مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. اسمها يـرهـب

أرشيف الكاتب
2022/05/12 على الساعة 11:43

الاسم يرهب قبل الأيدي أحيانا.. أقولها ولي على ما أقول برهان ودليل. خطر لي هذا التفسير وأنا أقرأ وأسمع اسم ليبيا يتردد بكثرة منذ عقد ويزيد، "مزدانا" بكل ما يحمل في طياته: من عنف، وسوء، ووضاعة، وضياع الثقة، وانعدام الأمن، وانتشار الفقر، وتوسع الضلال، وتمركز التبعية، وقائمة طويلة مما لا يصدّقه عاقل، ولا كان يتصوّره عارف مطّلع…

ما هو أسوأ وأمر، تصرّف الأجانب في حاضر ومستقبل ومصير ليبيا. ومما يؤسف له أكثر، ضلوع بعض أبنائها الضالين، فيما تتعرض إليه الأم الفريسة. ذكرني كل هذا، بما يحمله من ألم، وتعب، ومشقة، وذل، واحتياج، كيف كان يكفي النطق باسم ليبيا ليرهب سياسيا، وسمعة، صغار الدول وكبارها.

سأبرهن على ما أقدّم لقارئات وقراء هذه الصفحة،، حدثا تاريخيا لأني كنت فيه من المشاركين الفاعلين. اغتيل الزعيم التونسي صالح بن يوسف أمين عام الحزب الحر الدستوري مساء يوم 12 أغسطس 1961 بمدينة فرانكفورت الألمانية، وهو على أهبة امتطاء الطائرة المتوجهة إلى غينيا، ملبيا دعوة رئيسها أحمد سيكو توري لحضور مناسبة كبيرة هي مؤتمر دول عدم الانحياز. كنت يومها بصحبته حتى منتصف النهار بمدينة فيسبادن القريبة، ثم ودعته وركبت القطار فكان وداعا أبديا. توقفت بمدينة أخرى حيث قضيت ليلتي. لكن قرابة الساعة الحادية عشرة هاتفتني زوجة صديق، طبيب من أشهر الأطباء، متخصص في الأمراض التناسلية والبشرة، عرف ليبيا حيث ساعدته على التسجيل والعمل سنتين، فكان من مرضاه الشيخ سيف النصر رحمه الله. أخبرتني السيدة وهي تبكي بأن صديقي صالح، كما قالت، مات. لم تزدني شيئا، فاتصلت بالنزل الذي به زوجة الزعيم فلم أجدها، لكن إحدى المسؤولات أكدت لي الخبر المحزن، فما كان مني إلا النهوض والبحث عن أسرع وسيلة لأعود بجانب الزوجة التي بقيت وحدها وهي لا تجيد إلا الفرنسية كلغة تخاطب مع الأجانب. 

وصلت إليها على الثامنة صباحا فوجدت من سبقني. صديق سويسري صاحب مجلة علمية، فسعدت بوجوده إذ ساعدني على تحويل القضية إلى سياسية لا إجرامية فحسب. بعد يوم أطل علينا رفيق أرسل من القاهرة للتسويف وإضاعة الوقت، لغايات ليس هذا مجالها. أمام إصرار الزوجة على الدفن بالقاهرة، والتسويف الذي جاء من أجله شخص لم يغادر القاهرة، منذ لجوئه في الأربعينات ولا حتى لزيارة الإسكندرية، سارعت بالاتصال برفيق بطرابلس، وبعد أقل من يوم جاءتني برقية مفادها "ليبيا مستعدة ملكا وحكومة وشعبا، لاستقبال رفات الشهيد ودفنه رسميا، وبما هو جدير به من تقدير ومراسم“…

تنفست الصعداء. وتأكيدا لحدسي وتأويلي، اختلى بي، صديق الشهيد وعائلته، وصديقي كمال رمضان من أكبر العائلات بالمهدية، وقال لي خذ بالك من إبراهيم، فهو يلعب على حبلين. عندها زال تردّدي، فجلست وبجانبي الصديق كمال، وخاطبت إبراهيم طوبال قائلا بالحرف: قل للسفير الذي تسافر يوميا إلى بون لتراه، إذا لم نحصل على جواب خلال 24 ساعة، سننقل الرفات إلى ليبيا، وقرأت عليه نص البرقية. كان هذا قرابة الساعة الخامسة مساء. صباح الغد، أعادت الزوجة المسكينة مطالبتي بمرافقتها الى القنصلية، التي ترددت عليها 15 يوما دون أن يستقبلها مسؤول بدعوى مرض القنصل. استجبت في النهاية خشية انهيار قواها، وكم كانت دهشتها، ودهشتي، عندما وجدنا القنصل يستقبلنا بباب القنصلية. 

لا فائدة في التفاصيل. وصلت الموافقة، وأسرعت إلى غلق التابوت بحضور البشير القاضي الذي كان رئيس مكتب الجزائر بليبيا وصالح بويصير الذي أخرج مصحفا صغيرا فتلى، وتلونا، ما كتب الله من كلام الله. بالقاهرة، وعلى سلم الطائرة، همس لي إبراهيم طوبال بأن كل شيء على ما يرام وأبواق الدعاية جاهزة. لكن الحقيقة غير ذلك. صدرت الصحف من الغد، بنشر الخبر في أقل من عشرة أسطر من عمود وتقول "سيمثل الحكومة محافظ القاهرة“…

ثارت ثائرتي فأخذت الرفيق عبد العزيز شوشان، وذهبنا إلى لقاء بطل الريف عبد الكريم الخطابي لاستشارته، وهو الذي قال عنه الشاعر بيرم التونسي:

داخلْ علينا ضِيفْ .. صاحبْ مقامْ عالِي

أَعْظمْ رجال السيفْ .. في عصرنا الحالي

عارْفِينُه يَبْقَى مِينْ .. يا ناس يا ناسْيِينْ

قالو صلاح الدين .. واحد ودَه التاني

ملك جبال الريف .. مالسَّفحْ لِلْقِمَّة

من غير نصير وحَليفْ .. يضرب دُوَلْ عظمى

فرنسا والإسبانْ .. بِعِدّةْ المَيْدان

وهو بالإيمان .. واَحْلِفْ بإيماني

استقبلنا رحمه الله ومدنا بتجاربه ورأيه، فلم أقتنع ولم أقل شيئا. رافقنا الى الباب الخارجي، وفي الحديقة أخذني على يمينه وقال: سألتموني فأعطيتكم رأيي، لكن أي قرار تتخذونه، احسبوني واحدا منكم. وضغط على ذراعي بقوة بعثت في كامل جسدي تيارا من الحماس لا أزال أشعر به. وصلنا إلى جامع ابن طولون حيث رفات الشهيد فوجدنا الميدان والشوارع تغص بالمشيعين المشجعين. استقبلنا رجل قصير القامة، قيل إنه الأمين العام للحزب الاشتراكي العربي، فدار بيننا نقاش وصياح حول الموكب ونوعه ومن سيتقدمه، انتهى بخصام شديد. أمام تشنج الجماهير، صحت مؤكدا بأن طائرة ستـأتينا من ليبيا وسندفنه هناك كما يليق بمقامه. لم تمض على ذكري ليبيا واستعدادها إلا دقائق، حتى تغيرت الأمور بسرعة دلت على أن الاحتياطات مأخوذة. دون سابق إنذار، رأيت باقات الزهور الضخمة تخرج من حيث لا ندري، وفرقة شرف تطل هي الأخرى كما لو لفظتها الأرض، وتحرك الموكب الذي تسارع إليه الوزراء وغيرهم من مسؤولي الدولة. يا سبحان الله، اسم ليبيا وسحره كفى لتصحيح ما أريد كتمانه.  

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 19-2-2022

* الصورة: الزعيم التونسي صالح بن يوسف رحمه الله.

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع