مقالات

سالم الكبتي

الشعراء الثلاثة (2-2)

أرشيف الكاتب
2022/05/05 على الساعة 16:22

(2) عبد الهادي عبد الله الشعالية

الفنان والشاعر ولد في بنغازي في فترة تقارب مولد أبي بكر جعودة، في زقاق (الشعالية) الواقع أيضاً على شاطئ بحر الشابي، يبدو أن للمكان (دوره !) ونشأ في بيت العائلة مع أبناء عمه شقيق والده السنوسي إبراهيم الشعالية وهم: خليفة وعلي وعبد السميع، حتى أن البعض اعتبرهم (أشقاء)، وهم في الواقع أبناء عم، وقد حدث هذا اللبس باستمرار عند الحديث عن الفنان علي الشعالية بكونه أخاً لعبد الهادي.

تلقى الشعالية دروساً أولية في أحد المساجد، وللظروف العائلية آنذاك عمل خبازاً في الفرن الذي تملكه العائلة بالقرب من المنزل، وكان صاحب صوت جميل في أداء الأغاني الشعبية المتداولة في الأفراح والمناسبات، بجوار المنزل والفرن تقع (قهوة البحر) أو الشط، التي ورد ذكرها في شعر رفيق عندما اشتد به الحنين زمن الهجرة في تركيا إلى (مرابع مدينته وأصدقائه) كان رفيق جاراً للشعالية، غير بعيد في السكن وكان ذلك يتيح لهما أن يلتقيا على الدوام مع غيرهما من متذوقي الفن والأدب في المقهى، حيث يدار الحاكي وتسمع على الفور أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وقد اعتبر مرتادو المقهى ذلك نوعاً من الاعتزاز والانتماء إلى الفن العربي والثقافة العربية، وبشكل أخر كان من قبيل العمل الوطني لأن فيه تحدياً للإيطاليين وثقافتهم.

الشعالية كان ماهراً في نظم أغانيه، وفي تحويل أحاسيسه إلى أبيات وألحان وإيقاعات عذبة، وشهدت سهرات المدينة التي تقام في البيوت ومناسباتها، في تلك الآونة وما بعدها، ترديدها من كل معجب بأصالة الفن الشعبي، خاصةً الأغنية التي كانت مثل اللازمة لحياته وسيرته (نور عيون) القادمة في أصولها البعيدة عبر آلاف الأميال من الصحراء البعيدة .. من مرزق والجفرة حيث نسج على نسقها أبياتاً أخرى إضافةً عليها، وأغنية (ودك تمشي دوم جالي) وغيرها.

كانت أغانيه رقيقة الكلمات تلامس شغاف القلب، وكان الجميع ممن يطرب لسماعها في مناسبات عدة رغم جور المحتل، يشكل بهذا الطرب مع آخرين جواً بديعاً من الألفة والبهجة الإنسانية الصادقة.

وبين رفيق والشعالية حدث رباط فني وهو قاسم مشترك، فكلاهما شاعر وفنان، وكثيراً ما اشتركا في نظم مطالع الأبيات من هذا النوع، كان أحدهما يستغيث أو يحتمي بالآخر، فينجده بما يستطيع ويكمل ما بدأه زميله في موقف تعجز عنه الموهبة أحياناً، فمثلاً أرسل رفيق ذات مرة مع الفنان علي الشعالية بصدر بيت إلى ابن عمه عبد الهادي، وطلب منه أن يكمل عجزه لأن اللحظة لم تطاوع رفيق، وهو: (إن كان الخطا عندي الحق نديره)، وحين تخطى عتبة الفرن ووجده منهكاً في إعداد الخبز، أعلمه به مباشرةً، فأكمل عبد الهادي من فوره – وعلى البديهة – بقوله: (مغير أقبله يا بوهدوب غزيرة)، وبيت آخر بدأه رفيق وظل (الموقف) يلح بشدة في أن ينجز بقيته، فلم يتمكن وهو: (بعدك وراسك ما نوالف غيرك)، وبنفس الطريقة تدخلت موهبة عبد الهادي لتصير التكملة هكذا: (عقلي نواك أيش درت في تدبيرك).(25)

أبيات وأغانٍ تتداعى بحكايات وقصص ورؤى تجمع بين شاعرين عشقا الحياة وانبهرا بالجمال وتصبح – فيما بعد – تتردد على كل الشفاه، وبكل النغمات، ولاشك أن هذه الصور وهذه اللحظات التي عاشها رفيق في بنغازي افتقدها أثناء هجرته الأولى إلى تركيا سنة 1924، لكنها ظلت ماثلة أمام بصره، وقد قال في بداية قصيدة طويلة أرسل بها من هناك ثم ضاعت تماماً، كما يذكر الرواة فيما ضاع من (كنوز)...

شتت الله دولة الطليان

حرمتنا من صحبة الإخوان

كما إنه بتشابه النظم العاميّ بين رفيق وعبد الهادي الشعالية حدث تخليط كبير في بعض المرات لدى أولئك الرواة في نسبة وتحقيق جزء من أشعارهما إلى أي منهما، وبالعكس، ومن نظم الشعالية ما نسجه على أغنية  (نور عيون) تأثرا بالفن الشعبي القادم من الجنوب:

نور عيون اليوم قابلني عضا

شاطت نار الحب ما ينفع دوا

نور عيون اليوم يا ما صار فيّ

ريح القبلي راه خطرها عليّ

نبي نتعب له إن كان هو يبي يجي

وموتي أولى من عايش بلا

نور عيون اليوم قابل ف النهار

ضي اخدود كيف شمعات الفنار

وسالف حدر طوله قامه بالحكار

وشفه بوقرعون راوي بسيل ما

نور عيون اليوم في مترل خفيّ

جا في زنقة وناسها حاحوا عليّ

ويا سعد المتهوم كان قالوا أنجيّ

خفوا ذنبه الناس والمولى عطا

نور عيون اليوم ست شهور وحول

لا جاني منه خبر لا من يقول

نحصد في القصيل نحسابه اسبول

ونبذر ف المقلي على يبس الوطا

نور عيون اليوم قابل يا عرب

ناره كيف نيران الحطب

فم الباب وين قابلني هرب

برم وجهه وأعطى بالقفا

ويلحقها ببرولها المعروف:

عيني على مـشكاي

تبكي تبكِّي كل زول معاي

وأياً ما كانت الظروف والأسباب فإن عبد الهادي تأثر كثيراً بالطابع المرزقاوي، أو طابع الجفرة الغنائي (هون) تحديداً، واستفاد كثيراً منه وحافظ على أصالته ولم يحدث منه أي تشويه احتراماً للتراث الشعبي، وربما اختلطت كلمات الأغنية هنا بالأصل القادم من مرزق أو هون، ولكن بعض الأبيات تشير بوضوح إلى رائحة المدينة بأزقتها ومنازلها، وانتظار لحظة رؤية (الحبيب) رغم الأعين الراصدة .. هنا وهناك، وهذا أمر صعب للغاية تحقيقه إذا ما لاحظنا الواقع الراهن ذلك الوقت، لكن يظل الحلم به والتعبير عنه من خلال الشعر من الميسور على كل الحال، وهناك أغنية أخرى نظمها متأثراً بنفس الطابع، يقول في بدايتها:(لي قلب يا ناس قاوي لهيبه... وعيني تحيبه والجرح جور ما لقيتش طبيبه).

لقد كان لدى الشعالية وجيله الاستعداد الفطري والموهبة الصادقة في الإفادة من التراث وإيقاعاته، ولم ينسبوا هذه الألحان أو الكلمات إليهم، ولم ينسلخوا بها عن أصولها، وكانوا أمناء جداً في نقلها وترديدها أو النسج على منوالها، وهو شيء رائع يدلنا على إخلاصهم للتراث وحبهم له، وإن اختلفت المقاييس في النظرة إليه، مع تطور الألحان وتجدد الأذواق في عالم أضحى كله تحت سقف واحد، أو يكاد.. نتيجةً لما حدث من تطور مذهل في الاختراعات الحديثة ووسائل التقنية، كما أنهم يختلفون كثيراً عن أدعاء بعض (الأدعياء) ممن حلوا على الفن وعلى التراث وظلوا  (حالة طارئة) ستتوقف ذات يوم ما لم تفهم التراث، وبكل أشكاله فهماً صحيحاً !

في عام 1942 والحرب تسود بنغازي والوطن بكامله توفي  عبد الهادي عبدالله الشعالية، ودفن في بنغازي مخلفاً من الأبناء ولداً وثلاث بنات.

(3) عبد الخالق عبد الرحيم الصابري

ثالث الشعراء، ولد سنة 1900، هذا الشاعر اتسمت حياته في جزء كبير منها بمعاناة شخصية قاسية أبان عنها – إلى حد معين – في إحدى قصائده كما أتسمت في جزئها الآخر بما يكاد يشبه الأسطورة، فمن قائل أنه (اختفى) ثم عاد إلى بنغازي وتوفي بها،( 26) ومن قائل أنه كان في (صراع وكره) دائم لمجاوريه من اليهود الذين لمس فيهم - نُعره عنصرية – وربما لم ينسوا له ذلك في نهاية المطاف، وإلى ذلك من روايات لعب فيها الخيال الشعبي دوراً درامياً كبيراً، لكن المؤكد والثابت أنه كان على رأس المتطوعين من بنغازي ممن التحقوا بالجهاد في فلسطين سنة 1948 واستشهد هناك كما يذكر بعض رفاقه، وأنه شارك في المعارك التي جرت في مناطق (رامات رحيل) و(شرفات).. وغيرها.

في قصيدته التالية يلوح (هم خاص) يشعر به الصابري دون أن يبينه صراحةً، فيقول:

صابر على هم الزمان وضيمه

صبراً صبرته نين فات القيمه

صبراً بنيّه

لو ريتني والمكنسة ف يديا

وشوال ملبوسي بعد بدعيه

بعد كاط كمرني بعد تتكيمه

بعد كيطاني

بعد عز مشيته مع لخواني

وخمسه مضن بالفاتحة نسواني

واليوم فردي لا مره لا قيمه

على كيد الزمان وهمه

وبيري نزح يا هوه بعد الجمه

وكومي نقص م الوقت بعد اللمه

وتمت حياتي عفنه بعد تسقيمه

ويبدو أن الصابري كان مقلاً في شعره، غير أن القصيدة أو الأغنية تقع منه حين ينظمها صادقة بصورة مكثفة وعميقة وفيها حرارة التجربة الذاتية. وعندما تطوع للقتال في فلسطين مع رفاق عديدين في بنغازي ومن المدن الليبية الأخرى كافة وتوجهوا إلى (أرض المعركة)، بقوا فترة من الأيام في طبرق ريثما تنتهي بعض الإجراءات، فقال واصفاً حاله وحال رفاقه المجاهدين المتطوعين:

(ف جبال طبرق في خلا في خالي

حين مو ناشد علينا والي)

هذا التبرم ليس استنكافاً منه عن الجهاد والقتال، ولكنه قد يكون حدث نتيجة لمواقف رخيصة أو مضايقات تضع (الأحجار الثقيلة) في درب أولئك المتطوعين.

كانت تجربة مشاركته في القتال صادقة بالفعل، وقد جسدها في إحدى قصائده التي تعتبر توثيقاً لمشاركة الليبيين في (محاولة تحرير فلسطين) قبل أن تقع الفأس في الرأس، وكما وثق الشعر الشعبي كل الظروف التي مرت بالمواطنين من القتل الجماعي، والنفي والإبعاد والتجريد من الممتلكات، والهجرة والتجنيد الإجباري والمعتقلات الرهيبة، وغير ذلك من أحزان ومآسٍ، كانت تلك القصيدة وثيقة حية ناطقة لا تقل شأناً عما قيل عن أحداث مر بها الوطن الليبي، فيقول الصابري في هذه القصيدة:

جرد جيش من برقة تريسه خيره

طالب أوهام القدس ومواكيره

تريس مقاوى

تريس ممتلص عليك بلاوى

فات الجبل شرق مصم ناوي

نصرة أعلام الدين دينه خيره

فتنا لبرق

وجينا على درنه وهلبنا طبرق

والصبح عدينا أوهام الشبرق (27)

عليك وطن مستاسع أصعب تحكيره

في قايلة عدينا

نزلنا على السلوم فيه إلقينا

ارحيم خذا دفتره وطبس فينا

كتبنا وساعدنا وفيها خيره

مطروح وين وصلنا

اليوزباشي (28) ظهر قابلنا

وآمر على خيمه الكل نزلنا

لوريت ها الكابتن عليك بصيره

اركبنا السكه

قاصدين وطن م اليهود انفكه

مشى منقطع بابور بينا تكا

على مصر جينا ولامطار غزيره

شهرين زور علينا

وهو الباش جاوش يدرب فينا

بين انتبه وشمال خلف يمينه

يا صاحبي يا ملا تعسكيره

قعدنا شويه

وعقاب درقله درنا مع المصريه

فكر دزنا الضابط الكل جمليه

لقرية يقولولها عراق سريره

رسل حولنا

القايد على الجبهة الكل جملنا

وفي الصبح بدري للعدو قابلنا

وشاطن نوارينه وثار ذخيره

والقصيدة طويلة.. وعلى أية حال فإن نصوص الصابري تدل في بعض مضامينها على نفس قلقة ومتطلعة، لكنها تتسم بالصدق وعدم تصنع التجربة وافتعالها، وهو أدى بها دوراً وجسد عن طريقها مشاعر دفينة لدى بعض الناس يعيشون التجربة نفسها ويحملون همومه وقلقه.

إن نصوص هؤلاء الشعراء الثلاثة تمنحنا إضاءات لحالة سادت الوطن في زمن حالك الظلمة عاشه أبناؤه على اختلافهم، وعانوا كثيراً من جوره ومظالمه وانتهاكه اليومي لأمنهم وحريتهم وحقهم في الحياة.

هذه النصوص وغيرها لهؤلاء الشعراء بما فيها من إيجابيات أو هنات وبساطة في التعبير الشعبي يأسر القلب، ستظل شاهداً يروي تاريخاً كتبه الشعر والفن وصدى لذلك الزمن وظروفه وشخوصه.. وستبقى مثل الجوهرة قطعة مضيئة من تراث الوطن وترابه الغاليين.

سالم الكبتي

- راجع: الشعراء الثلاثة... (1) أبوبكر جعودة

الهوامش:

(25) أكمل بقية أبياتها فيما بعد الشاعر عثمان الوزري من كتاب الأغنية الليبية المعاصرة، وغنتّها المطربة التونسية (سلاف) سنة 1967. وسجلت في الإذاعة ببنغازي بتلحين الفنان علي الشعالية.

(26) أخبرني بذلك الصديق (محمد مصطفى الفرجاني) المشهور (بالشيخ الفيتوري) أحد مثقفي مدينة بنغازي في منزله صباح الاثنين 28 أغسطس 2000 في حديث عن عبد الخالق الصابري، وقد أشار بأنه كان رفيقاً وصديقاً لشقيقه (جمعة الفرجاني) الذي يحفظ كثيراً من شعره، كما أنه أكد عداوته لليهود المتعصبين من جيرانه (حيث تقع حارتهم بالقرب من بيته) من ذوي التعصب والعنصرية وهي تعود إلى سنة 1937 عندما كان بعض تجارهم يرفعون علماً به نجمة سداسية وباستفزاز لمشاعر الناس.

(27) الشبرق من الأعشاب البرية المعروفة، وكانت منتشرة بكثرة في مختلف أنحاء ليبيا، وهو الشبرم أيضاً، ودائماً ما يقرن بالشيح في المأثور الشعبي فيقال (شيح وشبرق) كنايةً عن الاختلاط الشديد لأنهما ينبتان معاً وقد يكون الشاعر مرّ به في تلك الآونة، حيث ينبت بكثافة وعلى مساحات واسعة من الأرض في فصل الربيع، أو قد تكون (الشبرم) من أسماء منطقة (مساعد) قديماً.ولعل ذلك مايقصده الشاعر المكان وليس النبات.

(28) اليوزباشي رتبة عسكرية، وهي لفظة تركية، تعادل النقيب، ومثلها جاوش أو الباش جاوش، من رتب ضباط الصف ومعاوني الضباط (اللفظتان تركيتان أيضاً) من بقايا مخلفات المصطلحات العسكرية التركية في الجيوش العربية تلك الأيام.

* الصورة (1) عبدالهادي الشعالية. الصورة (2) عبدالخالق الصابري.

كلمات مفاتيح : شعر،
محمد حسن البشاري | 07/05/2022 على الساعة 18:17
شكرا جزيلا
شكرا جزيلا أستاذ/ سالم على هذه التغطية الحافلة (لفلتات) ليبية للأسف لم تعمر طويلا.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع