مقالات

عبد المنصف البوري

الصراع على السلطة ووباء المناصب

أرشيف الكاتب
2022/08/02 على الساعة 23:21

قد يكون للصراع على السلطة دوافع مختلفة، وأشكال متباينة ولكن لاتخلو هذه الدوافع من حب التسلط والسيطرة على الأخرين وعلى الإستفادة من مكتسباتها والاستئثار بها وهذا الصراع قد لن يتوقف -لاسامح الله- لأن الرغبة في التعاون والوئام والتفاهم بين المتصارعين لا تعنيهم بالدرجة الأولى بقدر ما تعنيهم مصالحهم الشخصية كما أنهم جميعاً لم يصلوا إلى درجة النضج والعقلانية التي تضع مصلحة الوطن والشعب فوق كل شئ، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على إسقاط النظام الدكتاتوري الفردي القبلي المتخلف و قيام الثورة الليبية.

هذا الصراع أدى إلى ازدياد حدة التعصب للهويات الإقليمية والقبلية والجهوبة الضيقة وعلى ضرب وحدة البلاد وتفتيت النسيج الاجتماعي من خلال أعمال القتل والتدمير والتشريد وإهدار الحقوق واستمرار الإنتهاكات حتى يومنا هذا كل ذلك عمل على تشويه طبيعة الصراع في البلاد فظهرت أشكال وشخصيات جديدة للأزمات عملت على تعقيدها حتى أصبحت تشكل خطر على أمن واستقرار البلاد وسيادتها لأن هدف الوصول إلى السلطة وكرسي الحكم كان هو القاسم المشترك بين هذه الأطراف  التي تخوض الصراع  في البلاد أما هدف تحقيق الديمقراطية وتداول السلطة وإحداث عملية تنموية وتغييرية فقد تحوّل  إلى مجرد شعارات بدلاً من العمل الجدّي لإخراج البلاد من مرحلة التخلف التي تعيشها كما تراجعت ايضاً كل  القضايا الوطنية الهامة والمشاكل وتم الانشغال عن وضع الحلول للمشاكل  بالاهتمام أكثر بالمسألة الأمنية للقيام بمهمة الدفاع عن الأطراف وإحكام سيطرتها الاحتكارية للسلطة، وهكذا أصاب مرض وداء المناصب العديد من الأشخاص مدنيين وعسكريين، فكل طرف من هؤلاء لن يقبل بكسر إرادته، حيث تغيب في الغالب الثقافة الديمقراطية المؤسساتية راسخة التي تسمح بالتنازل والتخلي من أجل مصلحة الوطن والشعب، هذا الوضع جعل كل المسارات مطروحة بما فيها مسار الدم والمواجهة العسكرية، وبالطبع لن يتعفف أي طرف عن استخدام العنف إذا اضطر إليه، كما أن اي طرف، لن  يُعدم من صناعة المبرر الوطني أو الأخلاقي لموقفه في ذلك الصراع.

إن نظرة بسيطة  فيما كان يحدث في العهد الملكي -هو بالتأكيد لم يكن بالنظام المثالي ولا في قمة الكمال بل كان لديه أخطائه وقصوره ولكنه مقارنة بفترة حكم الدكتاتور القذافي، ثم مواقف الشخصيات التي سيطرت على مقاليد الأمور بعد فبراير 2011  تُعد فترة العهد الملكي الأفضل والاصلح- فقد  كان من  يتولى الوظائف والمناصب العُليا بضمائرهم الحية ورغبتهم في مصلحة ليبيا بحجم تطلعات شعبهم الليبي وطموحاته، لا يتمسكون بالمناصب ولا بالوظائف وكانوا يعزلون أو يستقيلون دون أي ضجيج أو اصرار على التمسك بالمنصب مهما كان شأنه أو الوظيفة مهما كانت قيمتها، وليسوا مثل هؤلاء الذين يديرون شؤون البلاد الآن وكلهم قد اصيبوا بداء ومرض السلطة والمناصب من المدنيين والعسكريين الذين يتخبطون كل يوم من خلال قرارات تأبى الرحيل عن الوطن وتزيد من تعقيد المشهد السياسي ومعاناة الشعب وتلقي بظلالها على الوضع السياسي الأقتصادي والأجتماعي، وقد احالوا البلاد إلى حلبة للصراع على السلطة والمناصب،وفتح كل يوم مستنقع جديد للترهل والتخبط بحيث أصبحت أهم ركائز الدولة تُدار بشكل عشوائي من قِبل هؤلاء المتصارعين الذين صارت المناصب لديهم أهم من الوطن والشعب فلا يستطيع الليبيون أن  يأتمنوهم على إدارة بيت أو حتى مزرعة و ليس وطن بحجم ليبيا وأبنائها.

هل تصنع المناصب والوظائف المجد وأفضل القادة والحكام؟

الذين يتحكمون في الشأن الليبي اليوم من المدنيين والعسكريين قد أصابهم مرض ووباء المناصب فهم يدركون أو يتجاهلون حقيقة أن المناصب لاتصنع الرجال العظماء ولا القادة ولا الزعامات ولا المجد الذي يحلمون به، لأن فالمناصب والوظائف ماهي إلا أداة ووسيلة للمحافظة على البلاد وحماية مصالحها والتفاني في خدمة الشعب  وليست وسيلة لصنع الزعامة أولرفعة القيادة سواء كانت عسكرية أو مدنية، إنما الإنجاز والعمل الملموس على أرض الواقع والمخلص والخالي من الدوافع و الطموحات الشخصية الذي يستجيب لإرادة ومطالب الشعب فى الأمن والأمان وتحقيق الاستقرار والحرية والعدل.

عبد المنصف البوري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع