مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. صديق والعرب

أرشيف الكاتب
2022/05/21 على الساعة 00:26

فى يوم 18 أبريل/ نيسان من عام 2006 لبى نداء ربّه صديق ليس ككل الأصدقاء، لاختلاف شكل الروابط التي قرّبتنا. إنه الحاج أحمد الصالحين الهوني، الذي كان رحمه الله، شعلة ذكاء، طويل اللسان صريحه، خفيف الروح كثير المزاح، عرف كيف يجابه الحياة وتقلباتها فاحتل فيها مراتب بارزة مشرفة. أسماها في نظري وزارة الإعلام بليبيا، وبعث صحيفة العرب بلندن، فكانت أول صحيفة عربية تصدر بالمهجر، والتى شارك فى تاسيسها وترأس تحريرها فى البداية الصحفي الموهوب رشاد الهوني. كانت أيضا مدرسة كونت عددا كبيرا من الصحفيين المشاهير اليوم، وبكل اعتزاز أقول أني كنت مراسلها وممثلها في إسبانيا، باسمها صُلت وجُلت، وترأست نادي الصحافة العالمي، وبعثت، صحبة الصديق سعيد العلمي مراسل المرئية الكويتية آنذاك، مستهل الثمانينات من القرن الماضي، جمعية الصحفيين العرب بإسبانيا، فوضعنا مسودة قانونها ثم أسسناها بمعية محمد شاقور مدير الوكالة المغربية، وقاسم عبد الكريم ممثل الوكالة العراقية، وعدد آخر من الزملاء.

باسم صحيفة العرب أيضا عقدت منتديات وموائد مستديرة، حول مواضيع شتى تتعلق بليبيا آخرها -على ما أذكر- انتفاضة السابع عشر من فبراير، إلى جانب الكثير من النشاطات الإعلامية حتى أصبحت العرب، الجريدة العربية الأكثر ذكرا، وأوفر حركية ومشاركة في أهم الندوات والمناسبات الرسمية والإعلامية والاقتصادية.

عرفت الحاج أحمد رحمه الله، عندما جاء طرابلس تاركا سبها، حيث، كان مدير التجارة في ولاية فزان، المملكة الليبية المتحدة، فتعرّض وهوجم بوشايات ومشاكل، ففصل عن العمل. رفع قضية في المحكمة العليا، فأنصفت وقضت بإعادته الى الوظيفة. وعندما ألغيت الولايات انتقل الي طرابلس وبدأت رحلة الصعود. إذاك عرفته. فعرفت الصراحة والبلاغة المَرِحتين المؤدبتين. كان لا يزال مهمشا منتظرا المناسبة والفرصة، فكان يقول لي " عندما أتولى منصبا كبيرا أتخذك مستشارا، كما يفعل الكبار بتعيينهم مستشاريهم من الأجانب. فأنت منا وإلينا لكنك لا تحمل جزازا ليبيا، فأضرب بك عصفورين“.

إن الحديث عن الحاج أحمد يطول ذكره وهو ثري بالمعلومات المفيدة، وسيذكره الكثيرون. فمنه تدينه، وعروبته، وصداقاته برؤساء وكبار الحكام العرب، وما شابه ذلك، فسأقتصر على ما لا يعلمه الآخرون. كنا بدار الإذاعة، وهو وزير الإعلام، نبحث معه عن عناوين برامج ومواضيع ذات طابع ليبي، فتعددت الاقتراحات وعندما جاء دوري قلت: نسيتم السنوسية ودورها الإنساني والتبشيري في إفريقيا. صاح الحاج فرحا وكاد يحتضنني مترحما على والدي، فكان خير جزاء. 

أذكر أيضا أني كتبت من مدريد مقالا بعنوان "ابنوا لنا مسجدا" لأننا كنا نصلي في شقق خاصة، أو حتى في مستودعات السيارات. ثم عاودت الكرة في صورة رسالة من المسلمين بمدريد، يشتكون خلافات ممثلي السفارات الإسلامية، التي أدت إلى دفن مشروع بناء جامع يليق بالدين وأهله. فهم رحمه الله قصدي، فإذا به يكتب افتتاحية عدد من أعداد الصحيفة عن الموضوع، فسررت لأني فهمت أنه اعتنق المشروع. لم يخب ظني، لأن الحاج أحمد كرر كتابة الافتتاحية حول الموضوع، بشيء من الشدة والإلحاح، وفهمت أن القوس أعطيت باريها. فها هو الحاج أحمد الصالحين الهوني، يغتنم فرصة لقاء بالعاهل السعودي وإجراء حديث صحفي معه، فيفاتحه ويشرح له في نهايته، موضوع الجامع وتعثره، بلباقة وصراحة معروفتين عنه. فما كان من العاهل السعودي إلا الاستجابة في الحين، ويقرّر تخصيص مبلغ لإتمام المشروع. فتحركت الضمائر الخجلة، وما هي إلا فترة قصيرة، حتى تم تشييد، لا جامع فقط، بل مركز ديني ثقافي بكل مصالحه وأقسامه، منها مسرح بخمس مائة مقعد به كل المتطلبات العصرية، وقاعات تدريس، ومصحة الى غير ذلك. إنه اليوم ما يدعى " المركز الإسلامي الثقافي"، أكبر أو من أكبر المراكز الإسلامية بأوربا. فلا أبالغ اليوم إن قلت: إن المركز الإسلامي الثقافي بمدريد تأسس بفضل مجهودات الحاج أحمد الصالحين الهوني.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 18 أبريل 2022.

* ملاحظة: أخرت نشر هذه الخاطرة لتصادف تاريخ وفاة الفقيد مع شهر رمضان المعظم فتحاشيت التذكير بما يؤلم ويحزن.

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

راجع:

 - المهدي الكاجيجي: الهوني.. وصحافة المهجر

- يونس شعبان الفنادي: صحيفة (العرب) الليبية العالمية اللندنية

- محمد الهوني: 'العرب' بعد عشر سنوات من رحيل المؤسس

- صدور "سيرة أب.. صورة وطن" للكاتبة الليبية فوزية الهوني

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع