مقالات

د. الصديق بشير نصر

من حمار الحكيم إلى صوت الحمير (3/1)

أرشيف الكاتب
2022/07/29 على الساعة 22:43

(1)

للحمار في الأدب العالمي قصصٌ وحكايات، وربما هو أكثر الحيوانات حظاً في التهكم به لأنه ظلّ مجمعاً للصور السلبية، فكان بذلك رمزاً للبلادة والغباء على زَعْم من صوروه هكذا، ورمزاً للجَلَد والصبر والعمل الدؤوب على رأي من انتصف له، ولأنّ الحمار أكثر الحيوانات نفعاً للإنسان بخلاف تلك المحدودة النفع، وتلك التي تتفاوت في ضررها.

وقد جاء ذكر الخيل والبغال والحمير في القرآن في معرض المدح، ولم يرد ذكر الحمار في موضع الذمّ خلافاً لمن رأى ذلك من فهمٍ فاسدٍ لقوله تعالى: {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} لقمان 19. فهذا ليس ذماً ولكنه إقرار لحالٍ أو وصفِ لواقع، وحاشا اللهَ سبحانَه وتعالى أن يعيّر خلقاً خلقه بنفسه لصفة ركّبها فيه. والله نفسه هو الذي يقول في محكم التنزيل في معرض الحديث عن الخيل والبغال والحمير، وجميعها من جنسٍ واحد وإن اختلفت في النوع: {وَٱلۡأَنۡعَـٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِیهَا دِفۡءࣱ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥ وَلَكُمۡ فِیهَا جَمَالٌ حِینَ تُرِیحُونَ وَحِینَ تَسۡرَحُونَ ٦ وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدࣲ لَّمۡ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِیهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ ٧ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨} النحل 5-8، ومثل ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الجمعة 5. فليس هذا أيضاً بذمّ للحمار لأنه ليس من شأن الحمار ولا غيره من الدواب  القراءة أو الكتابة، ولكنه تشبيه بمن يحمل شيئاً على كاهله ويجهل ما فيه كمن حُمّلوا التوراة في الظاهر ولم يحملها. 

منذ أن كتب أبوليوس Apuleius الروماني كتابه (الجحش الذهبي)، أو ربما قبل ذلك، شرع الأدباء في الحديث عن الحمار، وأتخذوه مادة للفكر والفلسفة تتفاوت قيمتها من كاتبٍ إلى آخر. وربما اتكأوا عليه للترويج إلى آرائهم ومذاهبهم فأجروها على لسانه خوفاً مما يترتب عليها من  تبعات، فظهرت آثار خلّدها الأدب الإنساني مثل: خرافات إيسوب، وبيدبا الهندي، وترجمتها إلى العربية على يد ابن المقفع تحت عنوان  (كليلة ودمنة)، وخرافات لافونتين الشاعر الفرنسي الكبير، وجميعها يجري مجرى الحكمة، حتى إنّ الحمار نال حظاً في المفاهيم الفلسفية فظهرت مفارقة بوريدان Buridan’s paradox أو حمار بوريدان، وهي تعود إلى الفيلسوف الفرنسي بوريدان  من فلاسفة القرن الرابع عشر، وهي مفارقة فلسفية تعود جذورها إلى أرسطو  ومن بعده عند الغزالي، وهي تتعلّق بمفهوم الإرادة الحرة، حيث يشير إلى حالة افتراضية يكون فيها الحمار بين خيارين (إمّا.. أو) وقبول أحدها دون الآخر يعني الموت، وقبولهما معاً مستحيل. لقد وُضِعَ الحمار الذي يشعر بالجوع والعطش بشكل متساوٍ بالضبط في منتصف الطريق بين كومة من القش وسطل من الماء. وبما أن المفارقة تفترض أن الحمار سيذهب دائماً إلى أيهما أقرب، فإنه يموت من الجوع والعطش لأنه لا يمكنه اتخاذ أيّ قرار عقلاني بين التبن والماء. وبصرف النظر عن صحة هذه المفارقة من فسادها فإن جعل الحمار بطلاً لها دون الحيوانات الأخرى ربما يُعدّ نفسه مفارقة لأن الحمار لا يختص بهذه الحالة أو الموقف دون غيره من الحيوانات. 

وفي القرن التاسع عشر كتبت الروائية صوفي روستوبشين Sophie Rostopchine الروسية المولد الفرنسية الإقامة واللسان، روايتها الشهيرة Mémoires d’un âne (مذكرات حمار)، وهي قصة في غاية الطرافة والبيان، وتُعلّم للأطفال في المدارس الفرنسية.

وبعدها كتب إدمون روستان مسرحيته الذائعة الصيت Chantecler، وهي مسرحية تقع في أربعة فصول، وجميع شخصياتها حيوانات في مزرعة، وبطلها الرئيس هو الديك المنشد شانتكلير، ومحور المسرحية موضوع المثالية والإخلاص الروحي، مقارنة بالسخرية والتهكم المصطنع. وجزء كبير من المسرحية يسخر من المذاهب الفنية الحداثية  من وجهة نظر إدمون روستان الرومانسية. والمسرحية مثيرةٌ في مادتها الفنية وفي لغتها الشاعرية، وليس ذلك غريباً فمؤلفها روستان هو صاحب رائعة سيرانو دي برجراك Cyrano de Bergerac التي ترجمت إلى العربية بعنوان (الشاعر) بعناية الأستاذ المنفلوطي الذي ترجمت له إلى العربية ثم أعاد صياغة الترجمة بأسلوبه الفتّان حتى لكأنها كُتِبت ابتداء بالعربية. وقد ترجمت (شانتكلير) إلى الإنجليزية وحدها أربع مرات، أولها على يد غيرترود هل Gertrude Hall في عام 1910.

وفي العصر الحديث، وفي أربعينيات القرن الماضي،  تقابلنا روايتان صدرتا  في وقت متقارب تقريباً، (مزرعة الحيوانات)  للكاتب البريطاني جورج أورويل George Orwell، و(حمار الحكيم) لتوفيق الحكيم.

 في (مزرعة الحيوان) لأورويل، وهي رواية رمزية،  يظهر الحمار (بنيامين) أكثر حكمة وأطول عمراً من بين الحيوانات الأخرى التي تموت من أجل مبادئ وهمية زرعتها في عقولهم شرذمة الخنازير التي استفردت بحكم المزرعة بعد أن هيجت الحيوانات على صاحبها، لتباع في النهاية إلى الجزار بعد أن تكون قد استنفذت مهمتها.  

وفي العام الماضي 2021 صدرت عن دار ديوان رواية (صوت الحمير) للكاتب الأردني أيمن العتوم، وقد أهدانيها مؤلفها بُعيد صدورها  كعادته في إهدائي كلّ ما يصدر له من روايات. وقد صدر من الرواية إحدى عشرة طبعة.

وقبل أن  أشرع في قراءة رواية أيمن العتوم (صوت الحمير) عادت بي الذكرى إلى رواية توفيق الحكيم (حمار الحكيم) وكنت قرأتها منذ أمدٍ بعيد لا يقل عن الأربعين سنة، ولكنني نسيت ما قرأته حتى إنه اختلطت عليّ هذه الرواية برواية أخرى صدرت بعدها  لتوفيق الحكيم بعنوان (قال حماري لي). 

اهتبلتُ هذه المناسبة سانحة لإعادة قراءة (حمار الحكيم) لمظنة أنني قد أعثر على وشائج تجمعها برواية (صوت الحمير) أو بمزرعة الحيوانات لأورويل. ولم أكد أفرغ من قراءة (حمار الحكيم) حتى استرجعت حكماً فنياً استقرّ في ذهني من أمدٍ بعيد وهو أن توفيق الحكيم كاتبٌ مسرحيٌّ أكثر منه روائياً. فقراءتي الأخيرة لــ (حمار الحكيم) أكدت لي ذلك الحكمَ القديمَ الذي كنتُ أحسبه حكماً متعجلاً فجّاً يصدر عن شابٍ غِر، عجولٍ غير متأنٍ، واكتشفتُ أن بعضَ روايات الحكيم ينسحبُ عليها الحكم نفسه. فرواية (عصفور من الشرق)، وإن لم تخل من تصوير لحياة توفيق الحكيم في باريس إلا أنها تخلو من الإطار الروائي، ومثلها (الرباط المقدس)، و(زهرة العمر) الأشبه بالسيرة الذاتية لا الرواية، و كذا (يوميات نائب في الأرياف) التي تعوزها الهندسة الروائية، وتفتقد الأسلوب الأدبي، فضلاً عن أنّ  لغتها لغةٌ عاديةٌ أشبه ما تكون بمحاضر التحقيق يجريها وكلاءُ النيابة، ولا عجب في ذلك فالمؤلف، أصلاً، وكيل نيابة والقصة تتعلق بتحقيق في جريمة قتل. ولذلك فإن تطبيق المعايير الفنية على هذا العمل الروائي يفقدها قيمتها، لأنّ درجة الانشداد إليها كما يراها الناقد ضعيفة، ولذا فإنها لا تلفت النظر ولا السمع. وقد يرجع ذلك إلى أن الحكيم اعتاد كتابة الأعمال الدرامية التي تقوم على الحوار، ولا تستدعي بلاغةً ولا بياناً. مع الاعتراف بأنّ أعمال الحكيم تلك أثارت انتباه الغربيين فعَمَدوا إلى ترجمتها إلى لغاتهم لأنهم وجدوا فيها صوراً للشرق المبهر لا يعرفونها، كما هو الحال مع الفن الاستشراقي الذي صنعته ظاهرة  الدهشة من الغريب وغير المألوف في حياتهم. إنه الشرقُ كما أحبوا أن يتمثلوه أدباً وتصويراً. 

والحمار في رواية (حمار الحكيم) يُطلقُ عليه المؤلفُ وصفَ الفيلسوف لمجرد أنه وقف في الفندق أمام مرآة المادموزيل وكأنه يتأمل في محاسن وجهه أو يمعن التفكير في شيء ما. والحمار أو الجحش لا ظهور له إلا في عنوان الرواية، وليس ثمة من دورٍ له، إلا أنه يظهر في أولّ الرواية عند بيعه وعند وقوفه أمام المرآة، وفي آخرها عندما يُخبَر المؤلفُ بأنّ حماره مات وهو بعيد عنه. يقول الحكيم إن حمارة يُشبهه في مِشيته أحياناً، ونظراته كنظراته الجامدة المشرفة على عالم ساكن صافٍ مجهول، قد أُغْلقت دون الآدميين أبوابُه السبعة المختومة بسبعة أختام. والحكاية كلها تدور حول كتابة حوار لقصة مكتوبة بالفرنسية والإنجليزية عن قرية في الريف المصري  يُراد إخراجها في شريط سينمائي، ويقوم بالأدوار فيه الفلاحون أنفسهم، وهذا يستلزم تغيير الحوار الموجود في السيناريو إلى لغة الفلاحين. وهذا لبّ قصة (حمار الحكيم) من ألفها إلى يائها. ويتخلل ذلك نظرات المؤلف في موضوعات الفن والحب ومكانة المرأة المصرية في المجتمع، تلك المكانة التي خصص لها توفيق الحكيم قدراً من قصته مصوراً إياها بأبشع الصور في لغة ساخرة رديئة حتى وصل به الأمر إلى أن علّق عليها كلّ أسباب التخلّف الاجتماعي والاقتصادي في مصر. ويذهب بطل (حمار الحكيم) وهو توفيق الحكيم نفسه إلى المقارنة بين المرأة الفرنسية التي يطلق عليها اسم السيدة، والمرأة المصرية القذرة التي تنبعث من جنباتها روائح الدّواب، فيظهر إعجابه بالسيدة الفرنسية المرافقة لزوحها المصور في الرحلة إلى القرية المصرية الريفية، لأنها بعثت الحياة في أحد القصور المهجورة القديمة الذي اختير لإقامة فريق التصوير بأن نظفته ورشت في جوانبه المبيدات للتخلص من البراغيت والبعوض والفيران والقوارض، وربما علّمت القرويات كيف يعتنين بأنفسهن ونظافتهن. وفي معرض الحديث عن علة التخلّف في المجتمع المصري يمعن توفيق الحكيم في تعليل سرّ النهوض في المجتمع الفرنسي تعليلاً لا يصدر عن ناقد اجتماعي حصيف، ثم إنه ليس مطلوباً من الأديب تعليل الأحداث أو الوقائع التي يصورها في روايته أو قصته، لأن ذلك شأن النقّاد والباحثين، ولذا قلّما  تخلو تعليلات الكاتب الروائي للصور التي يسوقها في روايته من إجحاف ومجانبة للحقيقة، فلا تنهض دليلاً ولا شبه دليل. يقول صاحب حمار الحكيم:

”العلة هي أنه لا توجد في مصر  بعدُ امرأةٌ مثل زوجة المصوِّر.. العلّة نستطيع أن نتبينها على نحو بارز، لو رجعنا إلى تاريخ الريف الأوروبي.. فلنأخذ ريفكم الفرنسي مثلاً، ما الذي حدث فيه؟ لقد كان في عهد النظام الإقطاعي بيد الأشراف.. أولئك الأشراف هم الذين جمّلوا الريف.. بدأ سيدُ المقاطعة بتشييد قصره الجميل النيف، وقطنه مع زوجته وأولاده، واعتبر أهاليَ المقاطعة رجالَه الذين يعملون لخيره وعزِّه وسلطانه؛ ويعمل هو لحمايتهم.. على أنّ المهمة العظمى في رفع مستوى أولئك القرويين كان قوامها زوجة الشريف.. إنها هي باستقرارها في الريف واتصالها بزوجات كبار القرويين، عمِلت على إدخال المثل الصالح في النظافة والذوق إلى جميع البيوت !! لقد كانت هي المرجع الأعلى لشؤون الصحة والبيت.. إذا حدث مرضٌ جاءتها النساء يسألنها عن الدواء.. وإذا وقع حدثٌ جئنها يسألنها النصحَ.. إنها المديرة لشؤون البيت والصحة والنظافة  والذوق للقرية والمقاطعة.. كما أن زوجها الشريف هو المدير لشؤون الأمن والقضاء.. إنها الحاكمة المطلقة لشؤون الحياة الاجتماعية في دائرتها.. وهكذا إلى أن ذهب  نظام الإقطاع ومضى زمن الأشراف وجاء عهد الديموقراطية، فلم يتغير الوضع.. فقد حلّ في الريف محلّ زوجة الشريف زوجة المالك الكبير أو زوجة القروي الغنيّ.. وقد ورثت كلّ صفات السيدة الشريفة.. التي تقوم فيمن دونها من فلاحات القرية مقام المرشد المعين!!“ . 

ويمعن توفيق الحكيم في التعليل ويجحف فيه عندما يقول إنّ زوجة التاجر الموسر  والصانع والرأسمالي حلّت محلّ السيدة النبيلة في المدن، وورثت واجباتها ومهامها في المجتمع، فأصبحت هي التي تزور الأحياء الفقيرة.. تواسي المرضى وتمدهم بالأدوية والنقود!! وتحمل للأطفال اللعب والحلوى. ويستطرد توفيق الحكيم في خلع الصفات الإيجابية على السيدة الأوروبية، فيقول إنه لم يأتِ عصر في أوروبا تخلّت فيه المرأة عن واجباتها باعتبارها سيدةً، لأنها تعلم أنّ كلمة سيدة لم تُطلق  جزافاً، وأنّ الطبقات العليا المتقدمة في الثراء والمعرفة تمدّ يدها إلى الطبقات الدنيا !!. ويمضي المؤلف توفيق الحكيم مجيباً سائله:

”سألتني عن العلة في قذارة هذا الفلاح.. فقلتُ لك، وأقول، وسأقول دائماً: العلة هي المرأة.. يوم تتخلّص المرأة المصرية من روح (الجواري البيض)، وتتقمص روح (السيدات)“.

وهذا كلام تعوزه الدقة إن لم يكن مجانباً للصواب أصلاً، وفيه اختلاق واصطناع. وهو تحليل سطحيّ من رجلٍ يفترض أنه عاش بضع سنين في باريس، وفي بعض المدن الفرنسية في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان يفترض أنّ له عيناً ثاقبة تلحظ ما لا يلحظه الآخرون وهي عين الأديب والناقد. وحتى من لم يعش في أوروبا فحسبه أن يتعرّف على الحياة فيها كما يصورها الأدب الفرنسي والإنجليزي عند هوغو في رائعتيه (البؤساء)، و (أحدب نوتردام)، وعند تشارلز ديكنز في رائعتيه (ديفيد كوبرفيلد)، و(أوليفر تويست) ليرى حياة البؤس والتشرد والظلم الاجتماعي، واسترقاق البشر الذي تمارسه طبقة النبلاء خلافاً لما يتوهمه توفيق الحكيم. ولم يكن ذلك مقصوراً على المجتمعين الفرنسي والإنجليزي، بل ينسحب على المجتمعات الأوروبية برمتها، والأميركية  كذلك. والقذارة في باريس في القرن التاسع عشر  أشهر من أن يُتحدث عنها، ولم يتغير وجه باريس إلا في العقود الأخيرة من عهد نابليون الثالث،  ولا يحتمل هذا المكان المزيد من الكلام عن هذا الموضوع وتكفي الإشارة إلى رسالة الدكتوراة التي أعدها جيمي غرورينغ بجامعة ولاية أريزونا في عام 2011:

Dirty Laundry: Public Hygiene and Public Space in Nineteenth-Century Paris. by Jaimee Grüring, A Dissertation Presented in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree Doctor of Philosophy. Arizona State University.

والمرأة الأوروبية التي تدرك معنى أنها (السيدة)، والتي يُعجبُ توفيق الحكيم بدورها في البيت وفي المجتمع هي نفسها تلك المرأة التي تعاني من القهر وسطوة الرجل وإذلاله، والتي قد لا تعدو أن تكون متاعاً وإشباعاً لشهوات عابرة. هي تلك التي يصورها هنريك إبسن في مسرحياته (بيت الدمية) و (أعمدة المجتمع)، وفرجينيا وولف في رواياتها.   

وهكذا تمضي رواية (حمار الحكيم) تمارس آفتين كان ينبغي أن تسلم منهما: (1) إذلال الذات self-contempt (2) إعجاب المؤلف بنفسه، فما برح يُمجدها في ثنايا الرواية بأنه المثقف الذي يفهم الوجود على أساس المنطق العقلي، ولكنه يخاف من الأشباح!!

يتحدث الحكيم عن نفرته من الزواج، لأنّ فكرة الارتباط تؤثر على إنتاجه الفكري كما يزعم، فآثر العيش في الوحدة، تلك الوحدة التي يصفها في الرواية بقوله:

”ورجعتُ إلى وحدتي.. تلك الوحدة الباردة التي تحيط بي من كل جانب.. فما أنا في الحقيقة  سوى كوخ مقفر وسط صحراء من الجليد، وضعت داخله يدُ المصادفة إناءً يغلي  ويتصاعد منه بخار، هو تلك الأفكار التي تخرج من نافذتي إلى حيث تصل أحياناً إلى جموع الناس. فإذا دخلت امرأة  هذا الكوخ، فمن يضمن لي ما سوف تلقيه في هذا الإناء  ويتصاعد من جوفه بعد ذلك!!“.  

وإذا كان الحكيم المؤلف يصف نفسه في (حمار الحكيم) بقوله:

”إني جسم معتم، أضيء بما ينعكس على أديم نفسي من أفكار، ولا شيء غير ذلك،. أمّا في الحقيقة فأنا أرضٌ قحلاء جرداء، كلها صخور وأحجار، لا يمكن أن يأنس إليها آدميون. هل سمعت بأحدٍ  يعيش في المجتمع بلا أصدقاء. أنا أعيش متفرداً بلا أصدقاء، لا أرى أحداً إلا لماماً  للتحدث قليلاً في شؤون الأدر أو الفكر أو الفن.. أناس من أهل مهنتي،تقضي الضرورة أن ألقاهم.. أمّا أكثر أيامي فأنا بعيد عن المجتمع، لا أسأل عن أحدٍ ولا يسأل عني أحدٌ“.

فهل يستأمن في حكمه على الأشياء أو حتى على تصوير واقع اجتماعي من لا يعيش فيه ولا يعرف عنه شيئاً، ثم لا يلبث أن يصدر أحكاماً خارجية عنه؟!!

(حمار الحكيم) رواية انتهت قبل أن تبدأ.. انتهت بصورة تجمع الحكيم بحماره (الفيلسوف) التقطها له المخرج، ويعلّق عليها الحكيم بقوله:

”إنّ هذا (الفيلسوف) أجدرُ بهذا الإسم مني لو أنّي كنت حقاً فيلسوفاً.. فهو لا يبدو عليه  أنه مَعْنيٌّ بما يُصنَع به.. إنّ منظر الكاميرا يثير استطلاعه  واهتمامه كما فعلت المرآة.. فالمرآة تجعله يعرف نفسه بنفسه.. وهو كلّ ما يسعى إليه، وهو غرض الفلاسفة في كلّ زمان مكان. أمّا الكاميرا فهي الصورة التي يأخذها الناس عنه.. وماذا يهم الفيلسوف  الحقّ أن يعلم رأي الناسِ فيه“.

ويمكن تلخيص الجوانب النقدية لرواية (حمار الحكيم) فيما يلي:

- ضعف المعمار الهندسي للرواية. فرواية (حمار الحكيم) لا مدخل لها ولا مخرج، ولا نوافذ ولا أبواب.

- انعدام الارتباط الوثيق بين حواراتها، وتشعر أحياناً بأنّ بعضها مقحم، أو شاذ، وربما يرجع ذلك لطبيعة توفيق الحكيم الذي يصف نفسه في روايته هذه بأنه شَرود الذهن عديمُ التركيز، وطالما حال ذلك بينه وبين الاستمتاع بالمحاضرات  القيمة. 

- الخلوّ من الصور، والخلوّ من الأحداث، وغلبة الحوار في نصوصه الروائية لغلبة النزعة المسرحية عليه، ولأن الرواية  تعتمد على الوصف والسرد ولا تقوم على الحوارات وإن وُجِدت، كما هو الحال في الأعمال الدرامية المسرحية.

- لا توجد قضية رئيسة في (حمار الحكيم)، تتفرّع عنها قضايا فرعية.  والرواية لابد لها من معالجة قضية تُسمى القضية (الأم) أو القضية (المحور) تدور حولها جميع القضايا الفرعية داخلها. فالمتأمل مثلاً في رواية (البؤساء) لفيكتور هوغو يرى أنّ القضايا المعروضة في الرواية جميعها تدور حول قضية محورية واحدة، وهي: الحرية والاستبداد. وما قضايا الجوع، والفقر، والجهل، والمرض، والسرقة، والسجن  إلا مظاهر لتلك القضية (المحور)، وهي (الحرية والاستبداد).

في عام 1945، أي بعد نحو خمس  سنوات من صدور رواية (حمار الحكيم)، ظهر كتاب لتوفيق الحكيم بعنوان  (حماري قال لي)، وهو مجموعة مقالات صحفية كان ينشرها في المجلات قبل صدور (حمار الحكيم)،  وفيها حكاية كتابة السيناريو الذي انبنت عليه رواية (حمار الحكيم).  وهذه المقالات  عجيبة التأليف، فلا هي رواية ولا هي مسرح، والأقرب أنها خواطر في الفن والحياة يسوقها الحكيم على لسان حماره، وهي أكثر نضجاً فنياً، وأغنى فلسفةً وفكراً من (حمار الحكيم).

بعد ذلك، وفي مطلع السبعينيات تقريباً، نشر توفيق الحكيم ثلاث مسرحيات باللهجة المصرية العامية: الحمار يفكر، والحمار يؤلف، وسوق الحمير، ضُمّت جميعها في كتاب واحد يحمل اسم (الحمير). والمسرحيات الثلاث، وإن كان أبطالها الحمير إلا أنها مسرحيات لم تكن ناجحة ولم تلق صدى لا عند القراء ولا عند النقاد لضعف بنائها الدرامي، وموضوعاتها السطحية ولحواراتها المتكلفة. وإذا قيست المسرحيات الثلاث بمسرحية (الصرصار) لتوفيق الحكيم نفسه تجد أنه لا وجه للقياس، فمسرحية الصرصار، وهي تنتمي لمذهب اللامعقول، أكثر نضجاً وإثارة. 

والحكيم يحاول أن يجمع بين الرواية والمسرح في ما أطلق عليه هو نفسه اسم (المسرح - رواية) والذي نحت له مصطلح (المَسْـ - رواية) في إطار البحث عن قوالب جديدة على رأي د. علي الراعي في كتابه (توفيق الحكيم: فنان الفرجة، وفنان الفكر). 

يتبع……

الصديق بشير نصر

هوامش:

(1) الحكيم،  توفيق: حمار الحكيم ص 17، المطبعة النموذجية، القاهرة.

(2) المصدر السابق ص 93-94.

(3) حمار الحكيم، ص  126.

(5) المصدر السابق ص 136.

سعدون اسماعيل السويح | 30/07/2022 على الساعة 15:42
الحمار المظلوم
اطلالة ادبيةً بالغة الروعة للكاتب الصديق د صديق الذي يمتعنا بهذه الاطلالات .. حدثنا عن هذا الخيرات الاليف الذي يحمل اثقالنا ويتحمل اهاناتنا في صبر .. وعجيب حقا هذا الحيز الذي شغله في الاداب العالمية من الجمش الذهبي الى جورج اورويل وحملوه بنيامين والحكيم وحماره المتفلسف . وقد وقف بنا د صديق وقفة مطولة عند الحكيم واراءه .. وفي دعمي ايضا انه الى المسرح ً والخاطرة اقرب منه الى الرواية ، وعصفور من الشرق اقرب الى السيرة الذاتية ، وكذلك سجن العمر وفي انتظار الحلقة الثانية د صديق من هذا الفيض من الامتاع والمؤانسة سعداء بك
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع