مقالات

أحمد ناصر قرين

ماذا فعلتم بخبازنا؟

أرشيف الكاتب
2022/06/14 على الساعة 11:29

- ملاحظة أولى/ لولا وجود (ماكيت القاهرة) ضمن الروايات المتنافسة، لقلت أن (خبز على طاولة الخال ميلاد) تستحق هذه الجائزة، رغم جودة رواية بشرى خلفان (دلشاد) وسردها المتقن.

محمد النعاس خباز بارع. أنتج لنا رواية متكاملة المكونات. لن أدعي انها رواية عظيمة، وأنها خالية من الهنات والقصور والأخطاء، فقد شابها بعض الإرتباك،خصوصاً، في بدايتها. لكنها رواية جيدة، استجابت لتقنيات السرد بشكل كبير وقد بذل كاتبها جهداً كبيراً لتخرج بشكلها النهائي.

عادةً حين أقرأ روايةً ما فأني أعايشها، وأحس شخوصها، كيف يشعرون ويفكرون، أتعاطف معهم وألتمس لهم الاعذار فيما يقترفون. كل هذا مع أخذ مسافة بيني وبينهم.

لكني سرت مع ميلاد خطوةً خطوة، ورافقته من الظهرة الى بير أسطى ميلاد، ومن شارع الرشيد الى جربة، ومن مبنى الصحافة الى حي الأندلس. جلست معه في البراكة، هربت معه من المعسكر، كنت مساعداً له وناولته ما يتطلبه العجن، استمعت معه الى فكرون وناس الغيوان ونحن نشرب قهوة أعدها بمحبة. وهذا شعور لم يلازمني من قبل سوى مع بعض روايات المرحوم خليفة حسين مصطفى، ربما لأن ألفة الأمكنة تمنح الروح حميميتها. هذا شيء والحكم النهائي شيء آخر.

أظن (وليس كل الظن إثم) أن لجنة التحكيم قد ظلمت محمد النعاس، من حيث لاتدري او تتعمد هذا.

وصلت الرواية الى القائمة القصيرة بجدارة، وهذا بذاته إنجاز كبير لكاتبنا. وكان ربما كافياً لتكريمه وتشجيعه، دون أن يثير انتباه وحقد الكثير ممن يعشقون تعكير المياه وتحويل الانسام الى زوابع من غبار. لم ينتبه الكثير للقائمة القصيرة، لكن المركز الأول يفتّح العيون على صاحبها وهنا تبدأ المسآلة والمحاكمة والأحكام القاسية. لتنقلب نعمةُ الجائزة والتكريم نقمة ً تصل حد النبذ والتهديد بالقتل.

للجان التحكيم عادة معايير تحكمها اعتبارات وعوامل عدة، تسهم مجتمعة في قرارها النهائي. ربما كان للموضوع نصيب كبير في هذا، فموضوع الرواية حساس وشائك في مجتمعاتنا. وربما أن الكاتب شابٌ في بداية حياته الأدبية وهذه روايته الأولى واستطاع بها مزاحمة روايات أخرى لكتاب يمتلكون خبرات أكثر.فقد أشار ماريو فارغاس يوسا أن النبوغ ممكن في الشعر أو الموسيقى، واستدل برامبو وموزارت. أما في مجال الرواية فإن كل الروائيين الكبار كانوا في بداياتهم مجرد مخربشين.و النبوغ فيها يتطلب دربة وتجربة وتراكماً. او ربما هو اعتذار متأخر من نجوى بن شتوان لعدم حصول روايتها (زرايب العبيد) منذ بضع سنوات على الجائزة.وربما سواه من العوامل التي تخفى علينا.

- ملاحظة وسطى/ اعذروني لتكرار هذه اال (ربما) لأني أميل الى التخمين أكثر من الجزم.

غير أن النتيجة قد ظهرت وفازت روايتنا بالمركز الأول. وهذا جيد إذ يسلط الأضواء أكثر على الأدب في ليبيا.. لكنه سيحمّل كتابنا قدراً أكبر من المسؤولية فيما سيكتبون.بأن ينتجوا لنا ما يستحق القراءة والمنافسة.  وهو تحديٍ آخر لكاتبنا. عليه نسيان أنه قد فاز بجائزة ويحاول البدء من جديد، وكتابة رواية أخرى أكثر تماسكاً وجودةً. فقد أبان عن مقدرة جيدة على السرد وبالإمكان تطويرها نحو الأفضل. هذا إن لم يُصب بالقنوط والإحباط، مما تعرض له من هجوم خارج عن صلب الموضوع، ليعاود العيش كائنا بيولوجياً كأي مواطن صالح مع ملايين المواطنين الصالحين.

فهل سرقنا الجائزة؟ أم تمت إعادتها لنا؟ لا يمكنني النفي أو التأكيد بكل يقين. ما يمكنني التأكد منه أن روايتنا استحقت المنافسة في القائمة القصيرة.

- ملاحظة أخيرة/ كنت قد هنأت نفسي حال ما علمت بأمر الجائزة. وهنأت الكاتب شخصياً. وأريد أن أكرر التهنئة للوسط الثقافي والأدبي. اما باقي الأوساط فلا تعنيني بشيء، هنا، وخصوصاً تلك  المتسربلة بهرابيد الفضيلة، والتي تطمح لإستعادة دور المطوعين بعد أن فقدت هذه الوظيفة زخمها وجدواها في بلد منشأِها الأول…

أحمد ناصر قرين

- راجع: حول فوز النعاس بـ جائزة البوكر العالمية للرواية العربية 2022

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع