مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (36).. بين الحقيقة والكذب

أرشيف الكاتب
2022/04/28 على الساعة 12:04

علمونا ونحن أطفال أن نقول الحق ولا نكن من الكاذبين. ثم نجد مقولة تذكر فتقول: تأتي الحقيقة على لسان الأطفال. يدفعنا هذا، ونحن نمرّ في هذه الآونة بمرحلة مليئة بعدم الاهتمام، إلى وجوب قول الحقيقة، لأن الكذب ما هو إلا ذنب فحرام على من يأتيه. إنه لمن الحكمة والدراية أن "الصواب يتركب من حقائق يجب التصريح بها، وحقائق يجب السكوت عنها" حسب الشاعر أنطوان دي ريفيرول Antoine de Riverol ، الكاتب والصحفي من أصل فرنسي مات ببرلين عام 1801 إذ أن الحد الفاصل بين الكذب والسكوت عن قول الحقيقة شديد الرقة والضيق، بينما نتائجه، أيا كانت، كبيرة وخيمة.

فالحقيقة مهما كان فحواها، ولو كان سيئا قولها، وغير محبّب سماعها، وجب قولها والإفصاح بها. لأن الحقيقة شيء ثمين، تعطي القوة والقدرة، ثم إنها تكيّف، وتؤهّل، وتهدّئ، وتنعش، وتنير فتوضّح. إن الحقيقة، كما وصفتها السيدة هاجر بن الشيخ أحمد، الحقوقية الجامعية، السيدة السياسية، المغاربية، "هي حق لمن يبحث عنها، وواجب لمن يمتلكها". إنها في مفهومها القانوني، "كل ما يمكن تقديم الدليل والبرهان عنه".

يؤدي بنا هذا إلى طرح أو مجابهة أسئلة عديدة، لا تزال عالقة تنتظر الإجابة عنها، وقد تبقى بدون أجوبة، لأن المنطق والحكمة يقضيان بأن تطرح الأسئلة الصائبة قبل البحث عن الأجوبة. لأنه، حسب الصحفية السابقة الذكر، "قبل وصف ما يُرى، يجب البحث عن غير المنظور، وسماع الذين لم يتكلّموا". هل يعني هذا أننا كذبنا إن فعلنا؟ كلاّ وألف كلاّ! بل كلّ ما في الأمر هو أنّ أحدا أو بعض الناس قرّروا عدم قول كل ما يجب قوله، وهنا يكمن الفرق كلّه.

إن الحقيقة ومعرفتها حق من حقوق الإنسان، تضمنه له أكثر الدساتير والأنظمة والتشريعات. تطبّق بنودها أم لا تطبّق، ذلك أمر آخر. أما الحقيقة فهي محميّة مصانة بحقوق أخرى متشابكة فيما بينها، غير ملموسة، مثل حريّة الرأي، وحرّيّة التعبير، وهي التي تحمي، من يأتيها، من التعرّض لأيّة متابعة أو ملاحقة، ولا أي قلق أو إزعاج، لأنها حق ضامنه القانون، لكل المواطنين بغض النظر عن معطياتهم الشخصية، وباحترام مصالحهم وكرامتهم. إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. ثم إنه منجاة في بعض الأحيان، يحمي ويحول دون دوس الحقيقة، والاعتداء عليها في المناسبات الهامة، أو عبر وسائل البث والنشر العمومية.

هناك حقائق تضيق بها الأنفاس والأنفس، وكثيرون من الذين فاهوا بها تعرّضوا للتهم، والمتابعة، والتهديد، لأن الكثيرين مستعدون لأي تصرف وعنف، واعتداء، وسرقة، وتمزيق، أو حرق وثائق وبراهين، وتزوير وتحريف، وغير هذا كثير، في سبيل منع وصول الحقيقة لأصحابها والمواطنين عامة. نجد في مقدمة هؤلاء الساسة، والحكام العاملين بالسياسة، لا بالقانون والحكمة، فيتناسون أن الحقيقة حق مكتسب لكل فرد وجماعة، فيخضعونها لمصالحهم وحاجياتهم، التعسفية أحيانا، فتتعرّض لديهم إلى التكييف والتفصيل حسب الحجم والمقاس، مقاسهم طبعا، وها هم يغيّرون اسمها، فتصبح لديهم ولدى وسائلهم الدعائيّة الكثيرة المتنوعة اللغة والأبجدية، شفافية، تُسمّى هي الأخرى ولا تطبق، فلا حقيقة ولا شفافيّة إلا بالسماع، كأن الأذن تعشق قبل اللمس والتطبيق.. لأن السياسة، حسب ما يبدو جليّا أينما سادت وهيمنت، تعشق الكذب ولا تنمو إلا به، وبالتزوير، والتكييف، والنكران، والنسيان، والصمت عن الحقيقة وما إليها.

قد يكون من المفيد ونحن في هذا المقام، العودة إلى كتاب الأمير، للكاتب الإيطالي ماكيافيلي، صاحب النظرة المتشائمة التي ينظر بها إلى الإنسان البشري، فيراه ضعيفا شريرا. لذا ينصح في كتابه بالكذب، والتظاهر الكاذب، وبالوعود الكاذبة، كوسائل وأسلحة سياسية.. يقول من ضمن ما قال: "لو كان الناس كلهم خيرين، لكان هذا المبدأ سيئا جدا، لكن بما أنهم أشرار، ولا يحترمون معتقدهم تجاهك، إن دعت الحاجة، فلست مجبرا على الإخلاص ولا الوفاء لهم". سيرا على هذا المنطق، يرى ماكيافيلي ويؤكد "أن على الحاكم أن يتسلح بمكر الثعلب لمجابهة كل المعاكسات التي قد تبرز خلال الحياة العمومية". لذا فلديه "الكذب جائز لخير البلاد".

يقول "أرماندو بوانتي" أحد الزملاء، من الصحافيين أعضاء النادي العالمي للصحافة بمدريد، في عهد رئاستي النادي، ونحن في جلسة عمل، أصبح الكذب طريقة ينسبها الرأي العام تقليديا إلى المهنة السياسية. هذا الموقف المتخذ بانتشار واسع، بين أعضاء المجتمعات الديمقراطية، بقطع النظر إلى السنتها أو اتجاهاتها السياسية، مبني على صورة اصطناعية، تجعلنا عادة نفكر أن السياسة عموما، والقادة السياسيين خصوصا، كانوا أكثر صدقا وصراحة في الماضي، بينما المرشحون السياسيون في الديمقراطيات الحاضرة، يبدون كذبة أشداء.

ليس في هذا المجال متسع لنقل ما دار بهذا الخصوص، لكن النتيجة التي وصلنا إليها، آنذاك، هي أن الديمقراطية التي بلغها العالم المتقدم، فاعتُبِرت ووُصِفت بأبهى وأسمى الأوصاف، لم تنجُ، ويا للأسف، من وباء الكذب لدى المنتخبين ديمقراطيا، المدعين العمل من أجل الوطن، وهم كاذبون، يعملون لمصالحهم الخاصة ومصلحة الحزب الذي ينتمي إليه كل نائب أو سياسي متكلّم مُدّعٍ.

لكن، بما أن الشذوذ يؤكد القاعدة، حسب النحويين، فللحقيقة والتاريخ، وجب ذكر سياسيين أحدهما عربي، والثاني بريطاني، قالا الحقيقة بصراحة وبلا التواء، فأتت بالوبال والموت على الأول، وبمزيد الثناء والشهرة على الثاني. الأول هو المرحوم نوري السعيد، الذي قال حقيقةَ ما كان يؤمن به، وهو رئيس حكومة العراق في خمسينات القرن الماضي. تولى رئاسة الوزارة الرابعة عشرة في 3 مارس/ آذار عام 1958، فكانت آخر وزارة العهد الملكي، وآخر وزاراته الأربع عشرة، التي صرّح أثناءها بأنه "لا يرى أمن العراق وسلامه إلا في التعاون مع بريطانيا". أخذ عليه كلّ مأخذ بسبب ذلك، وما أن أعلن انقلاب بعض ضباط الجيش بقيادة عبد الكريم قاسم، وأطيح بالملكية، حتى ألقي القبض على نوري السعيد فقتل ومثل بجثته أشر تمثيل. أما البريطاني فهو ونستن تشرشل، رئيس الحكومة البريطانية الذي صرّح بوعده المشهور، عند إعلان الحرب على النازية والفاشستية، وتقدم المحور، فانهزام فرنسا، وبقاء بريطانيا وحدها صامدة حتى دخل الأمريكان والسوفيات فتغيرت الأوضاع، فقال لمواطنيه: "لا شيء لديّ اهديه، سوى الدم، والكدح، والدموع، والعرق". I have nothing to offer but blood and toil, tears and sweat); بقيت له صراحته وصدقه وساما يشرّفه، ردّده هو وغيره ثم نشر في كتاب له ثمين. 

لا مجال هنا لفتح باب المقارنة بين ما جرى في البلدين، ولا للحكم على كيف تقبل العراقيون تصريح رئيس حكومتهم، وكيف تقبل البريطانيون تصريح تشرتشل، لأن المقارنة لا تكون صادقة عملية معقولة، إلا باستواء وتعادل المعطيات بين المُقارنَيْن، وهو ما لا وجود له بين بريطانيا والعراق. فروق كبيرة كثيرة بين البلدين والشعبين، تحول دون المقارنة، أهمها التاريخ، والحجم، والعدد، والثقافة، والنظام السياسي. فلا مقارنة ولا شبَه، لكن يجوز الحكم على ما جرى وتمّ، فأقل ما يقال بشأنه هو أن ما أوتي بالعراق ما هو إلا تسرّع، وعدم فهم، واعتداء على حرّيّة الرأي، فكان الظلم ثم الإجرام.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 15-3-2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع