مقالات

د. الصديق بشير نصر

بين الآذان والإقامة

أرشيف الكاتب
2022/06/18 على الساعة 22:35

هذه قصةٌ قصيرةٌ انتخبناها للنشر للأديب القاص الأستاذ المرحوم عبد الحفيظ الزياني من مجموعتة القصصية المسماة (حكايات حزينة: ربيب الصحراء يتذكر)...

وفي هذه القصة، كما في نظيراتها الأخريات تتجلّى قدرة القاص على البناء القصصي بطريقة تشدّ الانتباه. وفي قصص الزياني نرى ذلك الصانع الماهر القادر على التقاط المشاهد الواقعية من الحياة اليومية فينسج منها مادّةً مثيرة. قصصُ الزياني قِطعٌ من الفسيفساء الملوّنة شُدّت إلى بعضها حتى لكأنها قطعةٌ واحدة، لا ترى فيها تنافراً إذ يخضع ذلك في البناء القصصي عند هذا القاص إلى مبدأ الانسجام الداخلي والخارجي للعمل الفني، ذلك الانسجام الذي يوحّد قطع الفسيفساء، كما يصنع الصائغ الحاذق الذي بمهارته الفائقة يجمع بين أحجار كريمة تختلف في ألوانها وأشكالها، ويعيد صوغها وترتيبها، ومن ثم تركيبها في عِقد نادر الصنعة. وربما لهذا سُمي العِقد عِقدَاً في العربية لانعقاد الصلة بين فصوصه  التي تجتمع معاً  كما الحبّاتُ في المسبحة. 

(بين الآذان والإقامة) قصة قصيرة في عدة مشاهد: الصبية في الكُتّاب، والصبايا عند (العرّيفة) ، ومغادرة الصّبية والصبايا إلى بيوتهم وهم يصنعون منظراً جميلاً، فيتناثرون  بين الأزقّة  كالزهور في حقول بريّةٍ عذراء لم تمسّها أيدي البشر، مُحْدِثين جَلَبَةً شَهيّةً. مشهدٌ ما زال عالقاً بأذهاننا نحن أبناء ذلك الجيل الذي عاش فيه القاص الزياني. فهذه الصورة ربما لا يدركها من لم يحياها، ولكننا عشناها واقعاً في الماضي، ونعيشها وجداناً في الحاضر. ومن براعة القاص القدرة الفائقة على استدعاء الصور الماضية وكانك تعيشها للتوّ، أو بمعنىً آخر القدرة على نفث الحياة في الوقائع المنصرمة فتبدو وكأنها حدثٌ جديدٌ وُلِد الآن. 

صورة شيخ الكُتاب وهو يهز مِنْسأته إيذاناً بالانصراف وإشارةً إلى انتهاء اليوم بُعيد صلاة العصر، وهي إشارة عهدها الصبيان من شيخهم، فينصرفون في جذَلِ يغنون: (سلّم سيدي سرّحنا، حُطْ عظامه في الجنة)، ثم يُهرعون متزاحمين لمسح ألواحهم قرب الميضأة. وهكذا تتداعى المشاهدُ في القصة منتقلةً من مشهدٍ إلى آخر في غير تكلّفٍ أو رتابة. 

فمن مشهد سينما الكورسال بالظهرة إلى مشهد الصبيان في طريقهم إلى بيوتهم وقد بدأ الليل يُسدلُ أستاره مستدعين مشاهد المبارزات الرومانية، فيحاكونها في مبارزات بينهم بعصي الخشب، تلك المبارزات التي كانوا يطلقون عليها اسم (سكيرما). (بين الآذان والإقامة) فًسحةُ زمنية ضيّقة ترمز إلى حياة الفرد القصيرة، لكنها في الذاكرة الجمعية طويلة جداً. وذلك هو هاجس الزمن المستبد  في عقل القاص، أو كما يعبّر عنه العقاد في مطلع كتابه (أنا) بقوله: ”الزمن ذاكرة مستبدة“، أيّ أن ذاكرة الزمن تتعطف عليك حيناً فتستدعي لك صوراً وحكايات موغلة في حياتك كنت تحسب أنها تلاشت وانقرضت، وحيناً آخر تستبد بك فتمحو أقربها إليك. والفنان المبدع من يهيّج ذاكرة الزمن.

بين الآذان والإقامة رمزٌ يمثل عتبتين زمنيتين يقف عند أولاهما القاص يحكي وقائعَ انصرمت، ويقف عند الأخرى المتلقّي في الزمن الحاضر؛ إمّا مسترجعاً لها إن عاشها ذات يوم، أو متخيلاً لها إن لم يعشها أو يحياها. 

د. الصديق بشير نصر

بين الآذان والإقامة

(قصة قصيرة بقلم الأديب القاص عبد الحفيظ الزياني)

رتيبــةٌ ثقيلــةٌ سويعــاتُ القيلولةِ تلك التي يـُستـَودع بياضَهـا الصبيــانُ الكتـّــابَ والصبايــا العرّيفــةَ.. تكتــظّ الغرفــة في الحالتين بتلك الأجساد الصغيرة الهشة الملفـوفــة في أسمال متواضعة نظيفة ولئن ارتسمت خطـوطُ مِلْـحِ العرق الجاف على حوافّهـــا.

غرفــة الكُتـّابِ غـالبـاً ما يطغى فيهـا اللغـطُ.. من اجتماع نحو عشر حنـاجـر تتلو في نشـاز مُحَبّبٍ آيَ الذكر الحكيم.. بينما يحمل أثيرُ الغرفة قَنَواتِ تواصلٍ بدائيةٍ بين الصغار..  يتفنـّــنون في لغـة الإيمــاء والإشــارة.. كلٌ في ما وصل إليه من أرباع وأثمان المصحف الشريف.. بينمـا يسود همسٌ طفولي كأزيز النحل تتخللـه ضحكاتٌ نزقةٌ من الصبايا الخجالى تتعالى من الدار المجاورة.. وهـنّ يعرضن على معلمتهن العانس "العريفة" ما تعلّمن منها من مهارات التدبير المنزلي ومباديء السلوك الاجتماعي القويم الشائع (المـاير) المتعارف عليه في وصف أصول "الإتيكيت" في غرفتهـا المستقطعة من بيتهــا المتواضــع والمـُبـالغ في نظافته وترتيبه حــدَّ الهـوس.

تلكم هي بيئةُ صناعةِ الوجدان، وَرَحِمُ  جيلٍ تربّى في غفلة من الزمن في ذاك الحي العشوائي المنسي.. وكان ذلك يومئذٍ معياراً للحكم على الأمور. كلّ الأمور: العيب ونقيضه.. وليس الحلالُ والحرام والمندوب والمكروه والمستحب والجائز والمسكوت عنه والمنهي عنه والمستهجن فحسب.. ربما لتبسيط وتسطيح الأمور.. كل الأمور. 

في الأفق اللامرئي صوتُ نُباحٍ خافتٌ متقطعٌ لكلب يشتغل بعد ساعات دوامه.. وتـزداد وتيرة الصمت واللغط والضجة والسكون مع انحســار الظــلِ في الشارع الكبير فشلــوم حتى يصلَ إلى مستوى ينطلق فيه صوت المؤذن منـاديــاً لصلاة العصـر.. فيتربص الصبيةُ على أطراف أصابعهم كأمهر عدائي ألعاب القوى ينتظرون إشارة السـّــي الذي يتظاهر بالتحديق في ساعة الجيب المثبّتة بإزاره بخيــط سباولـــو ثــم يباغتهم برفع مِنْسأته ليهشّ بهــا ذبابـاً وهميـاً في الهـواء لينطلق صغارُ الكتـّــابِ صائحين مهروليــن "سـَـلّـمْ سيـِـدي سـرّحنـا.. حـُـطْ عظامه في الجنــة“.

ويتسابق الجميع لركن ألواحهم على الحائط قرب الباب حيث ينتشلون نعالهم إن وُجـدت ويعضون أطراف أسمالهم لئـَـلا تعوق سرعتهم.. ليــزخرَ بهم الشارع الرئيس بين صفـّي أشجار التـوت في كوكبة متناثرة تماحك قيظ الظهـيرة، والجميع يتحدث ولا أحد يستمع لما يـُقال.. ليتواصل اللغـط النشاز المحبّب بنغمة مغايرة.. شوارعية هـذه المـرة.. بينما تتسلل صبايـا العريفة بهدوء ورشاقة بعد المرور على مربيتهن يقبـّـلن يدَهـا وينصرفن في باقــات تظهـر وتختفـي مثل عناقيد التوت.. ملازمين ظلَّ أشجارهـا المصطفة على جنبي الشارع.. يتواصل مهرجـان الطفولة العفوي طيلة الفترة الزمنية التي يستغرقها آذان العصر.. فما أن يصلَ المؤذن إلى قولـه "لا إله إلا الله" حتى تبتلع الأزقةُ الجانبيةُ آخرَ طفل منهم، ويخلو الشارع تقريبا إلا من كـَرَطون عمك الصادق كريوطة.. يجلس على حافتـه يمسك رسن حماره "سميـــر" وهو يتظاهر بضربه بعرف زيتون يابس ليخيفَ قطةً ساهمة تتشمس غير مكترثة بما يجري.

تجمد اللحظة لسنوات عشر.. ويتواصل صدى آذان العصر…

السلام عليكم، وتلفـّت الإمام إلى يمينـه.. السلام عليكم، ثـُم تلفـّت إلى يساره.. ثـُم استدار ليواجه صفوف المصلـّين خلفه مسبـّحاً مـُحوقلاً مـُصلـّياً مـُسلـّماً.. ورفع كلتا يديه ومسبحتـه تتدلى من إحـداهـا وشرع في الدعاء والمؤمنون خلفـَه يؤمـّنون.. بِسـِرِّ الفاتحة. اللهم آمين !.

خـَرج المصلـّون من الجامع يبحثـون عن نعالهم.. وامتلأ الشارع بهم جماعاتٍ وأفراداً.. يدعون لبعضهم أن يتقبّل الله صالح الأقوال والأعمال.. وذهب كلٌ إلى حال سبيله.. لتبـدأ حركة العشيـّة تـدريجياً في الشارع الكبير فشلوم.

وتجتمع الصبايا داخل الحواري الضيقة يلعبن (النقيزة) والحبل مُحْدِثين ضجيجـاً لا تتطلبه اللعبـة بالضــرورة.. والأصغــر سنـاً يُسلـّين أنفسهم بلعبة الدويرات تحت الحيط أو داخل إحدى السقائف حيث يجمعن بعض علب الكرتون الفارغة ويرتبن بيوتـا من نسج خيالهن الغض.. ويتظاهرن أمام بعضهن البعض أنهن أمهـات يقمن بإعداد الطعام أو غسيل الصابون.. أو أخوات كبريات يقمن بمحاكاة تربية وتهذيب الصغار.. والكل يدردش ولا أحد يسمــع.

وتقذف الأزقة الضيقة ذاتها صغارَ شارعنا وقد صاروا شباباً يافعيـن "مقوزلين".. يحيـّون بعضهم بالمزاح والابتسام والصفيـر وعبارات الترحيب الرائجـة وقتئذ (وي.. يا حسيــن.. تي وينك).. تـجمـّـع عـددٌ منهم على شـوكة الشارع يثرثــرون ويقترحـون كيف يقضون باقي النهــار.. فبادر اللحلاحي  باقتـراح مبـاراة كــرة قــدم خماسية في سانية الليـــم.. أمـّــا الشعتاني فقـال "مـا عنـدناش كورة.. خلـّـي نلعبـوا عــ "الليبرة" .. فردّ عليـه القماطي "تي ما أقدمك.. هيــّا نفلّموا..  في الكورسال فلم جديد لستيف ريفـز اسمـه عشـرة ضـد الجميـع ".. فـراقـت الفكـرة للجميـع وشرعـوا يحصــون مـا في جيوبهـم من قروش ليجمعوا نصاب ثمـن التـذاكـر... وهـَـدّوا عـ "الكورسال".. ولحّقـوا  على بـدايـة عـرض الساعة السادسـة.. الفِلْم يحكي قصـة سبارتاكوس محرر عبيد روما.. وكيف تمكن من جمـع عشرة مصارعين شقّوا عصا الطاعة وتمـردوا على بلاط الإمبراطـور.. وخاضوا معارك شرسة بمبارزة السيوف وغيرهـا من الأسلحـة اليدوية التي غطت ثلاثة أرباع أحداث الفِلْم.. والصـالــة تضــجّ بالصيـاح والتصفيق والحمـاس والتشجيع.. حتى انتهـى الفِلْـم بمقتل واعتقـال أغلب المتمردين.. وخروج الجمهـور من السينمـا ليجدوا أن الشارع بـدأ يغـرق في ظلمـة أول الليل.

مع خروجهم من شارع البيرا أويا استرد أغلبُهـم نمـطَ الواقع.. ومـرّوا في طريقهم أمام سوق الظهـرة الذي شتـّت بتفاصيله الواقعية ما تبقى من فانتازيا الفلم.. ولكنهم ما إن وصلـوا إلى بداية سور جبـّانة سيدي بوكر حتى تعـثـّر أحدهم في صندوق خشبـي فارع مكسـور من مهملات المحلات التجارية فالتقط منـه قطعـة خشـب طويلة.. ونظـر الصبية إلى بعضهـم نظـرات ذات مغزى.. فانكـبّ الجميع على البحـث عن المزيد من العِصِيّ والألــواح المشابهـة مـع قطـع معدنية دائرية ليصنعـوا لأنفسهم سيوفاً خشبية وواقيات وأغطيـة للرأس من بقايا الخيش.. وصاح أحدهم بحماس حقيقي (أفانتي!).. فرد عليه الآخر (أنديامو بانديتي!).. وبـدؤوا يحاكون مبارزات الفلـم ويلاحقـون بعضهـم في معـركـة دارت رحـاها على امتـداد عَتَمــة سـور الجبـانة.. حتى وصلوا بالاس أبو روين مثخنـــين بالجـراح وكدمات على الرأس وأقدام متورمة وخدوش طفيفة على الذراعيــن والأكتاف.. وعندما لاحظـوا خـروج المصلـّـين من الجامـع بعـد صلاة العشاء.. رمـوا أسلحتهـم وتظـاهروا بالعقل والثبات.. ليعودوا وقد أنهكتهم فـُرجةٌ على فلم في سينما الكورسال.. وترسخـت تجربتهم الصبيانية في العقل الباطن حتى حين.

عبد الحفيظ الزياني

طرابلس 22 أكتوبر 2014 

هوامش:

1- اختصار لكلمة السيد، وهو شيخ الكُتّاب.

2- أحد أبناء شارع فشلوم.

3- الليبرا. لعبة يلعبها الأطفال والصبية الصغار، ويبدو أنها إيطالية، وتبدأ بأن يقع الاختيار على أحدهم، ويقف ووجه إلى حائط مغمض العينين، ويصيح ليبرا.. ليبرا،  ويجري الآخرون مبتعدين عنه، ثم يجيبونه ليبرا، فيتحرر الواقف ويجري وراءهم ومن يمسك به منهم، يقوم بالدور نفسه ويقف مغمض العينين متجهاً إلى الحائط. والذي لا يمسك به حتى النهاية يكون هو الفائز (الصديق).

4- أي: أدركوا.

راجع:

- الحافلة الأخيرة (قصة قصيرة بقلم الراحل/ عبد الحفيظ الزياني)

- (السُوريلّلا).. قصة الراحل/ عبد الحفيظ الزياني

- الصديق بشير نصر: القاص المترجم عبد الحفيظ الزياني يرحل عنّا في صمت

سعدون اسماعيل السويح | 20/06/2022 على الساعة 17:36
بين الاذان والاقامة مسافة عمر
مرة اخرى يهدي الينا صديقنا الحبيب د صديق قصة بالغة الروعة للراحل عبد الحفيظ الزياني .. بلغة تجمع الشعر والسرد يعيدنا النص الى اجواء طفولية عرفها ابناء جيلي والجيل الذي تلانا .. الكتاب .. العريفة..العاب الطفولة البريئة .. فشلوم والظهرة..يكبر الصغار .. يراهقون .. يذهبون الى سينما الكورسال .. يشهرون العصي في مبارزات دونكشىنية .. لا يابهون بجدار المقبرة فهاجس الموت لم يسكنهم بعد ..ويمر العمر بين الاذان والاقامةً..نصير شيوخا وننتظر الحافلة الاخيرة شكرا لك د صديق صياد اللالئ.. ورحم الله الكاتب المبدع عيد الحفيظ الزياني الذي جعبتنا نحس وكانه جالس بيننا يحدثنا حديثه العذب فنحس ان الحافلة الاخيرة لم ترحل!
عبد الحميد عبدالله | 20/06/2022 على الساعة 08:48
مقالة ماتعة لشخصية وفية
استمتعت كالعادة بما كتبتم وكل ما تكتبونه ماتع ونفيس. جزاكم الله خيرا وأدام تألقكم أخي الكريم. لقد عرفت الدكتور الصديق منذ أربعين سنة محتفظا بهذه الروح الشفافة والمهارة الكتابية الراقية والفكر المستنير والعقل الناقد ولذلك أحترمه حتى حين أختلف معه ونادرا ما أختلف معه. والرجل قارئ ممتاز قبل أن يكون كاتبا بل منذ طفولته وليس الأسد الا مجموعة من الخراف المهضومة. تحياتي
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع