مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (37).. منا والينا

أرشيف الكاتب
2022/05/11 على الساعة 13:37

إن أشد ما يؤسفني هو أن أرى وأشاهد الكثيرين بين أبنائنا من الأجيال الصاعدة، مُعجبين بالغرب وما يأتي منه، يقلدونه دون رويّة ولا تبصّر، يكاد الكثيرون أن يؤلهونه، وينسون أو يتناسون، أن من سنن الحياة دورانها وتداولها، إذ هي أشبه شيء بعجلة الناعورة، تدور من أعلى إلى أسفل، وبالعكس، فإذا بأعلاها يتدرّج نزولا حتى يبلغ الأسفل، وما كان أسفلها يصعد فإذا به أعلاها. سنة الله فيما خلق وسوى، وإرادته التي جعلت دوام الحال من المحال، فجاء التداول الذي مما ذكره الله ليعلمنا ما لا نعلم، قوله سبحانه وتعالى: "إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ".

قيل ويقال وسيقال الكثير عن التداول، من ذلك أنْ لا خلود ولا بقاء ولا دوام في هذه الحياة الفانية، ولا استمرار لأية حضارة، مهما تعاظمت، ولا لقوة مهما سيطرت على غيرها، فلا بد أن يأتي يوم تضعف فيه السيطرة، وقد تندثر الحضارة عن بكرة أبيها كأن لم تكن، لأن الأمور كما يصفها الله تعالى دُوْلَة ومعناها "تحوُّل الشيء من مكان إلى مكان. يقول اللغويون: انْدَالَ القومُ، إذا تحوَّلوا من مكان إلى مكان، ومن هذا الباب تداوَلَ القومُ الشّيءَ بينَهم: إذا صار ينتقل من بعضهم إلى بعض" أما الشاعر الأندلسي أبو إبقاء الروندي فقد لمس ذلك فاعتبر، وأتى بمرثيته البليغة الحزينة وقال: هي الأمور كما شاهدتها دول ** من سرّه زمن ساءته أزمان ** وهذه الدار لا تُبقي على أحد ** ولا يدوم على حال لها شان ** ذكرنا هذه الحقيقة وذكّرنا بها ليعلم من نسي أو تناسى، أو جهل أو تجاهل، أنّ الكثير الكثير ممّا هو مُعجب به لدى الآخرين، ولدى أهل الغرب خصوصا، هو منّا وإلينا، منّا ومن حضارتنا السالفة التي سادت وأعطت لغة، وعلوما، أخذها الآخرون وبها نهضوا ولولاها ما نهضوا. لست أنا قائل هذه الحقيقة بل هو أستاذ من جامعة سورّاي  Surrey البريطانية الذي أعدّ برنامجا ثقافيا لإذاعة البي بي سي عنوانه "العلم والإسلام" قال فيه "إن لغة العلم الحديث لا تزال ترجع بنا كثيرا إلى جذورها العربيّة". وقال عالم الفيزياء التطبيقية الأستاذ العراقي جيم الخليلي:" لا الرياضيات، ولا الفيزياء المعاصرة وُجدتا بدون علم الجبر. فلا حاسوب، بلا خوارزمية، ولا كيمياء بلا قلوي. أما أستاذ جامعة سورّاي، فقد جاء قوله ببرنامجه السالف الذكر أنه منذ القرن الثاني عشر وحتى القرن السابع عشر، أشار العلماء الأكاديميون الأوربيون، بتواتر ونظام، إلى نصوص إسلامية من الماضي."ثمّ يُخرج نسخة من" ليبر أباتشي Liber Abbaci    لليوناردو دي بيزا Leonardo de Pisa الذي شهر بفينوباتشي Fibonacci الذي صار أوّل وأكبر رياضي بالقرون الوسطى الأوربية. إن ما هو حقا ساحر أن يوجد بالصفحة 406 إشارة إلى نصّ قديم يسمّى مودم ألجبري إت المُتشابالي Modum algebre et almuchabale وفي الطرّة كتب الاسم Maumeht, وهي الطريقة اللاتينية لكتابة الاسم العربي محمد حسب قول الخليلي.

نترك الآن البرنامج البريطاني، لإلقاء نظرة على مقال بإحدى الصحف الإسبانية، تعرّض كاتبه إلى برنامج البي بي سي، فوضّح، ما اعتبره مجهولا لدى قرائه، أو بعضهم، فقال: إن الأمر يتعلق بأبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي المعروف إسبانيا Al-Juarismi الذي عاش في قرابة عامي 780850. الخوارزمي أتي بالفكرة الثورية التي تنص على أنه بالإمكان تصوير أي رقم يراد رسمه، بعشرة رموز بسيطة لا غير. عالم الرياضيات الكبير هذا، الذي هاجر من شرقي بلاد فارس إلى بغداد، هو الذي أعطى الغرب الأرقام والنظام العشري، وكثيرا ما يُعرف بأنه أبو علم الجبر. "إن الكثير من الآراء كانت في السابق تُظن وتؤخذ بأنها مفاهيم جديدة لمّاعة، ظهرت بفضل علماء الرياضيات الأوربيين خلال القرون السادس، والسابع، والثامن عشر، وها نحن نعلم اليوم، أنها ظهرت وطبِّقت بفضل علماء رياضيين عرب / مسلمين قبل ذلك بأربعة قرون". هكذا كتب كل من دجون دجوسب أوكونور   John Jhosep O'Connor وأدموند فريديريك روبارتسون Edmund Frederick Robertson من أساتذة جامعة سانت أندريوز St. Andrews   ببريطانيا العظمى. "إن الرياضيات، من أوجه كثيرة، تدرس اليوم بأسلوب هو أقرب من المساهمة العربية / الإسلامية، من قربه من الأسلوب اليوناني الإغريقي".  لقد عرف علماء رياضيات كثيرون خلال التاريخ العربي / الإسلامي، فها هم ثلاثة منهم:

البطاني: بالنسبة لخوان مارتوس كيسادا Juan Martos Quesada، أستاذ متقاعد، كان مديرا لقسم الدراسات العربية الإسلامية بجامعة كومبلوتانسي Complutense بمدريد، أن إحدى أهم مساهمات الرياضيين العرب "هي أخذهم العلم اللاتيني الإغريقي بترجماتهم". إن ج. الخليلي قد أنجز برنامج البي بي سي المذكور آنفا، لكنهم حافظوا أيضا وجلبوا علوم الهند المتطورة". إن أكبر أهمية البطاني هي أنه نجح في ضم علم الفلك إلى الرياضيات وجعل ذلك ميدان دراسة موحدا."طبّق قواعد رياضيات كثيرة على علم الفلك. فمن ذلك مثلا، تحديده بكل دقة، العام الشمسي في 365 يوما، فكان نجاحا كبيرا، إذ نحن نتحدث عن أواخر القرن التاسع وبداية العاشر". "أما بالنسبة للمعادلات، فإنه، عند دراستها، وجد أخطاء في حسابات قام بها بطليموس، فاستغل ذلك في تحسين كل الميراث اليوناني لبطليموس، الذي استلمه علماء الرياضيات العرب". الخليلي: زار الخليلي جامعة بادوا في إيطاليا، فاطلع على أحد الكتب الأكثر أهمية من تاريخ العلوم.

الحسن: الشيخ محمد رضاء الله الأنصاري، أستاذ فخري في الفيزياء بالجامعة الإسلامية في آليغاره  Aligarh بالهند. كتب مقالا لصفحة اليونسكو، حول أحد العلماء المختصين العرب في القرنين العاشر والحادي عشر، كرس الجهد فيه لا على الرياضيات فحسب، بل أيضا على الفيزياء، والميكانيكا، والفلك، والطب. المقصود هنا هو العالم الكبير أبو علي الحسن بن الهيثم البصري، المعروف في الغرب باسم الحسن Alhazen وفي إسبانيا Alhacén الذي ولد بالعراق عام 965 وتوفي في مصر سنة 1040. كان ضمن مشاهير علماء مصر، وأطلق عليه الأخصائيون العرب اسم " بطليموس الثاني “، ويُعتبر أبا الطريقة العلمية المعاصرة. هو حقا أول عالم، طوّر طريقة " التجربة كشكل آخر لتأكيد الاحتمال أو الفرضية الأساسية، على حد قول رضاء الله الأنصاري. يضيف الأستاذ مارتوس كيسادا، فيبرز مساهمات هذا العالم في مبادئ البصريات. وبالفعل، وحسب رضاء الله الأنصاري، إنتاجه الأكثر شهرة كان البصريات، الذي سمّاه: "كتاب في المناظر"، وباللاتينية Opticae Thesaurus, الذي ترجمه مجهول خلال القرنين الثاني والثالث عشر، فجاء في سبعة أجزاء، درس فيها بطريقة تجريبية وحسابية خصائص النور. لكنه كان أيضا عالم رياضيات، كما يشرح لنا ذلك ريكاردو مورينو - Ricardo Moreno - مؤلف وأستاذ بكلية الرياضيات بجامعة الكمبلوتانسي، في صفحة المركز الافتراضي لانتشار الرياضيات." كان ابن الهيثم من أوائل علماء الرياضيات العرب، الذي عالج بنجاح معادلات من درجة أعلى من الثانية، وذلك بمعالجته هندسيا معادلة من الدرجة الثالثة، التي، قبل أكثر من ألف ومائتي سنة، أثارها أرخميدس Arquímedes   في عمله “حول الجسم الكروي والاسطواني. أما في مجال نظرية الأرقام، فقد قام الحسن – ابن الهيثم – بمساهمة مهمة بما أنجزه عن الأرقام الكاملة. أنجز أيضا أعمالا حول الهندسة الابتدائية، وبحث حالات معينة من نظرية إقليدس Euclides.. يذكر الأستاذ مورينو من جهة أخرى، أن وفاة الخوارزمي "وافقت تقريبا مولد أبي كامل بن أسلم بن محمد، المدعى المحاسب المصري". عاش ثمانين عاما، وترك لنا أعمالا كثيرة في الرياضيات، من بينها دراسة في الجبر، ضاعت نسختها الأصلية، لكن بلغتنا منها ترجمتان إحداها لاتينية والأخرى عبرية". "كان يحل المعادلات من الدرجة الثانية عن طريق الجبر، مثل سابقه ببغداد، لكنه كان يعتمد مباشرة على العناصر. يبدو أنه قليل ما عُرف عن حياة أبي كامل، لكن ذلك القليل فيه الكفاية لفهم دوره في تطور علم الجبر. يُعتبر أبو كامل أحد خلفاء الخوارزمي المباشرين حسب قول المؤلفين. وفعليا، أبو كامل نفسه يُبرز دور الخوارزمي  كمخترع علم الجبر. مع هذا، هناك سبب آخر لأهمية أبي كامل، وهي أن عمله وإنتاجه كان أساس كتب فيبوناتشي Fibonacci كما يشير أوكونور وروبرتسون. إن أهمية أبي كامل ليست لدوره في تطوّر علم الجبر العربي، لكن أيضا، وعن طريق فيبوناتشي، له أهمية كبرى في نقل علم الجبر إلى أوربا.

هذا قليل من كثير، حاولت، ووفقني الله، بأن لا آتي إلا بما قاله الغربيون أنفسهم. اعترفوا، والاعتراف بالحق فضيلة، لكن بقي ما هو أهم، وهو معرفة أبنائنا هذه الحقائق أو جهلها، وإن جهلوها، على من تقع التبعة؟ عليهم أم على المسؤولين على تعليمهم؟ لست ممن يسمحون لأنفسهم بالحكم في مثل هذه الحالات، لكن من حقي، بل من واجبي التذكير والإلحاح على وجوب معرفة أبنائنا هذه الحقائق، معرفة تاريخهم وتاريخ أسلافهم العظام، وما قدموه للإنسانية وأخذه عنهم الغرب، حتى يتأكدوا أن الكمال لله، وأن الحضارات تشع وتأفل، وأن عجلة الزمان تدور، فعليهم أن يتزودوا حتى يكونوا من بين الذين ستُعليهم عجلة الحياة، التي أخذت تُسرع في دورانها. فعالمنا مقدم قريبا جدا على تغيرات كبرى، فيها صعود كثيرين ونزول آخرين. فليحاسبوا أنفسهم ويهيئوها كي يكونوا من الصاعدين. وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 19-3-2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع