مقالات

محمد دربي

مرآة الأفق في صمت الأفق

أرشيف الكاتب
2022/05/06 على الساعة 22:19

البحر يبعث بنسيم سحره بالسحر، موجه يتماوج تحت بقايا قراطيس الشمس، والشاطئ يسكب النور للحيارى والمُتعبين، والغروب يقترب يضئ امواج الشاطئ.. وغيمةٌ توشوش للموج بعض أسرارها ومن الأزقة القريبة عود بخور جاوي يحترق قادماً من شبابيك بيوت عامرة بالطيب تلوح للشاطئ نغماً في المسامع وفي أحد بيوت تلك الأزقة عجوز اسمها "حلوم" تتدلق الحكمة على لسانها في صبر الأقدمين.

(1)

أدرك أنه أخطأ في المرة السابقة، عندما وقف عند شاطئ آخر ظنّه من حكاية الليل والسكينة، استغرب وتمتم متسائلاً: لماذا لم يخبره الموج منذ الوهلة الأولى أنّه يقف على ضفة أخرى؟ الموج يشاكس الموج منكسراً على الصخورلا يهاب الإنكسارفي غلالة الغروب، ثبّت قدميه على أعلى صخرة كأنها جلمود فاتر شريد، لا يهاب الوقوف على الماء الفاتن، هبط عليه الهامٌ كأنّه آتٍ من محافل السمر، الموج يوشوش قدميه، الماء غيضٌ، كلّ موجة حائرة في أمرها، أحسّ أنّ الموج لا يتجاهل وجوده أوحضوره، الموج والوجود تؤمان، رنين الموج يزداد رنيناً عند كل انكسارة طليقة، همسُ رذاذ الموج أرق من هسهسة الصمت، أما الغيوم البعيدة فمغمورة بأنفاس الرياح الأليفة المعلقة في فضاء السماء الحنون.

(2)

حلم الليلة الماضية أنّه ماهرٌ في السباحة وخيّالٌ في ركوب البحر فاتحاً أبواب المحال، وها هي خيول السحائب الزرقاء قادمة من بعيد فرحة تخلع أثوابها في المساء وها هي غيمة عطرٍ حائمة تسير على درب بداية الغروب.. حدّثه البحر في حلمه عن ترانيم الموج الصاخبة في معاريج ذراها الشامخة، دنى من فوق الصخرة إلى الشاطئ أكثر.. يُدرك أنّه غريبٌ يعيش في جسدٍ بلا وطن يستاف العمر بحثاً عن موجة نضت رذاذ الماء عن جسدها وهتفت للشمس الغائبة: أنقذيه من هواه ومن مرارة الإنتظار.

(3)

 يقترب من حافة الصخر من أمامه مثل طفلٍ ينطق بالفرحة، طيور البحر تحلق مسرعة من فوق الموج ملء المسافات البعيدة، يراها مرة لتختفي، تختفي مراتٍ تحلم بالثمار ومرة بأصداء حكايات الصبايا في دجى ليل المسرات، هواء أزرق منعش يغطي رأسه يُسعد لقاه، غيوم زكية ترتدي فساتين فضية تقترب من أعرف الموج، الموج شريدٌ يرتدي الملح ويكتسي بالزبد ليعرف أصداء حكاية من حكايات الحسان.

(4)

صمت هائل داخل راسه، قال هامساً: ما الذي يجعلني أبتعد عن هذا الشاطئ؟ كيف يمكنني أن امضي في هذه الحياة دون الغوص في اعماق هذا البحر، ما جدوى فراري من ركوب البحر والغوص في اعماقه، كيف أنفي الخوف عن وجهي؟..  ومن البحر يفز موجٌ أزرق وأخضر وأبيضٌ وفزّ في رأسه سؤال يُحدث النجم القادم من أعالي السحائب: هل البحر يعرف أنّه بحرٌ؟ وهل يدرك الموج أنّ ينساب مهللاً نحو لقاء حتفه معانقاً العدم؟ من في هذه الدنيا يحمل في داخله سر الموج؟

أقترب من الموج المتكسر أكثر وخاله أن يقول : طوبى للبحر العميق الغوص فيه في ليلٍ من الذكريات الذاهلة الزكية.. بدا الشفق ضحوكاً، صافيا، راقصاً فاتحاً ذراعيه لأمانٍ ظامئاتٍ، سأل نفسه: من يبعثرهذا الرمل كي أحكي له حكايا نزهية الشاطئ تلك الأندلسية قمحية السمت ساحرة العينين؟

(5)

 عناقيد الغمائم ترتوي من شهد السحائب وتنفث ماء الورد، تثاءب البحر، بدأ الموج يثرثر بهدوء، أدركه صوت الموج، نسي أن يقول أيما شيء، تذكر من الحلم رقصات طيور البحر، تمنى أن يرقص طليقاً كطائر بحرٍحرٍّ، نسي الكلام في عزّ الحاجة للكلام، نظر إلى الأفق البعيد الصامت، غزاه الصمت ليس هنا هناك عند الأفق إلا الأفق ذاته، قد يكون ساحراً قد يكون الأفق مبهجاً، لا أفهم سرّ هذا الأفق، فمن أسال عن سره وحكايته الأثيرة؟

(6)

بدأ طيف الغروب يتسلل ليغطي فستان السماء الأزرق، ستلبس السماء فستان مباهج البرتقال المحفوف بالورد الأحمر، في هذا الوقت تبدأ عرائس البحر تغني، تغني وتقترب من الصخر تغني، بقايا شناشيل الشمس تلامس الموج الهادئ، والبحر يسح من كأسه المبرقع باللؤلؤ شراب الهوى، وكل عروس تلثم من الكأس وتطرب، قال في نفسه: أيّ غروب هذا وهل أعلق مصيري على جفنيّ الأفق البعيد ؟ أقتربت العرائس.

(7)

فيوض شناشيل الشمس الدامية تناغي الأمواج الهادئة، ثم ّ نظر إلى العرائس وما يحدثن من موج راقص وسأل نفسه: هل يكمن في اعماق هذا البحر هدف أو معنى أو أسرار أو رموز؟ بدا لعينه أنّ فضاء السماء انفتح على عالمٍ من عوالم البرزخ، وها هو البحر يرقص مع العرائس والموج يغني كما تغني العرائس، العرائس تسبح في حلقةٍ من الرقص المرجاني، عادت العرائس من حيث أتت إلا من عروس واحدة. يقف صامتاً مذهولاً كأنه أمام خيام العجائب.

(8)

 رياح خفيفة تفتح ابواب البحر، تنسم من ثغر الريح نسمة صيف خفيفة مرحة، أخذته النسمة من ذاته، عروس البحر تسبح نحوه، تعطلت مدركاته عن التفكير، أحس بهسهسة كلمات، هل هي من النسمة أم من عروس البحر، سأل النسمة من أين أقبلت؟ لم تجبه وهي ترفرف دلالاً، سأل عروس البحر، فابتسمت، قال: وأنت من أين أتيتِ؟ هل تفهمي عني؟، بعد انتظار بشيء من القلق والحيرة قالت: أنا من مملكة تعرف جميع اللغات. نظر اليها بشغف، بادلته النظر وقالت: أنا أعرف أنك تعشق البحر؟

(9)

كان عليه أن ينصت لها، حدجته بعينين زرقاواتين ساحرتين يطوف بهما طيف أسود، تطلع فيها ذاهلاً، أحسّ أنه يقف فوق حقل أحضان صخرة التهلكة، تمتم: الهروب لا يجدي، لا يجدي أن أهرب. اقتربت من الصخرة أكثر، شعرها القصطلي يتدلى على كتفيها وصدرها، حثّه جمالها وسرُ وجنيتها على التعلق بها أكثر، فقال لها بحرارة: أنتِ تغريني بأن أقترب منك أكثر، فماذا تريدن مني؟ نظر بعينيه مستفسراً، بدا أنّه غير قادرٍ على قول أيّ شيْ، تطلع حوله إلى الطيور والغمائم، أحسّ بطرب في فؤاده لم يحسه من قبل، قال في محاولة للتعبير عن لغة البحر: لماذا تأتي لهذا الشاطئ؟ قالت وعيناها تلمعان كأجذَلِ فارحٍ: لكي تهتدي بي كل الأمواج في كل ليلةٍ، ويهتدي به الحيارة في الحياة مثلك ومن يهرب من ليل السآمة.

(10)

بهُتَ مع انداء الغمام وهي تتساقط فوق رأسها ورأسه، قال لها سأبقى معك حتى بزوغ قناديل النجوم وحتى الصبح في البلج. ابتسمت واستدارت، شعرها القصطلي يغطي كتفيها وظهرها، الهواء تارة ساكن، وتارة يهلل، أما الشمس فهي تمرح في فضاء الأفق المغموس في حقل الورد المبرقع بالبرتقال، لم يكن الشاطئ بهذا القدر من الإنفتاح، الغمائم تهدأ والريح تنزلق من فوق الموج في حسن بديع، عنّ له أن المكان الوحيد الذي يفتح له ابواب المجهول هو هذا الشاطئ.

(11)

كيف تترك هذه الجنية اعماق البحر وتأتي إلى هذا الشاطئ بالذات، كيف خرجت من رحم المجهول؟ هل هوت من عرانين السحائب، فلماذا ظهرت أمامي ولماذا هذا الشاطئ بالذات نعم بالذات، سمعت الجنية نداه فاستدارت وعادت مسرعة واقتربت ثم دنت من الصخرة حيث يقف، همس: عروسٌ مبتهجة لا تبالي بالموج أو الصخر الأصم.. الشمس تختال في حلتها تخطو نحو الأفق البعيد والأمواج تودعها في حنو وجلال، السنونو يجول مودعاً أباريق الشمس التي تكشف عن وجنتيها البرتقايتين وهي تدنو من مخدع البحر.

(12)

أقتربت الجنية من الصخرة، اسماك الشاطئ الذهبية الفضية تنقر قطرات الماء المتساقطة من شعرها، ازدادت قرباً، تذوب المسافة بينهما، أوشك كفّه يمسك كفّها، ابتعدت في دلالٍ عن الصخرة، اقتربت من جديد في انسياب بديع وقالت: أتريد أن تعرف لماذا هذا الشاطئ؟ حسناً، لقد جبت بحاراً وشطاناً ولكني لم أعشق إلا هذا الشاطئ، فمن عشقي لبنغازي وولهي بها  علقت على أشجارها أناشيدي وابتهالاتي وعشقت فيها شاطئ الشابي طبيب التائه الغريب وأنيس الذايح والمسافر.. حاول أن يُلامسها، غاصت قبل التلامس وفي لمح البصروهبت ذاتها للبحر العميق غائصة في جوفه الصامت، اختفت وعندها أدرك أنّه رأى مشهداً لم تسبق له رؤيته من قبل و ادرك سرّالعروس وسر الشاطئ الرهيب واهب الخلد لبنغازي.

 

محمد. دربي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع