مقالات

سالم الكبتي

احمد يونس نجم..  مثال من رجال ليبيا

أرشيف الكاتب
2022/06/28 على الساعة 21:13

عام 1930.. في الرويسات في بنغازي كانت البداية للإنطلاق مع جيل سيولد وسط الصخور الصلده ويحمل المسؤولية في ليبيا لاحقا. جيل تعدد أفراده وتنوعت مواهبه وكفاءاته وتفرد عطاؤه أيضا.  

ثم فتح عينيه على التعلم.. على الحرف الشريف فى جامع بلوطه القريب من البيت. كان يقع في شارع الطيرة. البيوت الوقورة والنهارات ذات الشموس والليالي وأقمارها وصدى الحرب والخوف والترقب لما هو قادم من بعيد لكنه غير منظور في الأفق. وظل ذلك الجيل وأبناؤه يحلمون بوطن أخر ينهض من مرارة الأيام السود التي ترين على الأفق كله. ظروف تحيط بالوطن غير أن الحلم يظل يتحفز في الصدور ولايستطيع أحد منعه من ذلك. الحرية تمور في القلب.. في قلب الجيل كله دون أية فروق. 

ثم الإتجاه رغم الظروف المريرة إلى طريق المدرسة. فى مدرسة البركة يلتقي الأساتذة الذين منهم على بوشناق ومدحت باله وغيرهما. معلمون نجحوا في خرق الجدار وإظهار وجه النهار عبر الظلام أمام الجيل. وزملائه من الطلبة: ثم الامير محمد السعداوية وحسين فليفله وغيرهم ومجايليه من الطلبة عبدالمولى دغمان وحسين الشريف ومصطفى بن زبلح وفوزى وجلال الدغيلى ومحمد بن عامر ثم في مدرسة الأمير. كانت في المدينة بعيدة عن الحي ونقطة السكن.  المعلمون محمد السعداوية وحسين فليفله. والمنهج والدراسة الدقيقةوالعناية والتوجيه رغم الظروف بلا إنقطاع. والزملاء أيضا من الطلبة أحمد امبارك الشريف وسالم بوقعيقيص. ومحمد بن يونس ومفتاح امبارك الشريف وغيرهم ايضا. الموهبة تتحرك مع الحلم وتتوهج في الصدور. يجمعون المقالات والقصائد ويصدرون في السنة الرابعة الإبتدائية من الدراسة مجلة (أقلام). تطبع في المطبعة. وتخرج في إخراج جميل. ألوان وفرحة بالصدور. معانقة الكلمة والحرف والإشارة إلى مايشوه مسيرة الوطن. 

ثم الدراسة فى القاهرة: بعيد الإستقلال بقليل تواصل الدفعات الليبية من الطلاب في برقة وطرابلس تصل إلى هناك للدراسة. يلتقون ويتحاورون ويكبر الوطن في الصدور أكثر من ذي قبل. حراك وحماس وعطاء لايفتر.. احمد يوسف بورحيل ومصطفى الشيبانى وعامر الدغيس واحمد زغبية وعبدالحميد البابور وعبدالمولى دغمان وعلي وريث وعبدالحميد البكوش وعبدالله الضريريط وغيرهم العديد. أجيال تتبعها أجيال. ترفدها بالمساندة.  الثلاثينات تدق الأبواب وتفتح النوافذ على الوطن وتعلن أنها قادمة لامحالة!

ثم العودة إلى بنغازى عام 1955. لظروف عائلية طرأت وحالت دون إكماله الدراسة الجامعية. ونحو الصحافة يتجه ويتخذ له مكانا. كانت الصحافة والكلمة الحرة هواه وعشقه.  العمل بصحيفة برقة الجديدة. يصير مساعدا لرئيس تحريرها عوض زاقوب. السهر في المطبعة ومكتب الصحيفة في شارع زوارة. إستلام المواد. متابعة النشر. كانت الصحيفة حكومية لكنها إتسعت لكل الأخبار والأراء ولم تحجر صوت أحد. أضحى الصحفي الصغير في أقلام كبيرا في الصحيفة الكبيرة في بنغازي. 

ومع الصحافة طالت رحلة أحمد يونس نجم. مارسها موهبة ومهنة وعطاء. وتواصل مع أجيالها. ضحى بدراسته لكنه لم يضح بوطنه وعائلته. وظل الحرف والكلمة مصدر عطائه النبيل. تنقل عبر أجهزة الأعلام والنشر والصحافة. كتاباته إتسمت بالنزاهة وإفتتاحياته إلتزمت الصدق. طور من العمل الصحفي الحكومي ومن أدواته الفنية ودخل مع جملة من زملاء المهنة: إبراهيم اطوير وعبدالمولى لنقي ومهدي المطردي إلى الخطوط الأمامية داخل الجزائر أيام ثورتها عام 1959 لمتابعة المجاهدين والثوار واللقاء بهم هناك وتعامل مع الزملاء الكتاب والفنيين بكل إحترام وتقدير وتابع تنقل الصحيفة من مقر إلى مقر إلى إستقرارها في مدخل مدينة بنغازي الشرقي. وهناك مع الرفاق عبدالله عبدالمجيد وعلي عمورة ومحمد رجب الزائدي وحمزة محفوظ وسواهم ظلوا صورة تكبر بألوانها في المهنية والعمل. وإلتقت على الدرب نفسه مع عطاء الرفاق في طرابلس وفزان: عبدالقادر بوهروس ومحمد بشير الطشاني ومحمد فخر الدين وفاضل المسعودي ومحمد بن زيتون وأحمد سيالة وعلي المسلاتي. لقد شكلوا تواصل الأجيال في العطاء الصحفي الليبي سنوات الخمسينيات وأوائل الستينيات بظروفها وأزماتها ومشاكلها وأحلامها. كانت ليبيا محكومة أغلب الوقت بصوت إعلامي من الخارج عن طريق الصحف والإذاعات والخطب له من القوة والتأثير الذي لايقارن. لكن بقى الصوت الليبي صوتا يمثل الهدوء والتسامح والتعقل وأحيانا يثور ولكن بلطف رغم صعوبة المقارنة في هذا السياق! 

وفى كل الأحوال كان أحمد يونس نجم إنسانا وطنيا راقيا قبل أن يكون صحفيا وأعلاميا ناجحا طور من أدائه فأنعكس بذلك على عطائه ومصداقيته الدائمة.  

وحين أصبح مديرا عاما للمطبوعات ووكيلا لوزارة الأعلام والثقافة كانت له مواقفه المشهودة -خاصة مايتصل بالموافقة على إصدار صحيفة الميدان- ومساندة شجاعة رغم ثقل المسؤولية وحساسيتها للصحافة والصحفيين والتعامل بكل احترام وتقدير مع كل رفاق المهنة.  كان في كل ذلك إنسانا ومهنيا قبل أن يكون مسؤولا أو وكيلا لوزارة أو مديرا لمصلحة.  كانت صحف وكان هناك براح من المواقف والكتابات رغم ما يعتري الموقف من إحباطات وسلبيات في بعض الأحيان.  

وحين أيضا اصبح وزيرا للأقتصاد ثم المواصلات في أواخر عهد الإستقلال الملكي ظل أحمد نجم هو المواطن الليبي النبيل الذى يدير الوزارة بعقلية عاشق الكلمات والوطن. 

وحين (استضافه) القذافى فى سجونه السوداء مع الكثير من الرجال عدة أعوام ونال الكثير من التعذيب الذي أثر لاحقا في صحته لم يتراجع عن مواقفه ورفض عما وجه إليه من تهم ضد الإنحرافات والمظالم وجر البلاد نحو هاوية لاقعر لها. بعد خروجه من السجن رفض المغريات وعروض التعويضات المادية الكثيرة من أكبر مسؤولي النظام وظل فى بيته حبيسا لسنوات يثبت وجوده في مركز البوليس كل يوم. وهو المواطن التي لاتحتاج وطنيته ووجوده في وطنه إلى إثبات أو تعريف بمكانه في تلك المراكز الأمنية.  

ظل أحمد يونس نجم مثالا راقيا لايخطئه البصر للإنسان الوطني الشريف مثل الكثيرين من شموس الوطن الرجال.. إلى رحيله في هدوء أواخر عام 2011. رحيل يزعج المرتعشين الذين لايحتملون الوقوف تحت الشمس مثل الأشجار.. مثل الرجال.. مثل المواقف وكلمات الحق العظيمة. 

سالم الكبتي

الصور:

1) الاستاذ احمد يونس نجم يدون اسمه في سجل زيارات ضريح عمر المختار عام 1961. 2) الاستاذ احمد يونس نجم رئيس تحرير برقة الجديدة عام 1959 ونائبه الاستاذ عبدالله عبدالمجيد في مقر الصحيفة بالمطبعة الحكومية عند مدخل مدينة بنغازي الشرقي تلك الايام. 3) الاستاذ احمد يونس نجم وكيل وزارة الاعلام والثقافة يستقبل في بنغازي الشاعر نزار قباني بصحبة الاستاذ بكري قدورة عضو مجلس الشيوخ ورئيس الجامعة الليبية سابقا. ابريل. 196. 4) في خطوط القتال الامامية في احدى الجبهات داخل الجزائر 1960 صحبة الثوار وعبدالمولى لنقي وابراهيم اطوير والمهدي المطردي. 

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع