مقالات

سالم الكبتي

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (1972-1976) [9-9]

أرشيف الكاتب
2022/05/24 على الساعة 05:45

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (1972-1976) [9-9]

(تجربة شخصية).. مسيرة بدأت ثم توقفت 

وهكذا فأن الأعمال الجيدة ربما لاتدوم طويلا. ينتهي عمرها قصيرا لكنها تبقى في الذاكرة والقلوب التي في الصدور. إن الكثيرين يشعرون بقيمة الأشياء بعد زوالها وإنتهائها. لايدركون قيمتها في وقتها.. يحاربونها أو تستعر غيرتهم حقدا وحسدا…

لقد أدركت ذلك بنفسي شخصيا عند من بدلوا مواقفهم فبعد توقف اللجنة بزمن ولم يعد ثمة من يجمع أو يتابع التراث بالصورة العلمية شعر الكثيرون بأهمية ماقامت به وأنجزته في فترة وجيزة من الأعوام ولعلهم شعروا أيضا بالحرج من مواقفهم أو بالخسارة التي لحقت بالتراث جراء ذلك التوقف الذي لم يكن مبررا فيما ظلت تلك الجهود التي قامت بها اللجنة مثلا يحتذى ومرجعية علمية يستند إليها على الدوام وحاولت جهات أخرى وأفراد أن تحاكيها وظل موضوع التراث وأهميته يطرق الأسماع بصورة تختلف عن الصورة السلبية السابقة. صار هناك إهتمام عن طريق الإصدارت والمقالات في الدوريات المختلفة والبرامج العديدة الإذاعية مرئية ومسموعة. 

إن تجربة اللجنة فتحت الباب واسعا أمام المزيد من الدراسات والبحوث المتصلة بالتراث الشعبي وكافة فنونه وأغراضه كما أضحى ديوان الشعر الشعبي بمجلديه الأول والثاني نموذجا ممتازا للعمل العلمي الصحيح القائم على نكران الذات في معظمه والعناية بالتراث وظلت طبعات الديوان تعاد عدة مرات من قبل الجامعة وتنفذ على وجه السرعة قياسا حتى بمنشورات الجامعة الأخرى التي لم تر مثل هذا الأقبال الكبير الذي شهده الديوان في الأوساط العلمية والإجتماعية والثقافية وعند كل الناس.

في مارس 1975 مهد الصديق محمد علي الغراف الطالب بقسم التاريخ وعضو جماعة التراث للجنة الوصول إلى راوية كبير وممتاز هو الحاج محمود محمد الشريف بمنطقة الأبيار. ذهبت للقائه صحبة زميلي السنوسي البيجو وصديقنا الغراف وكان ذلك يوم المولد النبوي الشريف.. وهو يوم عطلة رسمية. يتميز هذا الراوية بخاصية لايملكها غيره من الرواة. إنه يحتفظ بالشعر الذي قيل في فترة النفي التي لحقت كثيرا من الليبيين إلى الجزر الإيطالية مع بداية الغزو الإيطالي لليبيا دون غيره من الرواة في واقع الأمر. كان لصيقا بشاعر المنفى الشهير الفضيل حسين الشلماني. نصوصه وقصائده وثقت لهذا الجانب أكثر من غيره وظل الحاج محمود راوية منذ شبابه للشاعر الكبير. ولولا هذا الراوية وصدق معلوماته التي كان مصدرها الشاعر نفسه.. لما عرف الليبيون شيئا عما دار من معاناة وهوان لأهلهم في تلك الجزر. نشرت النصوص في المجلد الأول وظلت مصدرا لحياة المنفى التي عاصرها الليبيون بمرارة. لقد ذكر الشاعر أسماء المنفيين الذين رافقهم والظروف اليومية التي عاشوها خلال مرحلة النفي.. عملية الترحيل والوصول والأوبئة والأمراض والوفيات والمهانة وإنقطاع أخبارهم عن الأهل والحنين إلى الوطن. كان الحصول على هذا النوع من الشعر الشعبي الوطني نصرا للجنة جمع التراث وصار يتردد على الشفاه ويستفاد منه في قضية النفي والأبعاد. وهذا مثل واضح وجلي لبعض ما تداركته اللجنة وأعضائها لجوانب التراث المجهولة والحرص على عدم فقدانها أو إهمالها.

خلال إعداد المجلد الأول كان ثمة توزيع في المهام.. أختيرت النصوص لمجموعة من الشعراء وتم الإتفاق بشأن نشرها. تولى د. الساحلي الشروح والتعريفات للكلمات الغامضة ومراجعتها وتدقيقها وقام د. فنوش بأعداد المقدمة الشاملة والوافية للمجلد شرح فيها منهج العمل فيه والخطوات العلمية المتبعة حياله كما أعد الفهارس للشعراء والقوافي والأسماء وثمة معجم للحيوان والطير الواردة في النصوص وتعريفات لها وأوصافها حسب ورودها في تلك النصوص أنجزه أيضا د. الساحلي. وكان الزميل السنوسي البيجو يتولى تدقيق وتفريغ النصوص من الأشرطة وهي عملية شاقة في الواقع فيما توليت مهمة إنجاز تراجم الشعراء ومناسبات القصائد وقام بطبع النصوص ومايتصل بها الزميل حسن بالعيد. وعلى وجه العموم كان العمل في مجمله يسير بروح واحدة وتعاون إلتزم الصدق ونكران الذات وعندما تم الإنتهاء من هذه المهمة  صدر المجلد الأول بأسم (لجنة جمع التراث) ولم تذكر أسماؤنا جميعا ممن شارك في هذا العمل إضافة إلى أنه إكتمل وصدر وباعته الجامعة في مراكز التوزيع داخلها وخارجها دون إستلام أية مكافأة مقابل ذلك أو المطالبة بها منا جميعا.

في نهاية العام 1975 وضعت الكلية نظاما إداريا يتحدد في تخصيص موظف منها يكون أمينا (سكرتيرا) لكل قسم من الأقسام العلمية بها وعلى هذا الأساس أخترت أن أكون في تلك المهمة أمينا إداريا لقسم التاريخ لكن صلتي لم تنقطع بالتواصل مع الزملاء في اللجنة وإستمرار التجهيز لصدور المجلد الأول. 

ومع بداية العام 1976 دخلت الجامعة في مرحلة عاصفة من تاريخها تواصلت ولم تنته: مواجهات بين الطلبة والسلطة التي أنكرت حقهم في تشكيل إتحاد طلابي مستقل. وشهدت تلك الفترة مواجهات بين الطرفين وصراعات عنيفة إنعكست من بعيد على ظروف العمل في لجنة جمع التراث. في إبريل 1976 سيطرت (الطلائع الثورية) على الجامعة في طرابلس وبنغازي وقامت بطرد وإبعاد مجموعات من الطلبة وحرمانهم من مواصلة الدراسة وألقي القبض على العديد منهم وقدموا إلى محاكمات خاصة كما عزلت في الوقت ذاته مجموعة من أعضاء هيئة التدريس من غير (المرضي عنهم) عند تلك الطلائع والسلطة وكذا مجموعة من موظفي الجامعة. وترتب عن هذا إبعاد الزميلين د.يونس فنوش والسنوسي البيجو وإخراجهما من الجامعة وإلتحقا بأعمال أخرى نتيجة لهذا الأبعاد الظالم الذي نال الكثيرين. ولكن رغم ذلك تواصلت الجهود خارج مقر الكلية بمتابعة إعداد طبع المجلد وضرورة صدوره ونشره رغم كل العوائق. وبهذا فأنه لم تعد هناك لجنة. كانت اللقاءات تتم في بيت د. الساحلي وأجريت الأتصالات مع دار الحقيقة في بنغازي للقيام بالطبع وهذا ماتحقق طوال الفترة الباقية من العام 1976.صدر المجلد بنجاح في طبعته الأولى في يوليو 1977وتلازمت مع الطبع جهود المراجعة والتصويب إلى الإنتهاء من ذلك.

كان الصدور ناجحا وفوق المتوقع. قوبل من الجميع بالترحاب والأحتضان ونتيجة لنفاذ تلك الطبعة تولت إدارة المطبوعات والنشر في الجامعة إصداره عدة مرات أخرى في مطبعة بروما تتبع الأستثمارات الليبية ويديرها الأستاذ محمد مصطفى بازامة وكالعادة كانت لمسات الأستاذ عبدالرحمن الشريدي مدير الأدارة المذكورة وراء تواصل صدور الطبعات بلا توقف كما تولى الأستاذ أحمد القلال مراقب عام المكتبات والطباعة والنشر بالجامعة إصدار المجلد في مرة تالية نتيجة للنفاذ عن طريق سحبه مصورا بواسطة ألات التصوير في المكتبة المركزية. ذلك كله دل على إقبال الناس على تراثهم الذي إقتربوا منه وصافحوه بعيونهم قراءة وإهتماما ومتابعة جادة  ولم تتوقف أسئلة المهتمين إلحاحا على الحرص المستمر على الطباعة متى ما نفذت الكميات المطبوعة.

ومع مرور الأعوام وتوقف اللجنة لعدة أسباب منها التغيرات التي طرأت على الجامعة وإدارات الكلية اللاحقة التي ضربت صفحا عن الأهتمام بأستمرار وجود اللجنة.. مع ذلك ولوجود إهتمام من بعض المسؤولين في الجامعة فقد كلفت الكلية د. علي الساحلي وسالم الكبتي عام 1992 بأصدار المجلد الثاني من ديوان الشعر الشعبي وأنجز هذا العمل بنفس خطوات.. سابقه (المجلد الأول) بالبحث فيما تبقى من (تراث اللجنة) الذي ضاع وفقد أغلبه نتيجة للأهمال وعدم الشعور بالمسؤولية وتم أيضا الحصول على نصوص جديدة وتسجيلات أخرى لينتهي العمل بأصدار المجلد الثاني عام 1993.

مرحلة شهدتها الجامعة في بنغازي وكانت من أنجح نشاطاتها العلمية وهي تظل موضوعا متاحا لدراسته من قبل الباحثين وإعادة تكوينه.. من جديد لو صحت العزوم وصدقت النوايا !

سالم الكبتي

- راجع الحلقات السابقة بـ ارشيف الكاتب

* الصور والوثائق: (1) مسودة قواعد ضبط كتابة الشعر وضعتها اللجنة مقاربة للفصحى. (2) الشروط الفنية لطبع مجلد الشعر الشعبي التي خاطبت بها اللجنة بعض دور النشر والطبع في بيروت. (3) رسالة د. علي الساحلي رئيس لجنة جمع التراث تفيد بالإنتهاء من إعداد المجلد الأول وطلب طباعته في بنغازي. (4) رسالة من د.الساحلي رئيس لجنة جمع التراث مؤرخة في 2 يوليو 1975 وموجهة إلى سالم الكبتي تقضي بأختياره أمينا لسر اللجنة. (5) غلاف المجلد الأول من ديوان الشعر الشعبي الصادر عام 1977، طبع دار الحقيقة بنغازي. (6) غلاف المجلد الثاني من ديوان الشعر الشعبي الصادر عام 1993 بأعداد د. علي الساحلي وسالم الكبتي.

 

 

كلمات مفاتيح : التراث الليبي،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع