مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (49).. كاتبة مُحِبّة

أرشيف الكاتب
2022/08/02 على الساعة 21:27

عرفتها منذ ثلاثة عقود أو تزيد، فعرفت معنى العلم في خدمة الإنسان، أيا كان، مهما كان، وحيثما كان. حاولت نعتها أو وصفها أو إسدال رسم عليها يمثلها فعجزت. حسبتها مستشرقة فوجد الاستشراق لديها زيادة معرفة. قلت مستعربة، فإذا بالاستعراب عندها تلقيح الثقافات ببعضها والتبادل بينها. 

قرأت شعرها فقلت شاعرة أديبة، فوجدت شعرها حب الإنسانية جمعاء، وأدبها وسيلة تشابك وتعارف وتعاون بين المخلوقات جميعا، برباط الحب الصافي، والمحبة المجانية، والاحترام لبني الإنسان. عجزت عما أردته، وخشيت الوقوع في مؤثرات عين الرضا، الكليلة عن كل عيب، حسب الإمام الشافعي رضي الله عنه، فلجأت لغيري.

إني أتحدث عن الأستاذة الكاتبة الشاعرة المحاضرة المترجمة الصديقة لييونور مارينو غارثيا، Leonor Merino Garcia التي قالت في أحد الكثير مما كتبت ونشرت وحاضرت: "أنا مريدة متواضعة للقرطبي ميمونيدس (الذي أثر في القديس توماس دي أكينو Tomas de Aquino ومريدة مواطنه ابن رشد، وكذلك ابن عربي، وهم مروّجو إنسانية أساسها العقل والحب. بباطني أيضا ذكرى لا تزال حيّة عن سان أغزوباري Saint Exupéry الذي قال: إن أردنا عالَم سلم وعدالة، وجب علينا وضع الذكاء في خدمة الحب“. 

هذه الإنسانة، بكل ما تحمله هذه التسمية من معان، ومفاهيم، شعورية عقلية أخلاقية علمية ودادية، هي عاملة مكدّة مثابرة، غزيرة الإنتاج، منوّعة مواضيعه. قد يصعب ويطول التعرض لسيرتها الذاتية، لذا وجب اختصارها في أنها أستاذة في جامعات عديدة مثل الكمبلوتانسي بمدريد بإسبانيا، ومحمد الخامس بالرباط، وسيدي محمد بن عبد الله بفاس، والسوربون بباريس، وآكس بإقليم بروفانس بفرنسا. تتعاون مع إذاعات وطنية وعالمية، ومع المرئيات مثل القناة الثانية الإسبانية، قناة بلنسية وقناة قرطبة. هي محاضِرة في عديد المؤتمرات الوطنية والعالمية، حول الآداب المغاربية باللغتين العربية والفرنسية. منتسبة إلى "الجمعية الإسبانية للأدب عامة والأدب المقارن. هي عضوة مؤسِّسة" لشبكة الصداقة التونسية الإسبانية ببيت الحكمة، وعضوة مدى الحياة بالمجلس الاستشاري التابع للنادي الثقافي الإسباني العربي. عضوة باللجنة العلمية التابعة لمجلة علوم اللغات" بالجزائر، عضوة جمعية الكهف العربية صحبة الأستاذ أحمد خياط. منتسبة شرفية للنادي الثقافي الإسباني العربي، تدير سلسلة "ولاّدة" الأدبية بدار النشر "ديوان مجريط". هي عضوة مجالس تحكيم أدبية. وهي مشاركة مثابرة في أمسيات شعرية وطنية وعالمية منها "أصوات حية" و"صيحة امرأة". اهتمت لييونور اهتماما خاصا بالأدب والأدباء المغاربيين، فترجمت ونشرت لمعظمهم حتى أنها أهدت ديوان شعرها "من الحب المشترك رحلات أدبية غربا-شرقا" إلى المرحوم الأديب الجزائري لونيس رمضاني الذي، كما تقول عنه "أستاذ جزائري متوفّ منذ سنوات، قام بكل كرم، خلال مدة طويلة، بفتح صفحة "واب" مخصصة لأعمالي". كرم وجود من الأستاذ الجزائري، واعتراف وشكر من الكاتبة الإسبانية يبرهنان، إن كانت هناك حاجة لأي برهان أو دليل، على أن التلاقح، كدت أقول المناغاة، بين الثقافات وأصحابها خير وسيلة تضمن التعايش والتبادل والإثراء والسلم بين الشعوب والأمم، مهما كثرت المشاكل والاختلافات، لأنها، أي التلاقح والمناغاة، تأتي بالتعارف الصحيح الواقعي الأصيل. 

دليل ملموس على ما أقول، ما كتبته، وما أكثر وأسمى وأصدق ما كتبت لييونور، وهي تقدم بعضا من إنتاجها فقالت: "حبذا لو كانت هذه الأعمال، في اندفاعات صمتي الرفرافة المتوثبة، جديرة صالحة بأن تكون فاتحة لمجيء الآخر -إنسان مليء بالتفكير والرغبة- فتصلح كمسيرة، كبداية مجهود، بالمعنى الإسلامي للتقدم، تقدم وإشعاع نحو المستقبل، في درب هذا اللقاء، والبحث والتفكير، بين البشر، الذين أحييهم بنشر، هذا العمل وكلي تأثر مكبوت“. أو كما قالت وكتبت: "لا شيء أثمن وأغلى من الألم بفضل الزهد، في نشيد الى الحرية“. 

إن من خصائص الأستاذة الكاتبة الشاعرة الأديبة المحاضرة لييونور مارينو هو اتساع معرفتها الإسلام والعرب والمسلمين، معرفة عميقة صحيحة خالصة من أي دنس أو تعصب، مرفقة بصداقات كثيرة، وروابط ودية وفكرية وعلمية، مع العديد من المسلمين والعرب، أغلبهم بارزون في مجالات الفكر والعلم والثقافة. 

كما ترجمت أعمالا لا تعد من إنتاج أولئك، وبخاصة منهم المغاربة. فمما قالته مكتوبا بهذا الشأن، ذكرها: “عندما أقرأ بداية أعمالي، هناك على حدود التسعينات من القرن الماضي، ألاحظ أن شعلة وظيفتي لا تزال حية، متسمرة منقوشة في روحي، تجاه هذه الآداب العربية المغاربية. لو تحتم عليّ أن أعيد تلك الخطوات الصعبة الوحيدة، لكن بما حوته من أمل، لوضعت نفس الاندفاع، نفس التصوف، نفس البحث الذي لا يتعب. إن غرامي لهذه الكتابات، بهذه اللغة الشعرية، ولهذه الدراسات المقارِنة، لم يتغيّر قيد أنملة. بل بالعكس. لماذا؟ لأن التعلّم، مرفقا بالدافع، يوجهني. ومع هذا فإن المشاعر تنشطني“. 

إن كل ما كتبت هذه الإنسانة عن العرب والإسلام، وهو غزير، نفيس بليغ صادق أمين، برهان واضح على عميق معرفتها، وشديد إخلاصها للعلم والمعرفة وحدهما، وأمانة النقل والترجمة والشرح. سأحاول هنا، وإن قصرت فمعذرة، ترجمة بعض ما جاء في أحد كتبها الثرية الثمينة، يدل عنوانه وحده على المعرفة الواسعة وشمولها، وعلى الغايات والأهداف التي قد يهملها غيرها وهي بها ولها أمينة. لكن قبل الشروع في محاولتي، كدت أقول مغامرتي، أنقل إلى القراء والقارئات الكرام، بعض ما قالته عنها الأستاذة María Jesús Viguera Molins ماريا خيزوس فيغيرا مولينس: ”إنها كاتبة تجمع كونها مؤرخة وناقدة أدبية، علاوة على أنها مُنتخِبة وشاعرة. تجب معرفتها من خلال أعمالها، وبالطبع الاعتراف لها. فمن الواضح أنه أبعد ما قد يعكسه المداد والورق، هناك شخصية رائعة لتخصصاتها التي ثابرت عليها طوال سنوات للمعرفة، ولاستسلامها الصادق المخلص، لفتح مجالات معرفة، والشراكة فيها، تجعلنا جميعا أفضل وأحسن، نحن جميع قرائها، لأن ما نطالعه يتعمق في فوائد التفاهمات الثقافية. جدير هو السلم، وجديرة هي الإنسانية المنادى بها، في مجموع إنتاج على درجة من الصدق كما هو إنتاج لييونور مارينو“.

بعد هذه الشهادة التي لجأت إليها، كما قلت في البداية، وهي من أستاذة ناقدة محلّلة، أعود الى الكتاب وعنوانه ”عبور أدبيٌّ وحياتيٌّ عربيٌّ إسلاميٌّ“ نشرته دار ديوان مجريط التي يديرها بكل جدارة وحنكة ومعرفة، صديقنا السيد نورالدين بطيوي، ابن المملكة المغربية التي ما فتئت تنجب النجوم الساطعة. 

كتبت ليونور كثيرا عن الإسلام والمسلمين والعرب، بمعرفة واطلاع متينين، دون تحريف أو تزوير، بل كما يكتب أو أحسن مما يكتبه أي مسلم صادق أمين، لأنها درست الإسلام ومبادئه وفرائضه دراسة متينة واسعة، وتنطلق في كل ما تقوله وتكتبه عنه وعن المسلمين والعرب، من منطلق الحب الإنساني الشامل المبني على معرفة الأسس والحقائق، فهو حب معرفيّ سليم. من ذلك قولها مثلا: "الإسلام، مشتق من أسلم، ويعني الاستسلام الذاتي إلى الله، بخضوع وطاعة إلى الخالق، فهو إذن دين الاعتدال: (أي) حال الإنسان المتوازنة بالنسبة للمطلق، داخل النفس كما في المجتمع. هكذا، بُرفض أي إجبار، فيجري تحليل، مرغوب ودائم، بين الطبيعة وبين ذلك الاحتياج للمطلق، الذي يمتلك الإنسان البشري“. 

لا مناص، قبل الختام من نقل ما كتبت للدلالة على ما نقول. فها هي ترفع راية أخذتها من يد أحد كبار المفكرين العرب وما هو إلا محمد أركون، الذي تستوحي من أفكاره فتكتب. أما أنا فكم كان بودّي إعطاء أكثر أمثلة عما كتبت حتى يحصل، من لم يعرف الكاتبة المُحبّة، لييونور مارينو، على صورة صادقة من هذه الإنسانة، التي وسع قلبها حبّا شاملا جامعا لبني الإنسان، به تنظر، وتفهم، وتستنتج، فتقول وتكتب، فإذا هو المعين السلسبيل. 

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 7-7-2922

سعدون السويح | 03/08/2022 على الساعة 21:16
سليلة ابن رشد
شكرا استاذ محمد على تعريفنا بهذه المبدعة الفاضلة ليبينور غارسيا التي تحمل عبق الاندلس ونبض اسبانيا والرؤية الانسانية العميقة والاهتمام بالتراث والحاضر في اعمالها ممتنون لك ولها كل المحبة والتقدير وريثة لابن رشد وبانية لجسور التواصل والانفتاح على الاخر .. فالاخرون ليسوا الجحيم بل هم نحن جميعا وكاني بها تدين بدين الكل انى توجهت ركائبه.. دمت مبدعا
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع