مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (40).. حظ فثروة

أرشيف الكاتب
2022/05/25 على الساعة 10:55

قيل عن العلم كثير، لأنه كنز لا يفنى، وثروة لا تنقرض، وهو للأمم أساس البناء وعمدة التشييد. فها أنا أورد في مستهل هذه الأسطر، بعض ما قيل عن العلم، نقلته وحفظته، لأسباب لا أتذكرها اليوم وما هي بحاجة للذكر. فمما نقلت مثلا: كل إناء يضيق بما جعل فيه، إلا وعاء العلم فإنه يتسع. علم بلا فعل كسفينة بلا ملاح. وقيل بلسان الشعر: لقد لمتُ وخيرُ العلمِ أنفعُهُ.. أن السعيدَ الذي ينجو من النارِ. تعلَّمْ فليس المرءُ يولدُ عالماً.. وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ…

أما السياسة وما إليها فقد حشرت هي الأخرى أنفها فقيل: من أراد السيادة، فعليه بأربع: العلم والآدب، والعفة، والأمانة. ختامها مسك بقول كريم: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم، من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم. سبق لي أن قلت وكرّرت، فها أنا أعود وأعيد، بأني محظوظ، أكرمني الله بجزيل وحسن البخت، فوجدتني ثريّا، موفور الثروة من الطراز النادر القليل، تتمثل في أصدقاء تحسبهم بشرا يزلّون، فتراهم أقرب إلى الملائكة الطاهرين، على الأقل فيما لي ونحوي يحملون. أكثرهم صمدت صداقتهم ووفاؤهم عقودا، زاد بعضها عن الخمسة، وهي كالتبر الخالص أو الجوهر النقي، لا تزيدها الأيام إلا بريقا ولمعانا. ثمّ إنهم، من فضل الله عديدون، بالله وبالصداقة مؤمنون، يؤدون لله فرائضه وللصداقة حقها بإخلاص ويقين. لو أردت تعداد أسمائهم هنا، لضاق المجال، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر رحمة الله الرحمن الرحيم. إن ما جرّني إلى العودة لذكر الصداقة والأصدقاء، هو العمل بقول الله سبحانه: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}…

فها أنا أذكر وأكرر الذكر، عملا بقوله تعالى: {وأما بنعمة ربّك فحدّث}، فأقدّم أحد هؤلاء الأصدقاء الذين سعدت وأسعد، ونعمت وأنعم بصداقتهم. أقدمه لا تكرّما مني، ولا تعبيرا عن مودّة تفضيليّة، بل قياما بواجب نحو الوفاء للصداقة طبعا، بل قبلها وبعد، وفاء للعلم، وتقديرا لأهله الخُلّص اللامعين، إذ منهم صديقي هذا الذي تعلم وعلّم، فكأنه القائل: (تعلَّمْ فليس المرءُ يولدُ عالماً.. وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ)…

وما هذا الصديق إلا العلامة النحرير، الدكتور إبراهيم شبوح حفظه الله ورعاه الذي، لو أردت سرد سيرته الذاتية احتجت إلى خمس أو ست صفحات. فسأحاول إذن اقتضابها واختصارها فيما يكفي لمعرفة مقامه ممن لم يعرفه بعد. بدأ مسيرته بالانتساب الى الجامعة الزيتونية بتونس، فتخرج منها بشهادة التحصيل، ثم من جامعة القاهرة حصل على الإجازة في التاريخ والآثار الإسلامية، ثم نال من نفس الجامعة الماجستير في العمارة الإسلامية بدرجة ممتاز. 

أما بجامعة السوربون فقد اشتغل مع الأستاذ كلود كاهين في إعداد دكتوراه دولة، وبجامعة القاهرة اشتغل مع الدكتور فريد شافعي لإعداد رسالة دكتوراه في العمارة التاريخية. حصل بعد ذلك على رتبة أستاذ بحوث (أستاذ محاضر) بملف علمي ناقشته لجنة جامعية دُولية عام 1975، ثمّ أستاذ كرسي بملف علمي ناقشته أيضا لجنة جامعية دولية سنة 1984. 

دخل بعدها معترك الحياة والعمل، فها هو يتقلد من الوظائف أسماها ومن المسؤوليات أهمّها منها مثلا، خبير بالمديرية العامة للآثار والمتاحف بدمشق، ثم أستاذ العمارة والفنون الإسلامية بالجامعة التونسية، ليتركها ويعود إلى منطلق مسيرته التعليمية، أعني الجامعة الزيتونية، ليُدرّس هذه المرة، مناهج البحث في الحضارة الإسلامية، وبعد ست سنوات بها، انتقل للعمل كباحث بالمعهد القومي للآثار والفنون، ثم تولى إدارة الآثار الإسلامية بتونس. ترك بعد ذلك الكتب الحجرية ليتولى الكتب الورقية، فها هو مدير عام المكتبة الوطنية بتونس طوال خمس سنوات. اختير بعد ذلك خبير شؤون التراث بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومن هناك، ها هو مستشار لدى وزير الثقافة طيلة ثلاث سنين، ليصبح أمين المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بمؤسسة آل البيت، ثم يتولى إدارة مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ويصبح مستشار سموّ الرئيس الأعلى – المجمع الملكي سابقا-.

علامة هو من العاملين بعلمهم، المنتجين المفيدين، فغني هو عن تقديمي أو تعريفي، لكن كرمه أوجب الوفاء، إذ هو صديق أهداني صديقا، بل أصدقاء. ألم يقل الحكماء العارفون: "الكتاب خير جليس لمن يريد الخير لنفسه، وهو صديق من لا صديق له. يرضيك إذا كنت غاضبا، ويسرك إذا كنت حزينا، ففي صفحاته تسلية، وبين سطوره حكمة وعبرة، وهو حبيب لك؟ " فها هو العالم الفاهم لقيمة العلم والكتاب، يهديني، والصديق الحق يهدي ويجود، لا كتابا واحدا، بل أربعة كتب أو هي خمسة، بين كثيف ونحيف، كلها من إنتاجه وسيل قلمه، أو من مراجعته وتصحيحه، فأصبحت الهدية مضاعفة. 

العلامة إبراهيم شبوح، لمن لا يعرفه، من مواليد عاصمة الأغالبة مدينة القيروان العظيمة، ذات التاريخ الثريّ المجيد. فلا غرابة أن يأخذ ابنها إبراهيم مشعل العلم مستلما إيّاه من الذين شيدوا مجد القيروان، فيرفعه عاليا كما رفعه السلف. فالقيروان كانت أول عاصمة للإسلام في شمال إفريقيا، من رجالاتها الكبار الشيخ عبد الرحمان خليف، إمام مسجد عقبة بن نافع، الذي عرف بعلمه وورعه وفتاواه. كثيرون غيره خلفوا الكثير المفيد، إذ اشتهر فيها أعلام وفقهاء وأدباء وشعراء، بلغ إشعاعهم أقاصي الدنيا، عبر ما نشروه من علوم وفقه وأدب. ففي هذه المدينة، عاش، وأثمر، وأفاد، والآن يرقد، الكثير من الأعلام والشعراء من إفريقيا، والأندلس، والجزيرة العربية. فيها عاش ابن رشيق القيرواني، وابن شرف، والإمام سحنون، والحصري. وها هو اليوم، وفي عصرنا الذي خسر فيه العلم الواسع الشامل مرتبته الأولى، واحتلها المال والدينار، فبقي العلم وراءه، لولا العلامة ابن القيروان الأستاذ إبراهيم شبوح وبعض أمثاله. 

أما هديته، التي لا أفيه حقه عليها، إن شكرته فهي، بقية الكتاب الثاني وأول الكتاب الثالث، الجزء الحادي عشر، من كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، تأليف العلامة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون، قرأه وعارضه بأصول المؤلِّف، إبراهيم شبوح الذي سبق وأن أهداني المجلد الأول، إذ هي سلسلة ينشرها تباعا، بعد المراجعة والتصحيح والمعارضة. مع هذه الدرّة الثمينة، جاءني منه: شهادة معاصر لخير الدين، عدد من مجلة المنارة للبحوث والدراسات، التي تصدرها جامعة آل البيت، بالمملكة الأردنية، ودراسة عن "مواد صناعة الكتاب المخطوط،" وأخرى عن "ابن خلدون وتصنيف أزمنة تاريخ المسلمين ومسائل أخرى“، ومقالات ودراسات مهداة الى الدكتور صلاح الدين المنجد من منشورات مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي. 

فقيّم أيها القارئ المتعطش، وأنت أيتها القارئة الظمآنة، ثمن الهدية فكريا وعلميا، وما سأجنيه منها من فوائد، ومعارف، ومعلومات، ودرر، ولا شك أن تقييمكما سيضع صديقي العالم العلامة، في أعلى مرتبة ومقام، هو جدير به ومن حقه وضعه فيه، ووضع كل عالم عامل بعلمه، واهبه متبرّع به، غير محتكره ولا باخل به. إن ملاحظتي هذه، أو حكمي أو رأيي، جاءت به مقارنة – وما أكثر مقارناتي – بين وضع العلم اليوم، والعالم يعيش أكثر مراحل حياته تطورا تقنيا، وسهولة وبساطة كتابيا، وسرعة وإتقانا نشرا وتوزيعا، وبين ما كانت عليه الأمور في السنين الخوالي، والماضي البعيد والقريب. 

أدت بي تلك المقارنة إلى الشعور بنوع من الحسرة والأسف، لأني بدل التقدم والتوسع، وجدت التقهقر والانحسار. فها هو ابن خلدون مثلا، يترك لنا أربعة وأربعين مؤلفا، يكفي أن نضع مقدمته في الميزان، حتى نعلم ثقل وقيمة وأهمية ما ترك، خاصة إذا لم ننس، كيف وبأي قلم وطريقة كان يُكتب وينسخ فيوزع، وتحت أي نور كان يتم الإنتاج والعطاء. ننتقل بقفزة إلى القرن العشرين ونرى أحد كبار الكتاب وأغزرهم إنتاجا، ونعني المرحوم طه حسين، فنجد إنتاجه يساوي إنتاج ابن خلدون عددا، وإن زاد فبقليل جدا، لأنه حسب تحرينا لم يزد إنتاجه عن الثلاثين كتابا. 

أما العقاد فقد يقال أن مؤلفاته فاقت المائة، وحتى لو كانت في هذا الرقم مبالغة فهو يدل على إنتاج غزير، دون الحاجة إلى التذكير بقيمة ما يكتبه وبأهميته المعرفية الفكرية. كنا وكان إنتاجنا الفكري غزيرا ثمينا بليغا، يجد فيه القراء المتعطشون، والرواد الفاهمون ما يغذي العقول ويزيد من المعرفة، وهو ما تطمئن له نفوس المؤلفين، فينكبون مواصلين العمل المفيد والإنجاز الثمين. لكن، وأقول لكن بكل أسف وحزن، بهتت صورة الكتاب وقل رواجه، واحتلت مكانه مواقع على الشبكة العنكبوتية، تضر اللغة والعلم أكثر مما تفيد. 

رغم هذا، فصديقي، وأقولها بكل اعتزاز، لم يأبه بكل التغيرات، وها هو يواصل بثبات وإيمان، العمل، وكدت أن أقول الجهاد، في سبيل نشر العلم والثقافة الصحيحين الأصيلين الراسخين. أليس من حسن الحظ مصادقة علامة من هذا الحجم والطراز، حتى يثبت ما جاء في تلك الحكمة التي تعلمناها في طفولتنا من (جالس العطار طاب بطيبه.. ومن جالس الفحام نال سواده). فها أنا، وأمثالي كثيرون، جالست وصادقت علامة عاملا بعلمه، ناشره ما استطاع نشره، مبلغه إلى مدى يبلغه صوته، أو يصله كتابه، وليس في الإمكان أكثر مما كان.

محمد نجيب عبد الكافي 

مدريد في 30-3-2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع