مقالات

د. الصديق بشير نصر

من حمار الحكيم إلى صوت الحمير (2/3)

أرشيف الكاتب
2022/08/11 على الساعة 17:27

(سَقَطَ الحِمَارُ مِنَ السَّفِينَةِ في الدُّجَى

فَبَكَى الرِّفَاقُ لِفَقْدِهِ وَتَأَلَّمُواْ

حَتىَّ إِذَا طَلَعَ النَّهَارُ أَتَتْ بِهِ

نحْوَ السَّفِينَةِ  مَوْجَةٌ تَتَقَدَّمُ

قَالَتْ خُذُوهُ كَمَا أَتَانِي سَالِمَاً

لَمْ أَبْتَلِعْهُ  لأَنَّهُ لاَ يُهْضَمُ)

(أحمد شوقي)

شرعتُ في قراءة (صوت الحمير) بلهفة لم أجدها في قراءتي الجديدة لــ (حمار الحكيم)، لأنّ قراءة النص الأدبي لأيمن العتوم  تنبني على دعائم ثلاث لا تقوم الرواية لولاها: متعة النص، وروعة البيان، والإطار الفني العام. وتلك الدعائم في ظني غير متحققة في (حمار الحكيم)، ودعك من تنطّع المتخرصين الذين لا يرون ضرورةً لتلك الدعائم، فشاع في أعمال الروائيين ما أسميه بلغة (الجرانيل)، وهي لغة مباشرة جافة متحجرة تتعلّق بالحلق كالحسك، فأصاب الروايةَ ما أصاب الشِّعرَ يوم نبتت نابتة لا ترى للشعر لغةً إلا تلك اللغة التي لا تنطوي إلا على المعاني الفارغة، والصور المستقبحة.

وإذا لم يكن لروايات أيمن العتوم من فضيلة إلا روعة البيان التي تظهر عظمة اللغة لكفى صاحبها شرفاً أن يكون هو صانعها. والنص الروائي إذا خلا من متعة القراءة، وهي الشعور بالبهجة والرضا والسعادة التي تصاحب الحصول على شيء جيد أو مطلوب بشدة فقد قيمته الفنية. وليس مقصودنا بمتعة القراءة ذلك المفهوم الفلسفي الغامض الذي خرج به الناقد الفرنسي رولان بارث Roland Barthes في كتابه متعة النص  Le plaisir du texte، أو كما راق للأستاذ منذر العياشي أن يترجمة إلى العربية تحت عنوان (لذة النص)، بالرغم من أنّ المتعة في لسان العرب غير اللذة التي تحمل في الغالب معانيَ حسيّةً. 

والنص الأدبي الذي يحقّقُ المتعةَ يُجنى من ورائه المنفعة، إذ ثمة فرقٌ بين المنفعة والمتعة، وهو أن المتعة  منفعة توجب الالتذاذ في الحال. والمتعة قد تكون بألم تؤدي عاقبته إلى نفع. فكل متعة منفعة، ولا ينعكس. وإذا تبيّن ذلك فإنّ متعة النص الأدبي ينبغي أن يتولّد عنها منفعة. والرواية التي نتلذذ بقراءتها ولا تحقق نفعاً فليست جديرة بأن يطلق عليها اسم رواية أو قصة. ومن هنا فإن رواية فاجرة مثل رواية (الخبز الخافي) لمحمد شكري لا نفع فيها غير إثارة الغرائز، وإن حققت بعض اللذة عند طلاب المتعة الرخيصة ممن يحفلون بهذا النمط السوقي من الكتابة المتدنية. 

ومن الروائيين الذين يحرصون على روعة البيان في أعمالهم الروائية، فضلاً عن أيمن العتوم، أتذكر روائياً كردياً اسمه  جان دوست، لم أقرأ له إلا روايةً واحدةً هي  (عشيق المترجم)، وهي رواية آسرة الأسلوب وإن لم تكتمل نهايتها، ولعلّ المؤلّفَ أراد أن تكون جزءاً أوّلَ لجزءٍ ثانٍ لاحقٍ. فهذا الروائي شأنه شأن أيمن العتوم يكتب وكأنه يرسم بريشة يغمسها في بوتقة الألوان، فتنزلق على اللوح منسابةً، وتنبعث ظلالاً وأشعةً  كما يتحلّلُ الضوءُ الأبيضُ عبر المنشور الزجاجي.

وغياب البيان عن لغة العمل الأدبي، عموماً، وتقاصر الجهد دونه صيّر الكتابة الأدبية  الروائية) مطيّةً لكلّ عاجز. والأنكى من ذلك والأدهى ذلك الاستخفاف باللغة نفسها، فما عاد يُحرّك في الناقدين، إن وُجِدوا، ساكناً وهم يقرؤون نصوصاً هجينة  تفتقد مقومات اللغة، فكثيرٌ منها غير منضبط بقواعد اللغة وأصولها، وبات كلّ واحد يكتب كما يحلو له محاكياً لغة الجرايد والإذاعة مع ما أصابها من فساد، وكلتاهما (الصحف والإذاعة) أصيبتا في مقتلٍ. ولغيبة النقد والناقد تجرأ الأغمار على الكتابة وهم لا يعدمون مادحاً ـ بله مرشحاً لنيل الجوائز الأدبية التي ما عاد لها قيمة، وما عدنا نعلم من هم أعضاء لجان التحكيم، وما ضوابط اختيارهم لهذه الوظيفة، وعلامة ذلك تلك الأعمال الفائزة التي هي في أحسن الأحوال متوسطة القيمة إذا طُبّقت عليها المعايير الصحيحة، وليس ذلك المعيار الوحيد الرديء وهو أنّ النصَّ الفائزَ هو أحسن النصوص، ونحن ندرك أنّ النصوص الرديئة لا يُختار أحسنها لأنه رديء أيضاً.

والنصُّ الأدبيُّ، قصةً أو روايةً أو خاطرةً، إذا افتقد سحرَ اللغة وروعة البيان، واستوى في كتابته الجميع، عاد نصّاً مبتذلاً. والصنعةُ، أيّ صنعة، إذا قَدَرَ عليها  كلُّ واحد فقدت ألَقَها وبهاءَها، وما عادت صنعةً يتنافس فيها الحذّاقُ المهرةُ، وما عاد صاحبُها صانعاً مبدعاً. ومن المعروف أنّ الصناعات الدنيا التي ديدنها التقليد سوقُها نافقةٌ، والصناعةُ الحاذقةُ مصنوعاتها كاسدةٌ، يشحّ سوقُها ويندرُ طلابُها، إمّا لأنها غاليةٌ ونفيسةٌ ولا يُستطاع شراؤها، أو لأنّ روّاد سوقها من الدّهماء يحهلون قدْرَها ونفاستَها، فيستبدلون بها الوضيعَ والخسيسَ.

ولا تزال اللغة هي المعيار المقدّم على كلّ المعايير في الحكم على النصوص الأدبية، ثم تلحق بها المعاني والصور. ولذلك ليس من الغريب أن تكون عبقرية اللغة وسموها في النص الفرنسي هي المعيار الأوّل الذي تحتكم إليه لجنة جائزة الكونكور، لأنّ القائمين على الجائزة يتبعون توصيات مجمع الخالدين الذي يحرص على المحافظة على بهاء الفرنسية ورونقها في زمنٍ كثرت فيه التحديات وباتت الفرنسية لغة شاتوبريان ولامرتين وهوغو وأناتول فرانس تترنح وتميل إلى الاضمحلال أمام هجمة الإنجليزية التي أضحت لغة العالم الأولى. فالدفاع عن اللغة دفاع عن الهوية، ومن يفرط في لغته يفرّط في وجوده. وليس من العجيب أيضاً ان نرى لغاتٍ دونيةً، وبعضها لم يتجاوز الدرجات الأولى من سُلّم البدائية، وبعضها الآخر من اللغات المهجورة أو الميّتة التي في طريقها إلى الموت، يسعى أهلوها لإحيائها بكل الوسائل، لأنهم أيقنوا أنها مسألة وجود وإثبات ذات. 

وما من سبيل إلى ازدهار لغة من اللغات إلا بدفع الروح فيها، وبعث الحياة في عروقها الجافّةِ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتنمية آدابها وفنونها الأصيلة لا تلك الدخيلة عليها، والمزروعة في تربتها من بيئات أخرى فتكون آفة من آفات قتلها والإجهاز عليها. وقولهم: ”اللغة  كائن حيّ“ لا يعني ذوبانها في اللغات الأخرى، بل معناه أنّ اللغة أشبه بالكائنات الحية، قابلة للنمو والتطور متى وجدت الرعاية والاهتمام، كالأرض القاحلة متى توفرت لها الظروف الصالحة من سُقيا ورِيّ وبذورٍ ملائمةٍ أنبتت وأتت أُكُلَها كلّ حينٍ بإذن ربها. فاللغة بسحرها وبيانها هي عماد روايات أيمن العتوم جميعها، وفي (صوت الحمير) نرى ذلك جليّاً.

والشرط الثاني، بعد اللغة، لنجاح أيّ رواية: معمارها الهندسي، وهو ذلك البناء المُحكم الذي يشدّ أبعاضها فلا تتفلّت. ففي رواية (حمار الحكيم) نرى كم هي متهاوية المعمار إذا ما قيست برواية (صوت الحمير). ولسائل أن يسأل: هل للرواية الأدبية معمارٌ يشدّ بناءها فلا تقوم إلا عليه؟.

نعم؛ بناءُ الرواية شأنه شأن بناء المباني والقصور والجسور، لا بدّ له من مهندس حاذق، وخريطة معمارية هندسية يُلتزَمُ فيها بكل الاعتبارات الفنية والمقاييس العلمية، وإلا تقوضت وتهدّمت، وإن سَلِمت جاءت شوهاءَ مُنكَرةً. ولقد بات في العقود الأخيرة اهتمام النقّاد بالبحث في المعمار الهندسي الروائي وتوضيح معالمه، وقد اجترحت جين فاندنبرا Jane Vandenburgh الأستاذة بجامعة كاليفورنيا في كتابها (معمار الرواية) Architecture of the Novel هذا المفهوم الجديد لبناء الرواية الأدبية، ومن تمّ نقدها متى اختلّت شروط ذلك المعمار الفني الذي يُنبئ بانهيارها وتهاويها. فهيكل البناء ليس محض خرسانة تُصبّ في القوالب، ولكنه قواعدُ ونِسَبٌ جمالية. فالمتأمّل في العمود الروماني أو الإغريقي في المدن الأثرية لا يلتفتُ إلى الخرسانة وحدها، ولا إلى الرخام والمرمر وحدهما، ولكنه يلتفت إلى مجموعها،  والقوة المستكنّة في العمود، والقادرة على حمل ما يستقرّ فوقه من بناء، ثم إلى النسب الجمالية فيه من حيث الطول والعرض، والنتوءات، والزخارف، والنقوش، والتي تقابلها في هيكل الرواية تقسيمات الرواية وعدد فصولها وحجمها، والقضايا التي تكتنفها، والوعاء اللغوي الذي تُصبُّ فيه، وعوامل الإثارة والدهشة فيها التي تربط قارئها بها فلا ينفكّ عنها.

ورواية (حمار الحكيم) يعوزها، للأسف، ذلك المعمار، وينقصها عنصرا الإثارة والدهشة، وسحر اللغة كما قلنا آنفاً. وكثير من الروائيين يعيشون رواياتهم لحظة كتابتها وكأنها وحيٌ تنزّل عليهم ساعتها، وبذا فالفرق كبير بين من يجلس طويلاً يفكر فيما سيكتب، ومن يكتب ما يعنُّ له للتوّ. حتى إنهم، أحياناً، لا يحسنون وضع عنوان ملائم للرواية التي يكتبونها، والعنوان كما هو معروف هو أول عتبات الباب، ومن لا يحسن صناعة العنوان قد لا يُحسن صناعة المبنى. وقد يكون العنوان مثيراً جذّاباً ولكنه لا يعكس ما وراءه، حتى إذا جاوزت العتبة ودلفتَ إلى الداخل لم تجد شيئاً إلا بعض الأشياء المبعثرة هنا وهناك. فعناوين فصول (حمار الحكيم) أرقام، ما يدلّ على أنها حوارات متصلة يمكن الاستغناء فيها عن تلك الأرقام، ناهيك بأنها أشبه ما تكون بدردشة على قارعة طريق، أو لغط في مقهى، فلا فكر ولا فلسفة، ولا موضوع محدد بعينه. 

و(صوت الحمير) رواية فلسفية ساخرة، كما جاء على ظهر غلافها. بطلها الحمار (أبو صابر)، يروي الأحداث بلغته الفريدة، وهي بالطبع لغة أيمن العتوم. وتقع الرواية في أربعةٍ وعشرين فصلاً عدا المدخل الذي هو مفتاح الرواية، وقد جاء فيه على لسان (أبو صابر) الحمار:

”كنتُ سأُسمّيها مذكّرات حِمار، أو يوميّات أو ما شابَه... ولكنّ الشّخص الّذي دفعتُ إليه هذه المُذكّرات لكي يُحرّرها ويُدعَى أيمن العتوم كان أشدّ عِنادًا منّا نحن الحمير؛ فأصرّ على أنْ يُسمّيها (صوت الحمير)، مُدّعيًا أنْ أكثر ما يُميّزنا هو الصّوت لا الذّكريات، وأنّنا نُسامح وننسى أسرعَ من البشر، ومع أنّه لم يكنْ على حقٍّ تمامًا إلاّ أنّني قبلتُ؛ لا لشيءٍ إلاّ لكي أشتري قلمَه بسكوتي. ومن نافلة القول إنّ مَهمّة المُحرّر المذكور قد اقتصرت على ضبط الإيقاع اللغوي، أما فيما عدا ذلك فإن أحداث هذه الرواية جميعها قد وقعتْ لي، وهي حقيقيّة حَدّ الخَيال!“.

اختيار اسم (أبو صابر) اسماً للحمار بطل الرواية أكثر توفيقاً من اسم (الفيلسوف) الذي أطلقه توفيق الحكيم على حماره إذ لم نسمع لا فلسفةً ولا سفسطةً تجري على لسانه، فهو فيلسوفٌ أخرس. والحمار أكثر الحيوانات جدارةً بأن يُكنى أبا صابر، وفي لغة العرب: أبو صابر اسم من أسماء الحمير.

وأحسن الروائي في اختيار عنوان روايته (صوت الحمير) وهو اقتباس قرآني، وذلك نهج سلكه أيمن العتوم في جميع رواياته، حيث جعل عناوينها مقتبسة من القرآن، مثل: تسعة عشر، يسمعون حسيسها، خاوية، يوم مشهود، مسغبة، ياصاحبي السجن، نفر من الجن، ذائقة الموت.

تقع الرواية في أربعة وعشرين فصلاً متساوية الأثقال تقريباً equivalent weights، وهذه مسألة جديرة بالتنويه في العمل الروائي وقلما يُتفطّن إليها، فنرى في بعض الروايات، عند بعض الروائيين، انعدام الإتزان في أثقال الفصول، إذ تجد فصلاً يقع في عشر صفحات وآخرَ يتجاوز الستين. ففصول هذه الرواية يتراوح متوسط عدد صفحات كلّ فصل من عشر إلى اثنتى عشرة صفحة.

تبدأ الرواية التي يكون السارد الأول فيها هو الحمار (أبو صابر) بأن يبدأ بالتعريف بنفسه، ومن أية سلالة من سلالات الحمير انحدر. يقول:

”وُلِدتُ تحت شجرة سنديان في (سُوف)، القرية الّتي تعانق جبالُها السّماء، وتسيل وديانها بالأنهار الفضّيّة في فصل الشّتاء، الشّتاء هنا قاسٍ وقارس، وعندما لا تكون لي بَرْدعة يكون الشّتاء قاتِلاً. غادر أبي بعد أنْ ولدتْني أمّي بيومَين، من أجل العمل عند أحد الفلاّحين في قرية (سَمّوع). كانوا يقولون إنّها قريةٌ مُمرِعة، وإنّ زرائبها دَفِيئة، وفيها الكثير من الإناث الجميلات. ونسي أبي العهد الّذي قطعه لأمّي ألاّ يتخلّى عنها حتّى لو تخطّفتْه أنياب الكلاب أو نهشتْه مخالب الفقر، ولكنّ الذّكور من الحمير مثل الذّكور من البشر مُستعدّون لأتفه الأسباب أنْ يُقامِروا بمشاعر زوجاتهم دون أيّ شعورٍ بالمسؤوليّة، وأنا أخشى عندما أكبر أنْ أصبح مثلهم!!.

ظلّتْ أمّي معي حتّى اشتدّ عُودي، كانت تقول لي: "أنتَ حمار مختلفٌ، وإنّني أرى مخايل الذّكاء تبدو على مُحيّاك الجميل، وإنّني أشعر بأنّه سيكون لكَ شأنٌ عظيمٌ في المستقبل". وكنتُ أطربُ لهذا الكلام. وماتت أمّي في صباح يومٍ ربيعيّ، كانت قد استلقتْ من اللّيل، فلمّا نادتْها الشّمس لم تستجبْ، وبكيتُ لموتها كثيرًا. ولم أعدْ آكل. وصار جسدي هزيلاً، وقرّر صاحبي حتّى يتخلّص منّي أنْ يبيعني إلى الشّيخ عليّ. كان الشّيخ في العَقد السّابع من عمره، وكان إمام المسجد العثماني القديم في (سُوف)، وقد لزم المسجد طَوال حياته، مُذ تخرّج في الأزهر في الأربعينيّات، وانكبّ على العِلم بعد ذلك انكِباب العاشِق حتّى ضَعُفَ بصره. لم يكنْ في سوف من وسيلةٍ للنّقل آنئذٍ إلا الحمير، وكنّا نحن الحمير نحبّ سوف، كانتْ طرقها جميلة، وهواؤُها نقيًّا، وليس فيها إلاّ مطحنة واحدة، وإذا كان الثّلج في الشّتاء، فإنّنا ننام مع أهلها في بيوتهم تحت سقفٍ واحد. إذن، صِرتُ أنا حمارَ الشّيخ عليّ الجديد بعد أنْ هَربَ حماره القديم مع أتانٍ أغواها ببعض الكلمات المعسولة“

هكذا تبدأ الرواية، وهكذا تمضي فصولها فصلاً في إثر فصل، تجري نجوماً متتابعة في انسجام لا تكلّف فيه ولا عنت، وهذه واحدة من صفات الرواية الجيدة.

وما يجري على لسان (أبو صابر) في الظاهر من فلسفةٍ وحكمةٍ، هي آراءُ المؤلف ومعتقداتُه ساقها بطريقة جميلة غير منفّرة، وهكذا شأن كثير من الفلسفات والآراء تجد طريقها إلى نفوس الناس متى تحررت من عباءة المؤلف. والقارئُ بطبعه فيه نُفرةٌ من الكلام إذا نسبه صاحبُه إلى نفسه، وتراه أميلَ إليه متى نُسبَ إلى آخر ولو كان حيواناً أعجميّاً. وهذا من الدواعي التي دعت الحكماء من قديم إلى إجراء الحديث على ألسنة الحيوانات تجنباً لتبعاته، ودفعاً للسامع أن يقع في مهاوي الاعتساف في الحكم.

ويفيض المؤلف في بيان العلاقة الحميمية بين الحمار أبو صابر، ومالكه الشيخ علي، لا سيما بعد أن يكتشف هذا الأخير أن حماره يتكلم بالعربية، فتنعقد أواصر الصحبة بينهما، وإن تخللتها بعض المواقف الساخرة المضحكة التي قد تخرج الشيخ عن طوره وورعه. 

لقد نجح المؤلف أيمن العتوم، في ظني أنا على الأقل، في استثارة ذهن المتلقي حتى نسي أن المتحدث حمار. ونجح أكثر في استثارة عواطف القراء نحو هذا الحيوان الجميل الذي ظلمته الثقافة الإنسانية على مدى التاريخ، بالرغم من أنه أكثر نفعاً وألفة من بين الحيوانات جميعها. وهذه أيضاً نقطة إيجابية تحسب للمؤلف أيمن العتوم. فقصة (كليلة ودمنة)، ومثلها (خرافات لا فونتين) يثيرنا فيها ما يجري من حكمة على ألسنة الحيوانات، وهو مطلبٌ عقليٌّ، ولكنها لا تثير فينا شحنة من العاطفة نحو هذا الحيوان أو ذاك. وهذه السمة لا نجدها إلا في القليل من الأعمال الروائية التي كتبت عن الحمار أو كان الحمارُ بطلَها، ومن ذلك القليل رواية (مذكرات حمار) Mémoires d’un âne التي ذكرناها آنفاً، والمشحونة بالتعاطف مع الحمار.

لقد نجح المؤلف أيمن العتوم، أيضاً، في تنزيه الحمار عن النقائص التي ألصقت به من بلادة، وغباء، ونهم، ولا مبالاة أي عدم اكتراث بما يدور حوله خلاف الحيوانات الأخرى الشرسة والأليفة. 

ومن الواضح الجليِّ أنّ المؤلف استطاع بمهارة أن يتلبّس شخصية الحمار، مع الاعتذار للمؤلف، أي أن يعيشها، ويفصح عن تلك الأحاديث التي يجريها على لسان الحمار. والتلبّس بالشخوص الروائية سرٌّ من أسرار نجاحها، ولا يتم ذلك إلا بردم الهوة بين البشري والحيواني، وإلا تحوّل النصُّ، كما هو في كثير من الأحايين، إلى مجرد كلامٍ أو موعظةٍ. 

ولعلّ المؤلفَ أيمن العتوم ممن يؤمنون بأنّ الحيوانات تفهم لغة البشر. فهم يأمرونها فتأتمر وينهونها فتنتهي. ويغلب على ظني صدقُ هذا الإحساس، وربما يصدّق ذلك أنّ لي سلحفاة مستقرها فوق سطح بيتي تحت الدرج. في الحرّ والقيظ، وعند البرد الشديد أدخلها إلى البيت في زاوية من مكتبتي. نسيتها يوماً في الشتاء، وكان يوماً زمهريراً بارداً، فتذكرتها في الصباح فخرجت أنادي عليها فلم تخرج، ربما لتيبس أعضائها في تلك الليلة المقرورة. أخرجتها واعتذرت لها قائلاً: ”سامحيني أيتها العزيزة!“ فهالني ما رأيت. رأيت دموعاً تنحدر من عينيها، وكأنها تعاتبني، فآليتُ على نفسي ألا أتركها خارجاً لا في الهجير ولا في الزمهرير. فالكشف عن العلاقة بين الإنسان والحيوان، وكلاهما من جنس الحيوانية، كشفٌ مثير وجدير بالاهتمام، ويتطلّب حساسية مفرطة من الكاتب أو الشاعر. وصوت الحمير) محاولة لكسر الجدار الحاجز بين الأنسنة والحيْوَنة. أنسنة الحيوان، أي جعل الحيوان إنسيّاً، وحيونة الإنسان أي جعل الإنسان حيواناً. وفي كثير من الروايات التي توظف الحيوان مادةً لها تكتفي بأن يتكلم الحيوان والإنسان لا يفهم ما يقول، او بالعكس. وفي (صوت الحمير) ينهدم أيضاً عائق اللغة عندما يتكام أبو صابر بلغة البشر فيفهم منهم ويفهمون منه. ولكن تلك اللغة واحدة هي لغة البشر التي تعلمها أبو صابر الحمار وأتقنها، ولم يهتد الإنس للغة الحيوان بعد. ضربٌ من الجنوح الخيالي يوظفه الروائي في فنّه وإبداعه.

في بعض الآثار الأدبية العالمية نجد الحيوانات تتحدث مع بعضها بعضاً وكأنها استطاعت تفكيك لغاتها مع اختلاف نوعها. نرى ذلك في (منطق الطير) للعطار، و(الطائر الأزرق) لموريس ميترلنك، وهي مسرحية بديعة اُثارت اهتمام النقاد، وعُدَّ بها هذا الكاتب البلجيكي الحائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1911، واحداً من أهم  كتّاب المسرح الرمزي المشحون بالغرائب. والحوار في الطائر الأزرق أو العصفور الأزرق L'Oiseau bleu لم يقف بين البشر والحيوانات، بل تجاوزهما إلى الطيور والأشجار. وبهذا يكون ميترلنك قد وسّع من دائرة الأنسنة لتشمل جميع الكائنات الحية وغير الحية.

و(صوت الحمير) رواية  تجدّ في البحث عن القيمة الحقيقية للحياة، التي ما انفك الإنسان يطلبها، ولكنه لم يصل إليها، ولعله يصلها ذات يوم لو عاد إلى حيوانيته الأولى، أي إلى فطرته الأولى ونقائه الأوّل قبل أن يتشوه ويتلطخ بالشرور والموبقات. والرواية مشبعة بالمقارنات والمفارقات بين الإنسان والحيوان، والتي ينتصر فيها الحمار أبو صابر لنوعه بعد أن يميطَ اللثامَ عمّا أصاب الإنسانية من فساد وانحراف عن طبيعته الأولى التي ينبغي أن تكون محكومة بقوانين منضبطة تنظم غرائزه وحاجاته العضوية من خلال إشباع صحيح لا تعديّ فيه.

(صوت الحمير) رواية أراد بها مؤلفها أيمن العتوم أن تكون عملية تشريح للنفس البشرية التوّاقة إلى هدم كلّ جميل، وتشويه أجمل ما في الطبيعة. واستبدال الخرسانة والكتل الإسمنتية  بأشجار الصنوبر  والبلوط والأرز تشويه لكلّ آيات الجمال في الكون. الحيوان لم يمارس أيَّ نوعٍ من العبثِ مع الطبيعة.. فنحن البشر نتحدث عن الطبيعة  ونصفها بأنها الأم الرؤوم، وهذا محض كذب وافتراء. فإذا كانت الطبيعة، حقّاً، أمّاً رؤوماً لنا  فنحن أبناء عاقّون. فالابن الحقيقي للطبيعة هو الحيوان لا الإنسان.. وذلك ما كان يجري على لسان (أبو صابر).

تبدأ الرواية بأنّ  أهل القرية لاحظوا أنّ الشيخَ علياً لم يعد ياتي لإمامتهم في المسجد، وأن السببَ في ذلك هروبُ حماره القديم، فقرروا أن يشتروا له حماراً فتيًّا قويًّا يستطيع أنْ يحمله ليؤدّي فروضه بدل الحِمار القديم. ومن هذه اللحظة تبدأ العلاقة بين الشيخ على وحماره أبو صابر، تلك العلاقة التي يصفها السارد أيمن العتوم على لسان الحمار، وفيها:

"ونظر الشّيخ من نافذة بيته الطّينيّ إلى أصدقائه وهم يسوقونني إليه كما تُساق العَروس إلى زوجها، وشعر بمودّة غامرة، ولم يدرِ مصدر هذه المودّة إنْ كانتْ بسبب رؤيته لأصدقائه أم رؤيته لي، أم لنا معًا، ولكنّني لمّا سألتُ الشّيخ فيما بعد عن أشياء كثيرة، قال لي: إنّه كان مسرورًا بي، وإنّما كانتْ هذه المودّة نابعةً من قلبه لرؤيتي، فقد قال إنّه رأى فِيّ مخايل الذّكاء، وإنّه يتنبّأ لي بمستقبلٍ بديع، وفيما بعدُ أسرّ لي بأنّني كنتُ أشدّ ذكاءً من كلّ الأولاد الّذين علّمهم في كُتّاب القرية في حياته!“.

ويصور أيمن العتوم لحظة اللقاء بين الشيخ و(أبو صابر) وكأنها لحظة التقاء عاشقين بعد افتراق وطول هجران. وهذا التصوير على هذا النحو توطئة لقبول ما سيتتابع من أحداث وأفكار، فاستمع إلى الحمار وهو يقول:

”هُرِعَ الشّيخ من الباب دون أنْ يلبس قُفطانه ولا أنْ يضع عِمامته فوق رأسه، وكان منكوش الشَّعر، خفيف الثّياب، حافي القدمَين، وفُوجِئ أصدقاؤه بهيئته هذه، وتعجّبوا من خروجه إليهم على هذا النّحو، وكان يفتح ذراعَيه مُستبشِرًا، وهو يضحك، وظنّ الفلاّحون أنّه يضحك لهم، لكنّه لمّا وصلَ إلينا ابتدرني فأخذني بالأحضان، وتجاهل وجود الآخرين وسط صيحات اندِهاشهم واستنكارِهم، وظنّوا أنّ الشّيخ قد جُنّ، وأنّ الوَحدة والانعِزال والكآبة قد أفقدَتْه عقله، ولكنّهم لم يكونوا يُدركِون أنّه إنسان، وقلبه مُترَع بالأحاسيس، وعانقني الشّيخ بالفعل عناقًا طويلاً، ومَسَّح لحيته البيضاء بعنقي، وشعرتُ تُجاهه بمودّة كبيرة، وأحسستُ أنّني أعرفُ هذا الشّيخ من زمنٍ بعيد، وأنّنا أصدقاء طفولةٍ غِبْنا عن بعضنا فترةً طويلةً ثُمّ التقينا فجأة“.

وأيقن الفلاّحون أنّ شيخهم قد جُنّ. وصاروا يضربون كَفًّا بكفّ وهم يُحَوقِلون، فتركوهما يُتمان العناق، وتبادل نظرات الشّوق والهُيام. وفي دار الشيخ، وهي دار طينية متهالكة، يساكنه فيها أبو صابر، ويصفها المؤلف وصفاً دقيقاً، فتخرج صورة فوتوغرافية، أو لوحة زيتية رسمها أحد مصوري القرن التاسع عشر، الذين يحرصون على تصوير كلّ دقائق المشهد.

”وقام الشّيخ فقادني إلى غرفته الخاصّة. كانتْ غرفته طينيّة واطِئة السّقف، في صدرها الدّاخون الّذي يملؤه في الشّتاء بالحطب من أجل الاستدفاء، وعلى الجانب الأيمن فِراشُه، وعند رأسه بعضُ مزاود الطّعام، وعلى الحائط دائم التّقشُّر هناك مسامير مدقوقة بشكلٍ عشوائيّ يعلّق الشّيخ فوقَها بعضَ ثيابه ومُتعلّقاته. وأجال الشّيخ نَظَره في الغرفة، واختار لي الجانب الأيسر منها، مُقابله تمامًا من أجل أنْ يظلّ ينظر إليّ ويُحادثني، وأوقفني دون أنْ يربطني قريبًا من الدّاخون لكي أنعم بالدّفء، ثُمّ حَكّ ذقنه، قبل أنْ يخرج حاسر الرّأس في البرد إلى الحاكورة، من أجل أنْ يأتي بالمِعلف الّذي كان للحمار الّذي سبقني في خِدمته، ويضعه أمامي، ويقول لي: "كُلْ يا صديقي. صحيح أنّ هذا الشّعير قديم وبارد، ولكنّني أعدك من الغد أنْ آتيك بشعيرٍ جديدٍ من السّوق، لا تقلق، والآن سامِحْني لأنّ هذا أفضل ما لديّ". ومن جديد عرفتُ أنّه إنسان حقيقيّ، وأنّه يشعر بالآخَرين، وأردتُ أنْ أقول له: "إنّه يكفيني بعض الحشائش اليابسة أو الجذوع المقطوعة أو حتّى الشّوك لآكل وأشبع". ولكنّني تراجعتُ لعلمي بأنّ البشر لا يفهمون لغة الحمير، مع أنّ الحمير يفهمون لغة البشر حتّى أولئك الأغبياء منهم!“.

صحب (أبو صابر) الشيخ عليّاً سنيناً طويلة، يقول عنها:

”ولقد وعيتُ ما لم يَعِ البشر، وإنّ الله خالق كلّ شيء وصاحب الفضل يهبه لمن يشاء، ولا يُميّز بين خلقه إلاّ بما أعطاهم أو بما يُعطونه مِمّا أعطاهم لِخَلقه، ولقد مكثتُ بصحبة الشّيخ السّنين الطّوال فما فارقتُه، وما فارقني، وحفظتُ عليه ما لم يحفظهُ شيخُ الأزهر، ولا شيخ الزّيتونة، ولا شيخ مكةّ. وتفقّهتُ فيما سمعتُ ما لم يَتفقّهْ به سعيد ولا عكرمة ولا قتادة ولا سفيان. وتفلسفتُ ما لم يتفلسفْ به ابن رشد ولا ابن سينا ولا ابن باجة ولا ابن خلدون. وبعد خمسَ عشرة سنةً من المدارسة والتّطواف في القُرى، والمبيت في الشّوارع والأزقّة والخانات والزّرائب والإصطبلات وبيوت الغرباء والقراءة على ضوء السُّرُج والأكل مع الشّيخ في مِعلفٍ واحد، والشّرب معه من الجُرنٍ نفسِه؛ بعد ذلك كلّه دخل عصرُ التّلفاز. فقد اشترى الشّيخ من راتبه الّذي كان يأخذه من وزارة الأوقاف تلفازاً حديثًا، كان ثالث تلفاز يدخل إلى القرية. وعندما كُنّا نعود من صلاة العِشاء، كُنّا نسهر أنا والشّيخ فنحضر أفلام أسمهان، وإسماعيل ياسين، وأغاني أم كلثوم، وبعد سنواتٍ أخرى تطوّر الشّيخ أكثر فصرنا نحضر المسلسلات الّتي كتبها وليد سيف مثل عروة بن الورد، وطرفة بن العبد، والمعتمد بن عبّاد. وشاهدتُ برفقة الشّيخ مئاتِ المسرحيّات والمُسلسلات والأفلام الأخرى“. 

أراد المؤلف أيمن العتوم من كلّ هذا أن يدخلَ في روع القارئ المتلقيى طبيعة العلاقة بين الحيوان (أبو صابر) وصاحبه الشيخ عليّ، ليمهّد لما سيأتي من أحاديث وأفكار تجري على لسان (أبو صابر) فلا تُستنكر. وليعطي القارئ إحساساً بأنه أمام حمار مثقف ليس كحمار الحكيم الذي تسمّر أمام المرآة يتأمّل وجهه فيها، فخمّن توفيق الحكيم أنه فيلسوف، وأنه يشبهه !!.

وأيمن العتوم في رواياته، كما قلنا في مناسبات سابقة، يقع تحت تأثير غوايتين: فتنة الصورة، وفتنة اللغة الشاعرية. وفتنة الصورة، أو إن شئتَ فقل غواية التصوير Temptation of painting، ما هجرت مخيلة أيمن العتوم. فجميع رواياته تكتنز بالصور، حتى لكأنها مجموعةُ لوحاتٍ فنيةٍ متراصّةٍ في متحف عريق كمتحف اللوفر بباريس، أو كمتحف هيرميتاج بسانت بطرسبورغ.

في الطريق إلى قرية (راسون) وهي قرية شمالية، يقدم لنا المؤلف على لسان (أبو صابر) هذه التحفة الفنية:

”الرّوائح تنبعثُ من جديد. رائحة الحطب المُحترِق الّتي تصل من البيوت الطّينيّة المُتناثرة في الطّريق. الفلاّحات في بيوتهنّ يخبزْن بانتظار أزواجهنّ الذّاهبين إلى التقاط الأرزاق من أفواه الجوع. رائحة الخُبز هي الأخرى تُدهِشني وتُغريني، مُستعدّ أنْ آكل خمسين رغيفاً الآن رغم شبعي التّامّ، فخبز الطّابون لا يُقاوم. تختلط رائحة الخُبز في الطّابون برائحة الخشب المحترق في الدّاخون، احتراقٌ حميد يُنتج كلّ هذه الرّوائح الذّكيّة. مضينا، الأرض ما تزال مُبتلّة؛ ألا تنشف الطّرقات في قُرى الشّمال ؟! الطّين في كلّ مكان، الماء يتجمّع في بعض الأجران، أتشمّم الأرض وأنا أمضي بالشّيخ إلى راسون، رائحة الطّين تزكم أنفي، الطّين المختلط بالرّماد وثمر البلّوط وشوك السُّمّاق المهروس تحت الأقدام من السّنة الفائتة، اختلاط الماء بالطّين مع أوراق الأشجار المطحونة بفِعل الأيّام يُخرج هذه التوليفة الرّائعة من الرّوائح. نمضي. البيوت تتناثر. لا أضواء في هذا الصّباح الضّبابيّ. الضّباب يعانق الأشجار، أحيانًا يعانق الأرض، يمشي أمامنا، يعبر بجانبنا كشبحِ فتاةٍ بيضاء، رقيقاً، غامِضاً، وحنوناً رغم قسوة البرد المُستتر فيه. والرّيح تبكي؛ على ماذا تبكي الرّيح؟! على ابنها الّذي ذهبَ مع الرّيح !! علينا نحن الذّاهبين إلى أقدرانا!!“.

وصورة الريح تبكي صورة مجازية جميلة تستدعي من القارئ المثقف أن يستدعي رواية (الذاهب مع الريح) وهي إشارة ذكية من المؤلف. وفي المجاز سمعنا عن دموع السماء، وبكاء الأرض، وصوت الريح، وعويل الريح وولولة الريح، ولكننا لم نسمع، فيما أعلم، عن بكاء الريح، وإن كان العويل والولولة من البكاء !!.

هذه الصورة الأنيقة الساحرة التي سقناها للتوّ، ذكرتني بصباي، وانا أزور جدي لأمي في الجبل الغربي، وكيف كانت تتصاعد روائح الحطب وهو يحترق في جوف الفرن، ثم انبعاث رائحة الخبز التي تُشتم من مسافة بعيدة عبر الأودية مع نباح الكلاب، وتصاعد روث البهائم واختلاطها بروائح الزهور البرية.. روعة الفنّ الأدبي عموماً تكمن في قدرته على استدعاء الصور المخزونة في الذاكرة. لقد ذكرتني هذه اللوحة الفنية بـرواية) سيمفونية رعوية (La Symphonie pastorale  لأندريه جيد، وكنت قرأتها منذ أمدٍ بعيد، ولم يعلق بذهني منها إلا صورة العجوز وهي تحتضر، وعربة القس يجرها حصان تضرب في ليلة ٍ قرٍّ عمياءَ.

وهكذا تمضي قصة (صوت الحمير) في حركة انسيابية عبر تنقلات الشيخ عليّ فوق ظهر حماره من مكان إلى مكان، وفي كلّ مرة يواجهان المتاعب عبر المسالك التي يمرون بها والدروب الوعرة. 

وحتى لا يسأم القارئ يروي أبو صابر حوادث مضحكة مرت بهم في الطريق، والشيخُ عليٌّ منشغل بالقراءة، وأبو صابر الحمار النبيه يستمع بلهفة، ويحفظ ويتعلم، وربما يناقش أحياناً، ولا يقطع ذلك الانسجام إلا أن تعلق عمامةُ الشيخ في غصنٍ متدلٍ نافرٍ من شجرته.

”ظهر كلبٌ أسودُ ضخمٌ فجأةً في وجهي، وهجمَ علينا وهو ينبح نُباحاً شديداً، فخفتُ من مُباغتته لي على هذا النّحو، فركضتُ، فَعَلِقتْ عِمامة الشّيخ بغصنٍ من الأغصان الّتي تمدّ أصابعها دون حياءٍ في وجوهنا، فصاح الشّيخ، لكنّ صياحه تضاءَل أمام نُباح الكلب الأسود الّذي هَمّ بأن يُغرز أنيابه المُخيفة في بطني، فزدتُ من سرعتي، وعَدوتُ مُسرِعاً، فمررنا تحت شجرة زَعرور فحزّتْ خدَّ الشّيخ فأسالتْ دمه، فصاح، لكنّ صياحه لم يكنْ ليُساوي شيئًا أمام هجوم الكلب المَسعور، فأطلقتُ سيقاني للرّيح، فوقع الشّيخ عن ظهري وعلقت رِجله في حلقة الرّكاب أسفل البردعة، فجررتُه على ظَهره، وصاح أكثر وهو يشتم: " يا حمار... يا حمار... اتفو على أبوـ..." ولكنّني لم أسمعْ، وشعرتُ بأنّ ظهري قد خفّ، وأنّني أشدّ شيئًا ثقيلاً يُبطِّئ من سرعتي، فنظرتُ خلفي فإذا هو الشّيخ قد تلطّخ بالطّين من رأسه إلى قُفطانه، وكان حاسر الرّأس، وصلعته تزرقّ على ضوء الشّمس الباهتة الّتي تتخلّل الأغصان، وهو يُمسك باللّجام بيأس ويصرخ بغضبٍ عليّ، ثُمّ بخفّة التقطَ حجراً وأنا أسحله على الطّين بصعوبة، ورماه في وجه الكلب فَخَسِئ الكلبُ وانكفأ عائدًا إلى وجاره، وتوقّفت أنا، فما كاد يشعر بأنّ الحمار الّذي يسحبه قد توقّف عن جرّه حتّى أمسكَ اللّجام، وفكّ رِجله من حلقة الرّكاب، وراح يشتمني بألفاظٍ بذيئة، وشعرتُ بالذّنب، لكنّني أيضًا شعرتُ بالخجل من ألفاظ الشّيخ، وتساءلت: "لماذا يُحاسبني الشّيخ على غريزةٍ مركوزةٍ فينا نحن الحمير، من الطّبيعيّ حين أرى كلباً أسودَ ضخماً هاجِماً عليّ أنْ أهربَ، وأحاول النّجاة بروحي!“.

سمع أبو صابر كتباً  كثيرة من صاحبه الشيخ عليّ وهو على متنه أو في داره، يعجبه بعضٌها، ويستخفّ ببعضها الآخر، بل يستنكرها، ويُنكِر على قائلها. فمرةً سمع كلاماً لأبي بكر الرازي الطبيب يقرأه الشيخ عليّ، جاء فيه:

("وقرأ الشّيخ: "قال الرازيّ صاحب الطّبّ المعروف إذا طُبِخَ لحم الحمار الأهليّ وقعدَ في مائِهِ مَنْ به كُزاز نَفَعَه". فضرطتُ، فسمع الشّيخ ضَرْطتي وضحك. ثُمّ تابع يقرأ ما قاله الرّازيّ: "وإذا اتُّخِذَ من حافره خاتمٌ ولَبِسَه المصروع لم يُصرَع"، وضرطتُ ضرطةً أشدّ من الأولى، وهممتُ أنْ أقول: "إنّ هذا الرّازي حِمار". وتراجعتُ. لكنّني نهقتُ، وقلتُ: "يا شيخ لم أقطعْ معك كلّ هذه المسافات لتُسمِعني هذه التُّرّهات، هل لديكَ في الخُرجِ كتابٌ آخَر؟!“).

ومن الصور الطريفة التي يحكيها أبو صابر وهم في جوف مغارة وقد أحاط بها الثلج من كلّ جانب، ولم يجدوا ما يقتاتونه لجوعٍ شديدٍ أصابهم إلا أن يلتهموا ورق بعض الكتب التي كانت في خُرج الشيخ، فكان من نصيب الحمار (أبو صابر) أن يزدرد كتاباً في الفلسفة، ونصيب الشيخ أن يلتهم كتاباً في العقيدة.

”وفي اليوم السّابع، لم يعدْ من روثٍ في الزّوايا، فقلتُ للشّيخ: "قرّبْ كتبك الخمسة؟". فاستغرب: "الكتب؟". نعم". "وماذا تريدُ منها؟ هل تريدُ أنْ تقرأ لي؟!". "قرّبْها وستعرف". فقرّبها، فقلتُ له: "اخترْ منها ما تريد". "أختار منها لأيّ شيءٍ؟ ". "لكي تأكله". واستنفر واستوحش واستغرب واستُفزّ، فأردفتُ: "صحيح أنّنا سنُصاب بالمغص بسبب الكيماويّات في الحبر الموجود فيها، ولكنّ ورقها أُمّه الخشب، والخشب لن نعدم فيه فائدة". وتردّد، فقلتُ: "إنّها خمسةُ  كتبٍ في تصانيف متنوّعة، فماذا تختار؟". فظلّ صامِتاً  كأنّه حجر، وقلتُ: "أمّا أنا فأختار كتاب الفلسفة". ومددتُ رأسي إليه، ورحتُ أقطّعه بأسناني وأزدرده فما مضى وقتُ قصير حتّى كنتُ قد ابتلعتُه بالكامل. وأمّا الشّيخ فاختار كتاب العقيدة، ففعل ما فعلتُ، ولكنّه لم يقوَ على أنْ يأكله كلّه. وصارت الفلسفة في بطني، وصارت العقيدة في بطنه. ومن يومئذٍ أطلقوا عليّ لقب الفيلسوف، فقد كنتُ قد هضمتُها في تلك اللّيلة بشكلٍ تامّ. وأمّا عقيدة الشّيخ فقد كانتْ ناقصة، فإنّه لم يجرؤ على أنْ يهضم كلّ ما في كتابها، فأكل بعضَه وفرّط في بعضه الآخَر“.

وعنصر الظّرْف في الروايات التي تجري على لسان الحيوان مطلبٌ مهم، بل رئيس. فالظرفُ والفكاهة والسخرية ironic تكسر طابع الرتابة، وتقلّل من حدّة القلق والضجر الذي قد يعتري القارئ لا سيما إذا كان النص الروائي طويلاً. والروايات المضجرة لطولها أو لخلوّها من التصوير، أو لفرط المبالغة في وصف أشياء لا تستدعي الاهتمام، أو لتفكك النصّ فيها، أو للإفراط في عدد صفحاتها إو في طول جملها وخلوها من علامات الترقيم حتى لتبدو وكأنها جملة واحدة تستغرق صفحة أو صفحتين، كما هو الحال مع (أوليسيس) لجيمس جويس، أو (البحث عن الزمن الضائع) لمارسيل بروست وهذان العملان، مع ما نالاً من شهرة، مضجرآن ويبعثان على السآمة. وفي ذلك يقول كولن ولسون في كتابه (المعقول واللامعقول):

”كان جويس و بروست، نوعاً ما، مثالين مضللين. فهما يحضيان  بعدد كبير من القرّاء (أو على الأقل أولئك الذين يذكرون مقاطعهما  المهمة) لأنهما يتمتعان بشهرة واسعة. وقد تخطيا المفهوم الشائع  والقائل بأنّ الرواية يجب أن تروي قصة بطريقة ممتعة. وقد أسمن بروستقصة ذات مائة صفحة بألفي صفحة من المقالات والتعليقات، وسمّى النتائج قصةً، رغم أنه لا يحدث فيها إلا أقلّ ما يحدث في قصة أندريه جيد Theseus ذات الصفحات الخمسين. وربما أمكننا القول إنّ جيد  يقول في هذه الصفحات الخمسين أكثر مما يقوله بروست في الألفي صفحة.. ومهما تكن المكافآت التي حصلا عليها فإنّ (أوليسيس)  لجويس، و (البحث عن الزمن الضائع) لبروست قابلان للقراءة تماماً كما أنّ دليل الهواتف قابل للقراءة أيضاً“

ولذلك فإن الرواية تحتاج إلى ابتكار جاذبات أخرى للاهتمام. ومع ذلك فقد تغيب ظاهرة الضجر ولا تظهر، فلا نشعر بها في بعض الأعمال الروائية المفرطة الطول، مثل: (البؤساء) لهوغو وتقع في خمس مجلدات، متى كان الروائي يشدّ بقوةٍ ومهارة على لجام الرواية التي تبدو أشبه بالجواد الجموح. والروائي أيمن العتوم تمتاز أغلب رواياته بشيء من الطول باستثناء هذه الرواية صوت الحمير، ولكنه طولٌ لا يبعث في النفس الضجر ولا الملال.لأنه فارس مجرّب يرخى لأفراسه العنان، تميل به حيث يميل، ويقبِلُ بها ويُدبر، ويُحسن اختيار الجياد العِتاق منها.

وللتغلّب على الضجر يوظف أيمن العتوم ثقافته الأدبية داخل نصوصه الروائية، فتنكسر حدة الرتابة فيدفع بمخزونه المعرفي لتخصيب نصه الروائي، ونظير ذلك هذا المقطع:

”وأخذ الشيّخ على عادته بعض الكتب من مسجد الشّيشان، وهو يردّد عبارته الأثيرة: "لا شراكة إلاّ في أربعة: الماء والكلأ والنّار والكتاب" . ثُمّ وهو يمطّ شفتَيه: "مَنْ كتم علمًا ألجمه الله بلجامٍ من نار". وأوّل كَتْم العِلم الّتباهي به خلف زجاج المكتبات حتّى تأكله الغبرة دون أنْ تمسّه يدٌ، أنا بأخذي الكتب من هنا أُخرجها من قُبورها وأعيد لها الحياة مع حِماري العزيز". وكنتُ أهزّ رأسي موافِقاً إيّاه، وأُردف: "فلنرفعْ شِعار: المعرفة للجميع". والشّيخ يبتسم. ومضينا إلى بيادر وادي السّير، وكان الجوّ لطيفاً، والسّماء صافيةً، والنّاس رائقة، وكلّ يغدو إلى رزقه، وفي الطّريق قبل أنْ نصل البيادر قال لي الشّيخ: "هل لك بأبيات عِرار في هذه النّواحي!". فقلتُ: "قد سمعتُها". فقال: "مِنّي؟". فقلتُ: "نعم". فقال: "فأنشِدْنا نشيدَه رحم الله والدَيك". فقلتُ: "حتّى نبلغ النّشَز". فقال: "ولِمَ؟". فقلت: "لأنّ عِرار لمّا رأى الجميلات هناك قال أبياته المشهورة تلك". فقال: "وَجَب". فلمّا بلغنا النّشر، والهواء يلهو، والهوى يسهو، وقفتُ، فمددْتُ عنقي، وفتحتُ فمي، وتهيّأتُ للنّشيد، وشَدَوت: 

(ليتَ الوقوفَ بوادي السّيرِ إجْباري

وليتَ جاركَ يا وادي الشِّتا جاري)

فتنهّد الشّيخ، حتّى علا صدرُه فبان كأنّه قُبّة، وشعرتُ أنّ له في هذا المكان منازلَ هوًى فأردفتُ:

(لعلّني مِنْ رُؤى وَجْدِي القَديمِ بِه

أرتادُ مَسًا لِجِنّيّاتِ أَشْعارِي)

فزفر الشّيخ حتّى شعرتُ أنّ حَرَّ جهنّم في زفيره، فلمّا وصلتُ في إنشادي إلى قوله:

(فألمسُ الشّوقَ في أطلالِ ذاكِرَتِي

وألمحُ الحُبّ في أنقاضِ أَوْطارِي)

هاجَ الشّيخ، فرقص على رِجْلٍ واحدة، وخلع عِمامته وراحَ يُلوّح بها، وهو يصيح: "هِيه... هِيه...". ثُمّ إنّه رماها، وحجل كما تحجل الطّير، وتمايل كما تتمايل جذوع أشجار الحُور العالية الرّفيعة عند هبوب الرّيح، ثُمّ صفّق، وأخذ يخلع قُفطانه، ورماه في الهواء، ثُمّ هَمّ بخلع سراويله، فناشدْتُه الله ألاّ يفعل، فإنّ التّصابي وإنْ كان محموداً عند الطّرب إلاّ أنّه يُغري بنا السُّفهاء، ثُمّ علا صوتُه بالنّشيد، وناح كأنّه قيثارةٌ في فم عاشقٍ مَفؤود، وأكمل بنفسه:

(ولا أرى الخَفِراتِ البِيْضَ مُعْرِضَةً

عَنّي تَأَفَّفُ مِنْ خُبْرِي وَأَخْباري)

فرقصتُ معه، وحانتْ منّي التِفاتةٌ إلى الوراء فإذا خلفَنا عددٌ من الحُوريّات يردّدنَ النّشيدَ معنا، وإذا رُمّانهنّ يترجرج فوقَ صدورهنّ، وإذا هُنّ كأجمل ما خلقَ الله، وشعرتُ أنّني في الجنّة أطوفُ بين الأتُنُ العذراوات الّتي لم يمسسهُنّ قبلي إنسٌ ولا جانّ، وشَعَر الشّيخ مِثلي أنّه في الجنّة معي يطوف بين الحُوريّات، وأخذَنا النّشيد حتّى سَكِرْنا وذُهِلْنا عن أنفسنا، ولم نزل نرقصُ حتّى لسعتْنا الشّمسُ، وقهقه الشّيخ، وهو يرمي في شِباك الحسناوات آخر بيتٍ:

(ولا أُبالِي إِذا لاحَتْ مَضارِبُهُمْ

مَقالةَ السُّوْءِ في تَأْويلِ مِشْوارِي)

 وضحكتْ معه الحسناوات، ولملم الشّيخ ثيابه، فلمّا التفَتْنا خلفَنا لم نجد حسناء واحدة، وإذا هو صدًى لا ندري من أين جاء، وإذا الهواء يرقص عابِثاً بنا وحدنا، ويخفّف عنّا وجد القلب، وحَرّ الشّمس، ونظر الشّيخ إلى ظلّه، وقال: "لقد تأخّرْنا على الشّيشانيّ، وإنْ لم نحرثْ حقله اليوم هلكْنا من الجوع، والطّريق أمامنا طويلة". وهُرِعنا إلى الحقل!“.

وظلّ الحمار (أبو صابر) يتنقل بشيخه من قرية إلى قرية ومن وادٍ إلى وادٍ، وتلك مسرح أحداث الرواية في قرى الأردن: (سوف)، (دمنة)، (أدر)، (صويلح)، (جرش)، (الكرك)، (بير أبو العلق). وطفق الشيخُ علي بن الحسين يذرع تلك القرى باحثاً عن ابنته (مريم) التي افتقدها منذ زمن بعيد، وأخته (أمينة) التي انقطعت أخبارها أيضاً عنه، ولكنه يموت ولم يُكتب له الإجتماع بهما. 

ويرسم لنا الروائي أيمن العتوم أروع صورة للحزن الذي يكتنف الحمار أبو صابر لموت صاحبه الشيخ علي، وهي صورة ترسم لنا أعلى مراتب الأنسنة التي يمكن أن يبلغها الحيوان، حتى إنّ الحمار (ابو صابر) وقف يتقبل التعازي في صاحبه، وها هي ذي تلك الصورة:

”ولُفّ في الكفن الأبيض، الكفن الّذي اشتراه من راتبه قبل عشرين عامًا، وكان يقول لي: "إنْ مِتّ ففي هذا الكفن، فقد قرأتُ عليه القرآن كامِلاً". وطُيّب الكفن، ووُضِع الغار والحَنوط في عينَيه، وحُمِلَ إلى المقبرة، ووُضِعَتْ عِمامته فوقَ صدره كما أوصى، وكان التّابوت يهتزّ على أكتاف المُشيّعين فتهتزّ العِمامة معه، وهم يصعدون الطّريق إلى المقبرة الفوقا، ولم أتمالك نفسي حُزناً على صاحبي، فارتختْ مفاصلي، وانهمرتْ دموعي على خَدَّيَّ سَحّاحةً، وأخذتُ جانباً من الطّريق، وبركتُ أرتاح قليلاً، فلمّا رأيتُ الجنازة تبتعد عنّي، حدّثتُ نفسي: "أفي هذا الموقف تضعُف وصاحِبُك يُساق إلى مثواه الأخير؟!". فقمتُ وتبعتُ الجنازة. فلمّا صرنا أمام الحفرة الّتي هي مُستقرّ كلّ حيّ، دعوتُ للشّيخ بقلبٍ مكلوم، وسألتُ الله له المغفرة عمّا سلف، والفردوس الأعلى من الجنّة. وأُهيل التّراب على الشّيخ، فكأنّه ما كان يوماً، ولا كان الّذي كان مِنّا، ولا أنّ روحاً دبّتْ على هذه الأرض.

رحلَ الشّيخ ورحلتْ معه كلّ أسراره ! عاش غريبًا ومات غريبًا؛ فَقَدَ أهلَه ومُحبّيه، وانعزل عن النّاس، ورأى في الكون والتّأمّل فيه والسّياحة في ربوعه عزاءً، واتّخذ من الكتب وسيلةً للهروب من ماضيه المُؤلم، مات ولم يرَ ابنته، ولم يَدْرِ ما حلّ بمن كانتْ تربطه بهم رَحِم؛ مات مقطوعاً من كل شيء لا من شجرةٍ فحسب، ولم يجد في النهاية إلا حمارًا يتخذ منه صديقًا له. وأنا؟ مقطوعٌ مثله من شجرة، تخلّى عنّي أبي، وماتتْ أمّي وهي تحلم بأنْ تراني مختلِفاً. وأصبحت بعد الشيخ مثل الأرملة، فؤادٌ فارغ، وروحٌ ثكلى، وجسدٌ مذبوح، ولم يُبقِ لي من الشّيخ إلاّ الذّكرى، وكانت الذّكرى زادي فيما سيأتي من أيّام، ولولا ما تعلّمْتُه من الشّيخ لوقعتُ أنا في جُبّ الكآبة أيضاً، ولربّما حدّثتْني نفسي بالانتِحار، ولكنّ العِلم يَحمي، والتأمّل يحمي، والتفكّر في خلق الله يحمي، والسّياحة في الأرض تحمي، وتعاهُد الأشعار والأخبار يحمي. وبهذا وحده عشت، وليسَ بالخُبز وحده يحيا الخلق، ولكنْ بكلّ كلمةٍ من الرّوح القُدُس! 

واصطفّ الناس على المقبرة يعزّونني. وقال أحدهم: "البقيّة في حياتك". فقلتُ: "لم تعدْ بقيّة في الحياةِ فأصلحْ عزاءَك". وقال ثانٍ: "سَلِمَ رأسُك". فقلتُ: "لم يسلم رأسُ سيّدي، ولا رأسي ولا رأسُك؛ فأصلِحْ عزاءَك". وقال ثالث: "تَجَلّدْ". فقلتُ: "ذهب الحُزنُ بالتّجلُّد". وقال رابع: "إنّ لله ما أعطى وله ما أخذ". فقلتُ: "أحسنَ الله عزاءك". وذهبَ النّاس، وخَلَت المقبرة من كلّ ديّار، وبقيتُ وحدي، فدنوتُ من قبر الشّيخ، وقرأتُ على روحه الفاتحة، ثُمّ إنّني مكثتُ مِقدار ما يُنحَر الجَزور أؤنِسُه في وحشَته، وفي ليلته الأولى بين التّراب والدّود، وقلت: "أما والله قد كُنتَ بَرّاً بي، فأسأل الله أنْ يكونَ بَرًّا بك، وقد فقّهْتَني في الدّين والحياة والنّاس فأسأل الله أنْ يُثيبَك، وكنتَ صديقاً صَدوقاً فأسأل الله أنْ يكتبك في الصِّدّيقين، ولقد تجاوزتَ عنّي في مواطن كثيرة فأسأل الله أنْ يتجاوز عنك". ثُمّ لم أتمالك نفسي فانهمرتْ دموعي. فلمّا استعدتُ رباطةَ جأشي، أنشدتُ أبياتًا في رثائه، فقلت:

ذهبَ الكِرامُ وأوْدَتِ الأبرارُ

(فالصُّبحُ ليلٌ، والدّروبُ قِفارُ

ولقدْ وقفتُ على تُرابِكَ خاشِعًا

والرّوح ثَكلى، والجوانحُ نارُ

ورأيتُ كيفَ الحِلمُ غُيّب كُلّهُ

لمّا أُهِيلتْ فوقكَ الأحجارُ

والله يا شَيْخِي، وأُقسِمُ صادِقًا

قَدْ أَظْلَمَتْ لَمَّا رَحَلْتَ الدّارُ

فَلَسَوْفَ أحفظُ طِيْبَ عَهْدِكَ ما مَشَى

فوقَ الدّروبِ الدّارِساتِ حِمارُ

وتلك الأبيات الشعرية في رثاء الشيخ علي هي من نظم المؤلف أيمن العتوم، وهو شاعرٌ مجيدٌ فضلاً عن كونه كاتباً روائياً. ومن لطائف هذا المؤلف البارع أنّه يوظّف في أحايين كثيرة ثقافته الأدبية ومحفوظه من الشعر العربي في الاستشهاد على مسألة  تعرض، أو لتصوير واقعة ما في ثنايا رواياته جميعها….

يتبع….

د. الصديق بشير نصر

- طالع: من حمار الحكيم إلى صوت الحمير (3/1)

(6) ولسون، كولن: المعقول واللامعقول ص 15-16، ترجمة أنيس زكي حسن، منشورات دار الآداب، بيروت، الطبعة الخامسة 1981. وعنوان الكتاب في الأصل The Strength to dream: literature and the imagination    وهو مغاير للعنوان الذي وضعه المترجم.

(7) أصل العبارة حديث أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه، ولفظه: ”الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار“ وليس فيه الكتاب، وإنما تلك إضافة أراد بها المؤلف التفكه.

نوري | 16/08/2022 على الساعة 19:54
شكرا عزيزنا
مبدع أنت دكتور الصديق أستمتع بالقراءة وأنتشي في ومع نصوصك الجميلة، بوركت
سعدون السويح | 14/08/2022 على الساعة 09:08
ابو صابر الحكيم
ما اجمل هذا النص وهذا الابداع النقدي د صديق .نقلتنا الى اجواء الرواية وكاننا نقرأها معك . جعلتنا نحن ايضا نتماهى مع ابو صابر والشيخ واسلوب ايمن العتوم الممتع وقدرته المدهشة على السرد دون ملل وطرافة التناول رواية جديرة بان تقوأ وان تترجم توفر متعة النص في اعلى درجاتها ولكن ماذا سيحل بابو صابر بعد موت الشيخ ؟ شكرا د صديق.. شكرا ايمن العتوم .. وشكرا بطلنا ابو صابر
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع