مقالات

السنوسي وهلي

سياسات الترهيب والتطهير الثقافي...

أرشيف الكاتب
2022/08/02 على الساعة 20:18

سياسات الترهيب والتطهير الثقافي...

(محاربة اللغة والاسماء والثقافة..الخ)

تعتبر الثقافة من أهم محددات الهوية، فهي القاعدة الأكثر توسعاً وتعمقاً وذلك لتشعبها، فاللغة والعادات والتقاليد والزي والاسماء، كلها عوامل ثقافية، وعلى أساسها تصنف الجماعات الإثنية، وتقوم كل مجموعة إثنية بالمحافظة على ثقافتها، من خلال ممارسة شعائرها واستخدام لغاتها، حتى تضمن استمرارية هويتها.

ولكن هذه الاستمرارية الهوياتية قد لا تروق مجموعات ثقافية أخرى أكبر مهيمنة على الدولة، حيث ستستخدم جهاز الدولة كأداة للمحو والاستيعاب والإدماج للثقافات الأخرى في ثقافتها الرئيسية بطرق مختلفة كلها تصب في سياسة الترهيب والتطهير الثقافي.

فمثلاً يقول الروائي الأمريكي مارك توين (1867) "وقفتُ بجانب وزير الحرب وقلت له إن عليه أن يجمع كل الهنود في مكان مناسب ويذبحهم مرة وإلى الأبد؛ وقلت له: إذا لم توافق على هذه الخطة فإن البديل الناجع هو التعليم والصابون، فهما أنجع من المذبحة المباشرة، وأدوم وأعظم فتكا، إن إن الهنود قد يتعافون بعد مجزرة أو شبه مجزرة، ولكن حين تُعلم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه حتماً عاجلاً أم آجلا، التعليم والصابون سينفيان كيانه ويدمران قواعد وجوده، وقلت له: سيدي، اقصف كل هندي في السهول بالصابون والتعليم، ودعه يموت".

ذكر توين هذه القصة مختصرةً واقع الهنود السكان الأصليين في أمريكا، البريطانيون عندما وصلوا لأمريكا حاملين معهم ثقافتهم ودينهم، قرروا أمركة الجميع، حتى ثقافة الهنود السكان الأصليين، فاستخدموا الإبادة طريقة للقضاء عليها للأبد، فزرعوا فيهم مرض الجذري القاتل، الذي قتل العديد منهم، ولكن نجوا رغم هذا التطهير؛ فاستخدم البيض طريقة أخرى للتطهير باستبدال ثقافة بثقافة، بتطهيرهم من أسمائهم وأخلاقهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، ويمثلوا دور الموتى وهم أحياء.

وفي قصة أخرى يشير كاتب إلى مدى تأثير محاربة ثقافة بثقافة أخرى، حيث قال: "لم يكن لفرحي حدود وأنا أرى بين الطلاب فتاة هندية من السكان الأصليين، لا تخطيء العين ملامحها الهندية برغم شعرها القصير ومظهرها الأبيض المبالغ فيه، كانت في السادسة عشر، وكان اسمها الأول "سنغ سك"، ولدهشتي حين ناديتها باسمها لم تجبني، ولم ينفع النداء، بل زاد وجهها شحوباً واضطراباً وزادني حرجا، ومع انتهاء المحاضرة دنت مني وقالت وشفتاها ومنخراها يرتجفان: أرجو أن تناديني "جينيفر"، لا أريد أحداً أن يناديني "سنغ سك".

هذا هو الترهيب الثقافي، الذي يشعرك بكراهية الذات حتى الاسم النابع من جذورك وثقافتك تكرهه، هذا هو الإرهاب الثقافي والنفسي للثقافة المسيطرة الذي يجعل المنتمي للأقلية الثقافية يعتبر هويته كابوسا وعارا ووقحا بسبب نظرة الآخر المهيمن كشعب ثقافي على الدولة التي تحتقر وتستهزئ بالاسماء والازياء والعادات والتقاليد والفنون واللغات للشعوب الاخرى المختلفة ثقافيا الموجودة في نفس الدولة، ومع استمرارية هذه النظرة العنصرية تترسخ في عقول بعض الضحايا ان ثقافتهم اقل مستوى من ثقافة هذا المهيمن ثقافيا على الدولة ويرى ان اسماءه قبيحة وقديمة وان لغته عوجاء وان لباسه تقليدي ويحاول ان يستبدل هذه العناصر الثقافية بعناصر تلك الثقافة الغالبة فيحدث محو للاسماء واللغة ..الخ تدريجيا استسلاما وخضوعا للعنصرية وهروبا من جلده وكيانه، ويجاهر بعض الضحايا بالقول: أتمنى لو أنني لم أخلق بهذه الهوية.

هذه السياسة "التطهيرية" التي تُحقن في عقول الكثيرين، وتنقل إلى الأطفال، حتى يشمئز الطفل من انتمائه القومي، ويُشحن بالخوف من هويته، والنظر إلى نفسه بهوية جلاديه ويحاول جاهدا ان يتشبه بهم ويثبت لهم انه مثلهم في مشيته وشكله ولغته واسمه ..الخ.

فمثلا حاليا يسمي البعض من الشعوب غير العربية بدولة ليبيا أطفاله بأسماء عربية ويخاف من تسميتهم بأسماء ثقافته بسبب قرارات ومضايقات الدولة؛ والأخطر بسبب الخضوع للترهيب العنصري اتجاه الاسماء غير العربية التي يمارسها العنصريون في الشارع والجهات الحكومية بهدف التعريب؛ والخضوع لهذا الترهيب سينتج سلوك مثل نموذج تلك الطفلة "سنغ سك"؛ فمثلا تجد غير عربي يقول انه سيظلم طفله اذا سماه باسم ثقافته ويضع تبريرات تدل على مدى تأثره بالترهيب وعدم وعيه الثقافي؛ ولا يدرك انه وقع في ظلم اخر وهو وقوعه في مصيدة فقدان الذات والدونية.

كم من أناس يحاربون ثقافتهم واسماءهم ولغتهم بأنفسهم، يقلدون الآخرون على حساب هويتهم، لأجل الإثبات بأنهم جزء منهم، جزء من الأغلبية الثقافية، هؤلاء يمثلون دور الموتى، خوفاً من انتقادهم أو معايرتهم بثقافتهم، لذلك فإن الترهيب الممارس من الدولة والثقافة المسيطرة هو عمل عنصري تطهيري ثقافي يجب وقفه فلكل الشعوب الحق في المحافظة على وجودها ولغتها وثقافتها واسمائها وكذلك يجب على الشعوب الثقافية في وضع الاقليات الوعي بأهمية المحافظة على ثقافتهم والتصدي لمشاريع الدولة الترهيبية والاستمرار في تسمية الأطفال بأسماء ثقافتهم وحماية لغاتهم وهويتهم وتاريخهم.

إن الوعي بأهمية التمسك بالثقافة، هو الخطوة الأولى للمحافظة عليها، وتقوي الاعتزاز بالذات، وبالتالي تسد الباب أمام الإدماج والاستيعاب القسري أي التطهير الثقافي.

السنوسي وهلي

سالم الوليدي | 04/08/2022 على الساعة 02:54
على ذكر اسطوانة التهميش المشروخة
يعجز المرء عن فهم ماذا يريد المتاجرون بحال الأقليات الصغيرة في ليبيا. هم لا يريدون الاجابة عن سؤال مهم فحواه: من الذي منعهم من أن يتحدثون بلغتهم، ويستمعون إلى موسيقاهم، ويرقصون بالطريقة التي تروق لهم. هل عدم التهميش هو أن نجعل منهم حكاما للشعب الليبي لكي نخلصهم من هذه العقدة، أم نترك اللغة العربية ونتعلم لغتهم ؟ بعض البشر يشعرون بسعادة حقيقية من مجرد العويل والبكاء.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع