّ الله بها علينا، منها مجازاة الإحسان بالإحسان، وعدم التباهي والطُّغيان، وتواضع الغني والشبعان، وقناعة المحتاج والعريان، والجميع لا ييأس من عفو وكرم الرحمن. 

لست أدري إن نجحت وأصاب قلمي، وصف ما كانت عليه مجتمعاتنا بخيرها وشرّها، ولعلّي قرّبت صورتها من منظور أبناء هذا الزمان، الذين لا يأخذون إلا المال والمادة بالحسبان، بينما الله خلق الإنسان، علّمه البيان، وأمره ألاّ يطغى في الميزان، فكان أمره أساس التعامل بيننا، فحققنا، أو حاولنا تحقيق رضاء الله والإنسان، بقدر ما سمحت به الظروف والمكان. من ذلك النظافة بألوانها وأشكالها. نظافة الضمير فيما يبديه أو يخفيه، نظافة اللسان فيما يقوله ويُمليه، نظافة اليد فيما تأخذه أو تأتيه، وفي كلّ هذا التنافس والتسابق، نحو مرضاة الله والوالدين والمجتمع. لم يكن منّا من يمسح أنفه ومخاطه إلا بمنديل، وإذا قرب منه الماء استنشق واستنفر، ولا يشرب القهوة إلا بفنجان من خزف، ولا الشاي إلا من كأس من زجاج، ولا يأكل طعاما إلا في قصعة أو جفنة من خشب الزيتون، أو آنية وأطباق من خزف أو طين مطبوخ. 

أما اليوم فقد طغى الورق والقرطاس، فغاب منديل الجيب ليحل "الكليناكس" محلّه، وزالت المنشفة تاركة مكانها لمناشف هي الأخرى "مقرطسة". أما المشروبات، ففي كؤوس من ورق مقوّى وهكذا دواليك. كنا نضحك ونهزأ من الاخرين فنقول "يمسح بالكاغد" فها هو اليوم طغا ذلك "الكاغد" والورق والقرطاس، حتى تذكّرت ما كانت تقوله جدّتي الطرابلسية رحمها الله إذا سمعت أو شاهدت أمرا غريبا مستجدّا "آخر دنيا وافهموا يا ناس”.

 أنا بدأت أفهم، ولا أدري هل فهم غيري أو هو لا يزال غارقا في بحر أسطورة التمدّن، ومماشاة العصر، والتحلّي بالحضارة وبما تأتي به، دون تبصّر ولا تفهّم ولا تقييم. إن الحضارة حقا هي نظام اجتماعي يساعد الإنسان، ويسهّل له الزيادة من إنتاجه الثقافي. 

وتعرَّف الحضارة بمكوّناتها وهي أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخُلقية، وبعث وتطوير العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء. 

هل من الإبداع مسح المخاط بالقرطاس؟ لقد أبرزت بالخط الغليظ ما هو أساس وعماد الحضارة، أي الإنتاج الثقافي بأشكاله، والتقاليد والسلوكيات الخلقية، والتزوّد بالعلوم والفنون. فأين هذا من الورق والقرطاس؟ وأين ما نحن عليه، رغم ما جدّ من المخترعات والتقنيات؟ معظمنا وأكثر الناس، خاصة الأجيال الصاعدة، لم تأخذ بلهف إلا القشور البراقة، عديمة المنفعة والمردود، أما الزبد فيذهب سدى، وذهب ويا للأسف. أما من يشك في قولي هذا، فليتوقّف وليتبصّر وليحقّق وليقارن بين الصالح وما يرى، فسيجد الطالح طغى على الصالح، فينصفني بقوله "أنت محق" ولله في خلقه شؤون.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 17-5-2022

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك).

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع