مقالات

عبدالمنعم المحجوب

في تأويل الأثر الصّوفي [2]

أرشيف الكاتب
2022/05/16 على الساعة 15:43

مع نمو ظاهرة التصوّف وتطورها تاريخياً، وشغلها حيزاً بارزاً في الثقافة الإسلامية، نشأ معجم صوفيّ متكامل يشترك أغلب الصوفيّين في ألفاظه العامة ويستقلّ بعضهم بألفاظ منه واصطلاحات لا تُنسب لسواهم، حتى أن بعضها لا يُفهم إلا بوصفه كلّاً متّصلاً ينأى بمفرداته ومفاهيمه عن آثار أخرى تبدو مماثلة في ظاهر خطابها، أو في تشابه تراتيبها الأسلوبية، ولكن كلّاً منها يتبع نسيجاً متفرّداً، ويظلّ «مكتفياً بذاته»، أو كأننا نقول «متوحّد» و«مستقلّ» عمّا سواه،  مثل فصوص ابن عربي أو طواسين الحلاج أو إنسان السهروردي، فهذه النصوص الثلاثة، على سبيل المثال، تقترب وتبتعد من المصطلحات الأصولية، وقد تستعيرها أو توظّفها بشكل أو بآخر، من جهةٍ، ولكنها لا تُطابقها، كما أنها تقترب وتبتعد من بعضها بعضاً من جهة أخرى، دون أن تتطابق توظيفاتها الدلاليّة تماماً، ولكنها من جهة ثالثة، لا تختلف أو تتضادّ في ما بينها، بل تتكامل وتتضامّ. 

فمفهوم الله مثلاً يمرّ على مطيافٍ من الدلالات في هذه المستويات المختلفة/المتقاربة. وبالرغم من أن هذا المفهوم مشتركٌ لا يخلو منه مصنّف من مصنفات العرب التراثية على الإطلاق، إلا أن دلالة «الله» التي تبدو واحدة إذا أُخذت على فهم عامٍّ، لا تكاد تستقرُّ بين نصّ وآخر، أما إذا جئنا إلى النصوص الصوفية فإننا نجدها تنفي سواها وتنماز عنه، حيث يتكثّف مفهوم الله –وكلّ ما هو إلهي من متعلّقات الربوبيّة– ويأخذ في الانزياح تدرّجاً فيتشبّع بفهم آخر يختلف دلالياً بين عدّة مستويات.

لمقاربة هذه التعدّدية يمكننا التفكير في الاختلاف بين الله الأصولي، أي كما عبّر عنه الأصوليّون – سنةً (وفي ذلك تفاوتٌ معياريّ) وشيعةً (وفي ذلك تفاوتٌ تأويليّ) وغيرهم (وفي ذلك تفاوتٌ لا معيار له) – وبين الله الصوفي، أي كما عبّر عنه المتصوّفة الكتّاب، إذ نستطيع أن نرى في التعبير الصوفيّ إحالةً تنقل المفهوم المتداول المعتاد، بما فيه من تشتّت وعدم اتفاق، إلى مستوىً جديدٍ من الفهم والتصوّر يختلف من كاتب إلى آخر. فالله بشكل عام في الخطاب الصوفيّ وجودٌ أو روحٌ كونيّ لا يستقلّ عن وجود الكائنات، فهو لا يُعرف بغير الإنسان الذي يمكنه أن يلتقط «الذبذبة» الكونيّة فتحلّ فيه بدناً (الحلاج)، أو هو يستغرق الموجودات ويتخلّلها فيوحّدها في دائرة كونيّة واحدة (ابن عربي)، أو يتراءى تماهياً للإنسان وفيه فيسمو عن الخلق ويكمل دونهم (السهروردي)، وعلى تعدّد هذه التدرّجات فإنها تختلف في مواقع التوظيف الدلاليّ، ولكنها تتفق في الآن نفسه من حيث الاتفاق على وجود الله متّصلاً وجوداً وفعلاً، وتلك غاية التوحيد، وهو ما لا يخالف النصّ الأصولي، وإن ابتُكِر له تأويل جديد، ولكن مثل هذا التنوّع الثريّ لا وجود له في الفهم الأصولي الذي يخضع لمنطق أرسطي محدّد سلفاً. لقد قُتل الحلاج، وقُتل السهرورديّ، وكاد ابن عربيّ أن يُقتَل، وما ذلك إلا لاختلاف مقالهم الذي لا يضّاد أو يتناقض حقاً مع مبدأ المنطق الأصولي وحُمَّة منشأه، بينما لم يكن هذا يرى إلا الأبيض والأسود في تسلسل المطياف، دون أن يسمح لا بالتجديد وتحريك المعقول، ولا باختلاف اللغة أو مجانبة المنطق المنقول. 

عبدالمنعم المحجوب

(*) من مقدمة «كتاب الظباء»، يصدر قريباً عن دار تانيت. 

راجع: 

- عبدالمنعم المحجوب: في تأويل الأثر الصّوفي [1]

- عبدالمنعم المحجوب: في بعض آداب الصوفيّة

- عبدالمنعم المحجوب: في تأويل الخمر الصّوفي

 

كلمات مفاتيح : التصوّف،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع