مقالات

جمال صالح الهنيد

سأكون معهم في الجنة قريباً

أرشيف الكاتب
2022/05/14 على الساعة 02:07

أجرى ابني مالك عملية جراحية على ذراعه قبل اسبوعين في مستشفى جامعة كاليفورنيا - لوس أنجيليس University of California-Los Angeles وهي التي تكتب اختصاراً (UCLA). لم يكن هذا المستشفى بغريب عني وعن مالك، بل كنّا نعرفه تمام المعرفة لكثرة علاج  مالك ومكثه فيه.

كانت لي فيه ذكريات وذكريات وذكريات...

كم جلستُ في غرفة مالك أنظر إليه وهو نائم! وكم جلستُ في غرفة العائلات انتظر خروج الطاقم الطبي من غرفة مالك! وكم وقفتُ في بهو المستشفى ومشيتُ في ردهاته بخطوات بطيئة مثقلة بهمومٍ لا حصر لها، والقلبُ مفعمٌ بشعور يصعب وصفه، شعور يجلب الاكتئاب والإحباط والأحزان، ويستثير الهموم والأشجان... فيحطُّ اليأس برحله فوق تضاعيف الفؤاد حتى يصل اليأس أحياناً لأعلى مراتبه... مرتبة القنوط. 

كنت أدفع عن مالك تلك المشاعر التي تنتاب مرضى السرطان؛ من اكتئاب واحباط نفسي، مشاعر تقود لليأس من الشفاء، فكنتُ أذكّره بالكلمة الشهيرة: "لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة". 

كنت أدرك دهاء اليأس وخبثه، وتسلله إلى قلوب الذين احلولكت أمامهم الطرقات، وادلهمّت عليهم الخطوب، وأُوصِدت من دونهم الأبواب. أولئك الذين عرف اليأسُ كيف يكسب المعركة ضدهم ويهزمهم، وينصب راية النصر في قلوبهم ويحتلها احتلال دائم، ويقطع طريق الأمل في عقولهم. ولا أخفيكم سراً إن قلتُ إنني كنت أطرد تلكم المشاعر بتفكّري لتحذير الله للقانطين واليائسين ... ولولا ذاك التحذير لفعل فيَّ اليأس ما فعله في قلوب كثير من الناس.

في أحد أجنحة هذا المستشفى الضخم وفي الدور الخامس منه، يوجد قسم أمراض السرطان الخاص بالأطفال. جناح كنت أزوره عندما كان مالك مريضاً في قسم الكبار فيه، وانقطعتُ عن زيارته بعد أن منَّ الله علينا بشفاء مالك. 

بينما أنا في انتظار انتهاء عمل مبضع الجرّاح في ذراع مالك، الذي كنت أعرف مسبقاً أنه سيستغرق ثلاث ساعات على الأقل، قررتُ أن أذهب لأزور مرضى السرطان في قسم الأطفال كما كنت أفعل سابقاً. 

رؤية الأطفال الذين يعانون من هذا المرض العضال، تذكّرني بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام لنا بتذكّر هادم اللذات، بيد أن شبح الموت هنا ليس كشبحه في المقابر. هنا... تدرك أن الموتَ حيٌّ كأنك تراه يطوف في هذا الجناح، وتحس أنه في كل غرفة، يترقب موعداً قد كُتب، وينتظر أجلاً قد وفِيَ، لا يتقدم عنه لحظة ولا يتأخر. 

أمام باب القسم، عقمتُ يديَ، ولبستُ الكِمامة، وفتحت الباب ودخلت، وما أن رأيت أول طفل في غرفته وقد هدّه المرض، وأضعفه العلاج الكيماوي أو الإشعاعي، فأسقط شعره وأشحب لونه وأوهن جسده، حتى حمدتُ الله على رحمته ومنّه وفضله أن متعنا بمالك في سنوات طفولته وصباه وشبابه، فكان في أتم قواه وصحته، ولم يشتك من شيء في ذاك العمر. ولَم يصبه المرض إلاّ في العشرينيات من عمره.

مرت ذكريات مرض مالك في خاطري وأنا أسير بتؤدة في الممر بين الحجرات، التفتُ إلى وجوه الأطفال، لعلّي أتعرّف عليها، ولكنها كانت كلها وجوه جديدة، ملامحها عليَّ غريبة. 

وفجأة في نهاية الممر، وفي آخر غرفة، رأيتُ فوق السرير وجهاً ملامحه ليست بغريبة عني، تمعّنت فيه، فرأيت في عينيه بريقاً أذكره جيداً وإن بدا خافتاً، كان نفَسُه ضعيفاً واهناً لا يكاد يرفع صدره ويخفضه، يساعده في تنفسّه ذاك، أنبوب غاز الأكسجين المثبت في منخريه. 

وعندما رآني، أثبت عينيه الذابلتين في عيني، ورفع ببطء أصابع كفّه مرحباً، فلما اقتربت منه ابتسم ابتسامة صارع عضلات وجهه الشاحب ليرسمها على شفتيه، وقال: "أنا أعرفك... أنا أتذكّرك"... وضعت كفّي فوق كفّه وقلت كلمات اواسيه بها، كلمات؛ لا أشك أنه اعتاد سماعها من كثير من الزوّار المشفقين... 

لم أَجِدْ بعدها ما أقول! فساد الغرفة سكون ٌمطبق، وصمتٌ مُربك، وزاد من هذا الارتباك تعلّق عينيه بعيني، ولأقطع هذا الصمت قلت له: "لم أتعرف على أحدٍ من الأطفال... أنت الوحيد الذي عرفت منهم". 

التفت في اتجاه الباب، ثم نظر إليَّ معلّقاً عينيه بناظري وقال بصوت ضعيف: "كل الذين تعرفهم ذهبوا إلى الجنة"... وفاضت عيناه ونزلت دمعة رقراقة من مآقيه ورفع بصره إلى سقف الغرفة يشير به إلى السماء ثم أعاده، ونظر إليَّ وهمس بصوت خافت لا أكاد أسمعه: "وسألحق بهم قريباً".

جمال صالح الهنيد

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع