مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. لـيـت الـشـبـاب

أرشيف الكاتب
2022/06/22 على الساعة 18:20

ليت الشباب بعود يوما فأخبره بما نال المشيب. بعد المعذرة أقدمها بكل تواضع إلى الشاعر، أقول إني تجرّأت بتحوير بيته المشهور، لغاية نبيلة هي التذكير بأن الشيخوخة لم تعد كما كانت، في معظم بلدان العالم، خاصة منها المتقدّمة في أكثر المجالات الحياتية. فقد أصبحت العناية بكبار السن ضمن اهتمامات الحكومات، نتيجة التطور والازدهار الاقتصادي، وأيضا لحاجة في النفس، أبرزها للعيان الحصول على أصوات المسنّين، المتزايد عددهم وسنيّ أعمارهم، في الانتخابات العامة المعتبرة أساس أي نظام ديمقراطي. فعلاوة على ضمان مرتب تقاعدهم، قنّنت مرتبات، ولو ضئيلة لمن لا مدخول لهم، مع ضمان العناية الصحية، والحماية الأمنية، وما إليها من الحاجيات الضرورية. 

ففي هذه البلاد التي أوت هجرتي، أصبحت العناية، وشد أزر المسنين، من واجبات نظام الحكم، والأحزاب السياسية تتنافس بينها في مجال الخدمات والتسهيلات التي تقدم للمسنين. حاليا تقدّم في مدريد حيث أقيم، والشبه مؤكد في بقية أقاليم شبه الجزيرة الإيبيرية، كل الخدمات التي سبق ذكرها، وأخرى كثيرة. منها غير المادية مثل تسمية الشيخوخة "العمر الثالث"، ومقاطعة تامة لاستعمال كلمتي شيخ أو عجوز، مما أدى إلى تحدّي قواعد اللغة، فأبدلتا بما يناسب في لغتنا أفعل التفضيل من فعل "كبر" ليصبح الشيخ أو العجوز ينعت بالأكبر – مايور – فيقال سيد أكبر أو سيدة أكبر. أما الخدمات المجانية فحدث ولا حرج، منها على سبيل المثال، إذا كان المسن أو المسنة تعيش وحدها، مُنِحت آلة تحملها في كوعها، كما لو كانت ساعة يد، تتصل بها عند الحاجة بمن يساعدها، بواسطتها تراقب عن بعيد. يمنح المسنون بطاقة ركوب جميع وسائل النقل العمومي بكامل إقليم مدريد، طوال شهر بثلاثة يورو لا غير. ما أن يتحسن الجو في الربيع والصيف، حتى تنظم رحلات جماعية خاصة بالمسنين من الجنسين، إلى أماكن ذات أهمية سياحية أو ثقافية تاريخية، مجانا أحيانا وبمقابل زهيد أحيانا أخرى.ليس هذا فقط، فالخدمات والتسهيلات كثيرة يضيق بها مجال الخاطرة، لكن ما هو أهم، هناك الاهتمام والاحترام المعنوي من أفراد المجتمع ككل. فمثلا ما يركب المسن، مثلي، حافلة أو عربة قطار نفقي، حتى يقف أحد المسافرين ذكرا كان أو أنثى، ليترك لي المكان، وإن كنت محملا بما يبدو ثقيلا تلقيت المساعدة على حمله ولو لخطوات. 

أما ما واجهته قبل أيام قليلة يفوق كل خدمة أو تقدير. عند مدخل مكاتب البريد، توجد آلة يسحب بموجبها الزائر رقم دوره حسب الخدمة التي سيطلبها، سحب أو إرسال. لكن فوجئت هذه المرة بزياد، هي زر خاص بمن ناهز الستين عاما. ضغطت وبقيت أبحث عن الواصل فلاحظ ذلك أحد الوقفين في الصف، فأسرع بسحبه لي لأنه خرج من موضع مخالف للحالتين الأخريين، بأعلى الآلة لا بالأسفل حيث تصعب رؤيته لضعيف البصر. لم يكتف السيد الكريم بالمساعدة، بل أشار عليّ بالدخول حيث يوجد كرسي لمثلي من الزوار. خطوت خطوتين وإذا به يقول ظهر رقمك. تقدمت، وقبل أن تتعود عيناي ”العجوزتين“، على الفرق في بهرة النور سمعت صوتا نسائيا لطيفا ينادي ورأيت يدا مرتفعة تشير، فقصدتها وقضيت حاجتي بسرعة فائقة وخرجت شاكرا. ألا يعطيني كل هذا حق تحريف وتغيير ما قال الشاعر من قبل، فأقول ليت الشباب يعود يوما ** فأخبره بما نال المشيب؟

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد يوم 1-3-20022

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع