مقالات

للة فاطمة باقي

احكي ياريحانة [6] للة مناني.. وشلاتيت العرف حسن!

أرشيف الكاتب
2022/04/27 على الساعة 14:40

المدينة العتيقة الجميلة في طرابلس المحروسة.. كانت ولا زالت مركزا للصناعات التقلدية.. ولهذه الصناعات اسواق خاصة بكل صناعة فهناك مثلا سوق الربع لبيع منتجات صناعات الملابس التقليدية سوق الصياغة للذهب والفضة سوق اللفة سوق النجارة سوق القزارة لصناعة النحاس وايضا مراكز للصناعات والتسويق.. في المدينة القديمة صناعات تقوم على الصناعات التكاملية التكافلية حيث تقوم في كثير من البيوت بعض الصناعات الجزئية التي تقوم بها النساء في بيوتهن بالاجرة عند بعض اصحاب الصناعات حيث يقمن بمد ارباب العمل.. بهذه الجزئية.

لالة مناني.. احدى السيدات اللاتي يقمن بإنتاج جزء من هذه الصناعات..لالة مناني من سيدات المدينة القديمة الزمنية التي تمتد جذورها لمئات السنين في طرابلس العريقة في العادات والتقاليد والاصول.. لالة مناني! ارملة.. في اواخر الخمسنيات من عمرها.. لازالت لها لمحة من الجمال رغم كبر سنها وكما يقولون "الزين يعقب".. متوسطة الطول مكتنزة نوعا ما بيضاء البشرة.. عسلية العينين.. لها ظفائر طويلة لونها احمر برتقالي من الحناء.. لها اصابع طويلة رقيقة جميلة كلاقلام!.. تبلورت وتشكلت  مع طول خدمتها التي تقوم بها.. لها سمات تدل انها من اصول تركية.. بشوشة دائما.. مضيئة المحيا رقيقة كنسمة ربيع مشرق ينعش الروح لمجرد رؤيتها وهي تبتسم او تضحك بكل براءة من قلبها الطيب الرقيق الجميل لطيفة المعشر.. واللسان.. تتكلم بكل اريحية مع روح الدعابة وحسن نية.. دائما بكل لطف مع كل الناس خاصة مع جيرانها و مع ارباب عملها!..

لالة مناني تسكن "العلي" شقة بلغة اليوم.. الدورالاول لوحدها وابنها يسكن الدور الارضي في البيت الطرابلسي مع زوجته وابنائه.. في احدى زقاق المدينة القديمة.. لالة مناني.. امراة عاملة تعمل.. من بيتها.. لالة مناني مستقلة ماديا.. معتزة بنفسها ليست محتاجة لاحد.. يعيلها.. يصرف عليها.. فهي سيدة نفسها مكتفية.. مستقلة.. وفخورة.. لالة مناني تعمل في اعداد خيوط النسيج للاردية التقليدية.. لرب العمل الذي يسمى " عرف " يعني المعلم من قبل الصناع الذين يعملون لديه سواء رجال يعملن في صناعة نسيج الاردية التقلدية " بالنول "او نساء يعملن من بيوتهن في اعداد الخيوط لمد صناع النسيج للاردية اليدوية.. فصناعة النسيج عبارة عن صناعة تكاملية بين عدة افراد.. ليكون اخيرا منتج كامل متكامل. ليباع في سوق الرباع احدى اسواق المدينة القديمة المختصة ببيع الاردية الحريرية والقطنية وغيرها من منتجات الملابس التقلدية.

لالة مناني! تعمل عند عدة ارباب عمل في نفس الوقت ولكن من غير ان يعرف أي من ارباب عمل انها تعمل لغيره وهي تقدم العمل الذي يطلب منها.. فهي حرة في اختيار من تعمل لديه.. تعمل بالاجرة اليومية.. لالة مناني منظمة حياتها ويومها.. رغم بساطتها.. فهي تعمل وفي نفس الوقت تقوم بشؤون بيتها.. تطبخ طعامها على كانون الفحم بكل هدوء وعلى نار هادئة كما يقال "سلة سلة" حين  تعمل بعد او وضبت بيتها من كل النواحي.. كل صباح.. ثم تجلس بكل بشاشة وراحة بال وهي تمضغ اللبان لتعطير فمها بالرائحة اللطيفة الطيبة بعد ان عطرت ملابسها وشعرها بماء الزهر والورد.. فهي لالة تحب الروائح الجميلة اللطيفة.. وان تكون في ابهى حلة.. احيانا يزرنها بعض القريبات او الجيران فيجلسن حولها وهي مستمرة بعملها باعداد الخيوط  "تدور" كما يقال.. لرب عملها ليمد به صُناعه لإتمام النسيج للأردية التي ينسجونها على "النول" اليدوي.. وفي نفس الوقت تقوم بإعداد الشاهي "المركرك بالكشكوشة" على الكانون.. طويسات تعدل بهن دماغها ودماغ زوارها مع خبزة حوش بالفحات الكمون والجلجلان.. طايبة في "كوشة خميرة" في كوشة الصفار بالمدينة القديمة واحيانا كعك حلو ومالح.. والطاسة الثالثة بالكاكاوية.. هذا منتهى كرم الضيافة... والجود بالموجود.. مع قصص وحكايات وضحكات.. وذكريات جميلة.. يتبدلنها.. بسعادة غامرة..

لالة مناني! احد ارباب عملها او "عرفها" السي حسن.. السي حسن يقطن المدينة القديمة.. السي حسن يعمل بصناعة الاردية القطنية اذ يملك عدة "انوال" يدوية يعمل عليها عدة صُناع فهوعرفهم يعني معلمهم.. ينادونه "عرفي".

السي حسن! من عائلة طرابلسية قديمة عريقة تسكن المدينة القديمة..المنشية.. سكرة والنوفلين.. منذ مئات السنين.. هذه العائلة تعمل بصناعة النسيج للاردية التقلدية حتى في بيوتها وحتى في سواني المنشية وسكرة والنوفلين.. في نفس الوقت تزرع الخضروات والفواكه والغلال تغذي بها مدينة طرابلس وتزرع ايضا التبغ الذي يصنع سجائرفي مصنع الريجية في طرابلس..

السي حسن الظاهر انه من عائلة لها اصول "الوندال" الفيكنج الذين هاجمواثم زحفوا على الاندلس وشمال افريقيا.. "وفقا لكتاب ياتسيك ماخوفسكي.. في عام 859.. الوندال غادروا المناطق التي استولوا عليها عند مصب نهر اللوار.. اتجهوا جنوبا و قاموا باعمال النهب والقتل وعاثوا فسادا على شواطئ الاندلس وشمال افريقيا" فبقيت جيناتهم في بعض العائلات.. في هذه المناطق..  فاغلب افراد هذه العائلة  من طوال القامة جداً تصل حتى 2 متر.. بيض البشرة "زُعر" "شقر" ولهم عيون ملونة اغلبها.. السي حسن يتمتع بهذه الصفات.. فهو طويل القامة جدا "ازعر البشرة" عيون فاتحة ممشوق القوام.. وسيم المحيا.. في الاربعنيات من عمره.. كله حيوية ونشاط.. ومن ضمن صفات هذه العائلة دماثة الاخلاق وخفة الدم والآريحية.. البساطة والتواضع..

السي حسن يسكن نفس الزنقة التي تسكنها لالة مناني فهم جيران وزوجته تتبادل الزيارة مع لالة مناني.. وعن طريق هذه العلاقة تحصلت لالة مناني على العمل عند عرفها السي حسن..

لالة مناني.. تعمل عند "اعراف" ارباب عمل اخرين.. لكي تسد مصاريفها واحتياجاتها.. ولكن في بعض الاحيان لا توفق في احضار اوتجهيز العمل المطلوب منها في وقته لتلبي الطلبات المطلوبة منها.. فتعمل لهذا قليلا وذاك قليلا!  

في احدى المرات ذهب العرف السي حسن "لعلي" بيت لالة مناني ليحضر طلبية العمل المكلفة بها.. خبط.. دق "العرف" حسن على باب لالة مناني المفتوح الموارب وتنحنح ليعلن عن وجوده.. كعادة الطرابلسية حين يدخلون البيوت.. ونادى بصوته الجهوري: لالة مناني! بالله! الشغل الُصناع يراجوا.. ينتظرون.. ترد لالة مناني: مازلت نخدم فيه.. ياعرفي.. راجي شوية..  العرف حسن بعصبية وصوت اعلى: يامناني! الصُناع واقفين.. واقفين ويراجوا في الشغل.. ترد لالة مناني: معليش ياحسن.. كنت عيانه.. برا دير دورة وتعالى تلقى الشغل واتي.. رد العرف حسن! يامناني آنشرك شلاتيتي.. آنشرك شلاتيتي! "امزق ملابسي" وينتفض من الغضب.. ترد مناني وهي ممسكة بضحكتها: تتعزى فيهم ياحسن!.. "تخسرهم" حسن يرد بصوت اعلى اكثر: يا مناني بتهبليني وينتف في شعره من شدة الغضب.. ويتأفف.. ترد مناني: اسم الله عليك ياحسونة! من الهبال.. بعيد السو عليك.. ان شاء الله في عدوينك.. يامناني خدمتي واقفه.. ويتقزمط!.. يرد حسن.. تجاوبه مناني: حسونة وليدي! برا غير ساعة بساعة.. دير دورة وولي تلقى الشغل واتي.. وين نمشي.. ندور من لشارع لشارع.. نفصل الشوارع ونخيط الزنق يامناني!.. توه هذا كلام.. يجي منا يامناني!.. مناني ترد.. انت ما تعرفش تفصل ولا تخيط.. ياحسونه.. هذه ماهياش صراكتك! يعني صنعتك.. انت ماشاء الله عليك تديرفي الحوالي والرديوات المبدعات ياحسونة!.. يرد حسن: الدوة هذه مايجيش منها يامناني! فيضتيلي مرارتي! ترد مناني: اسم الله عليك ياحسونة! من فيض المرارة! الشر برا وبعيد!.. ماتقولش هكي! غير برا.. ياحسونة.. امشي للقهوة اللي في الفنيدقة بحداك وخذ فيها فلجين قهيوة معطرة بالزهر بنينة وبردها بطويسة مصقعة مزهرة.. مع "سْبيسي" سيجارة وبرد على قليبك.. اسم الله عليك.. حتى نوتيلك الشغل.. يرد حسن.. انت قاعدة تجبدي عليا بالمرتاح يامناني!.. ماهو! اه! مناني تضحك.. وترد هذا يجي منا ياحسونه.. ياعرفي.. اعوذ بالله.. الشر برا وبعيد.. اسم الله.. العفو.. غير برا.. برا.. وين تولي تلقى الخير والبركة.. كل هذا الحديث " الديلوج من وراء الباب الموارب.. السي حسن تحت سلم البيت.. نصفه في الزنقة وراء الباب ونصفه وراسه داخل سقيفة البيت.. ولالة مناني من فوق في الدور العالي في العلي.. ولا يراها ولا تراه.. فقط يتحاورون! بكل هذه الأريحية.. والبساطة!

السي حسن.. لا يعرف ماذا يعمل.. اين يذهب ويغير ساعة بساعة.. اين ويبرد على قليبه.. اين ؟! فهو لا يستطيع ان يرجع للصناع خالي الوفاض من غير الشغل الذي مفروض يكون معه لتكملة نسيج الاردية في ذلك اليوم..

السي حسن سلم امره لله.. ويصفق في يديه.. ولا حول ولا قوة الا بالله.. "ويقول في نفسه.. بيهبلوني الصُناع".. وهو ينفخ في الهواء.. اف.. ااف.. اافففففففف..ااففففففف! من شدة الحنق.

 ذهب الى الترسانة القريبة من مقر عمله في الفنيدقة.. ليروح عن نفسه وليشم رائحة البحر المنعشة تحت السرايا الحمراء ويبرم سجارة من التبغ الذي يزرع في سوانيهم في النوفليين.. ليخفف ويروح بها عن نفسة وليخرج غضبه مع حلقات الدخان الطائرة في الهواء وهو يتأملها.. مع مشاهدة هواة صيد الاسماك.. يصطادون انواع مختلفة من السمك وهم في حالة من الفرح والنشواة.. وراحة البال.. والرضى الذي لا يعوض بمال ولا بهموم الحياة.. ساعات مبهجة ثمينة مسروقة من زمن السراب الضائع... للفرح.. السعادة  وراحة البال.. في يوم مشرق جميل!

سكتت ريحانة عن عبق حنين ذكريات قصص من زمن.. فات.. بساطة اريحية الزمن الجميل..

الذي رحل مع اهله الطيبين الشفافين.. البسطاء مع بساطة الحياة.. وعذوبتها.. الله يرحمهم.. ويرحمنا.. ان لله وان اليه راجعون..

للة فاطمة باقي
طرابلس في 2022-04-26

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع