مقالات

حسين التربي

باهي.. باهي

أرشيف الكاتب
2022/04/26 على الساعة 10:44

يأتي الشتاء بمطره وبرده، وتسلخ رياحه الكئيبة واجهة عمرك في برودة. تشتاق سماء حياتك الملبدة بالغيوم الى لفحات شمس صيفٍ قد مضي او تأخر عند بوابة الربيع. ترتعد اوصالك وتهتز محفظتك الخاوية في جيبك الفقير، عندما يصل سمعك رفض السيد المدير قبولك للعمل بمصنع المكرونة…

تقدم اوراق اعتذارك للسيد المدير نادماً على سرقة خمسة دقائق من وقته الثمين وتشكره على كرمه. وقبل ان يطالبك سعادته بأن تريه عرض اكتافك، تغادر مكتبه الفخم مطأطئ الرأس…

تجرّك قدماك المتعبتان الى شارع عريض يضيق بمأساتك. هنا، تحاول تقليد صوت رعد الشتاء- في عفوية- عندما تلعن البطالة للمرة الألف. لكنك ترضى بمغادرة اللعنات جوفك لتلامس النور في همسٍ أدمن استعمال كاتم الصوت. ولأنك تدرك غياب "الواسطة" المناسبة في مشاوير أيامك، وتدرك مقاطعة "الاكتاف" العريضة لحياتك، ستظل تخشى لعن البطالة علناً خوفاً من الجان واللجان والحرس البلدي وتنابلة السلطان الجائر ..حتى وان كان المستمع بواب جامع او مدرسة. 

في طريق العودة خائباً الى بيتك، يقابلك أحد المعارف صدفة في الطريق. يسألك عن سبب تغيبك عن "المشهد"، فتعتذر مبرراً أنك لم تتصل به هاتفياً ليس لأن اشتراك هاتفك اصبح خارج نطاق التغطية فحسب، بل لأن عمرك بالكامل اصبح خارج نطاق التغطية و"المشهد"، وبالتالي فقدت رصيدك من وقود الطموح لمستقبل لم تعش حاضره…

تقول له كاذباً: انا آسف، تغيّبت عن "المشهد" لأنني كنت مشغول جدا!  ولا تنسى كعادة ابناء بلدك ان تضيف كلمة "والله" بعد "كنت مشغول جداً". وكأن جملة " كنت مشغول جداً والله" أصدق ولها وقع أفضل في سمع المتلقي! تتناسى انك تكذب، وانه لا يصح الزج باسم الله في كل كبيرة وصغيرة من المعاملات اليومية الا اذا كنت بالفعل تقصد ما تقول. مع سبق الاصرار والترصد، تعلم انه لا يوجد ما يشغلك سوى بحثك الدائم عن عصا موسى لتشق بها طريقاً برياً في الأبيض المتوسط يوصلك الى شآطيٍ بعيد ملئ بالجديد وبالفرص والاحباطات والفشل والنجاح والجروح والبسمات والبهجة وتمزّق الاشرعة كذلك. يجيبك من لا تتذكر أسمه مسايراً: انشاء الله خير.. باهي خلّينا انشوفوك عاد.

مباشرة بعد التخلص من هذا "القصقاص"، يقابلك أحد الاصدقاء ويتأبط ذراعك بسرعة. كأنه يرغمك على مرافقته الى مقهى مزدحم بالغرباء ورائحة الاحباط الانساني، ولترتشف في صحبته فنجان قهوة ولتنفخ دخان الارجيله في هواء مدينتك الملوث بالآهات والصراخ الصامت للأرواح!

تقرر ان تكون صريحا معه وأنك لن تستخدم عذر "مشغول جداً والله". تستجمع بقايا جرأة وتصرخ في وجهه معلناً أنك لا ترغب في تضييع وقتك في شرب القهوة ونفخ دخان الارجيلة في هواء مقاهى المدينة المتعبة. لكنك تقتنع برأيه بعد ان تستمع الى الخيار الثاني الذي يطرحه عليك في هزل: لا تريد الذهاب معي الى المقهى، هيا بنا الى المتحف اذاً! 

تضحكان في عفوية، ثم ترافقه صاغراً ومسلوب الارادة الى المقهى لتمارسا هواية اغتيال ساعات الزمن علناً فوق كراسي بلاستيكية متسخة احتلت اركان المكان في فوضى. عشرات الاسئلة تحلق في سماء رواد المقهى، تتبعها مئات الاجوبة التي لا تقود الا الى المزيد من الاسئلة. والخلاصة؟ لا شئ جديد! 

جموع الحاضرين تثبت للمرة المليون معرفتها وإدراكها بكل الامور. نادراً ما تسمع أحدهم يقول: لا أدري!

تصل الى بيتك وأنت لا تدري كيف عدت او ماذا رأيت ومع من تكلمت في الطريق. 

كل الضحكات صفراء اللون.. كل الاحداث متشابهة.. كل الوجوه والاقدار متشابهة.. حتى غدران ومطبات شوارع مدينتك متشابهة. 

تقابلك الوالدة بسؤالها الاعتيادي: حصّلت خديمه يا اوليدي؟ فيأتي جوابك الاوتوماتيكي المسجل بآلة الرد القابعة داخل جمجمتك: لا.. ما زال يا أمي! 

تدعوا لك والدتك بالتوفيق والنجاح في المحاولة القادمة غداً، وتطلب الستر والبركة من الرحمن الرحيم أكرم الكرماء، وتختتم دعائها بذكر اسماء اولياء صالحين سمعت عنهم من جدتها. 

وبعد وجبة هزيلة لكنها ليست من أموال الحرام، تبدأ رحلتك الليلية في التسكع بين برامج فضائيات العالم. لم تعد تندهش لسماع أخبار العالم التعس، ولم تعد متلهفاً لمتابعة مسلسلات مملة يعيش مقدميها في عالم آخر بعيد عن عالمك وفي زمان آخر لا تملك تأشيرة دخوله...

تسحب بطانية قديمة تتقي بها برد حجرتك الصغيرة. نجاحك في تغطية رأسك بالبطانية يعني فشلك في تغطية قدميك بها. على طول فراشك مد رجليك، وعلى قِصر بطانيتك عوّج رقبتك او اثني رجليك...

تتجاهل وجود شهادة تخرجك الجامعي الملطوعة والمحكوم عليها بالمؤبد تحت زجاج برواز رخيص مستورد من الصين. تقرر متابعة اضرابك عن النظر الى ذلك الركن من الجدار المشنوقة به تلك الشهادة العليا. 

يحزن البرواز الصيني والمسمار الهندي حامل شهادتك الجامعية، ويقررا مشاكستك مرة اخرى، فيميل برواز شهادتك الى جهة اليمين. هل يوصف التعليم العالي والشهادات الجامعية ب "العليا" لأنها تشنق دائما في اعلى ركن في المربوعة؟ 

بعد جهاد ونضال طويل ضد بطانية قصيرة، تنجح في التسلل الى عالم النوم وتعلن في شكل همهمات لا يفهمها الا سكان الفضاء الخارجي، فرارك من جور سلطان الأمر الواقع الى سلطان النوم وعالم الأحلام.

بعد ساعتين او ثلاثة من دخولك الى عالم لا يدخله الا "المتهني" او المتعب، يُصر مؤذن الجامع القريب على ايقاظك من نومك لتصلي، وليذكرك بضرورة شكر الخالق على ما أعطى وعلى ما منع. تعلن كل ديوك الحومة انضمامها وتأييدها ومبايعتها لما دعى اليه المؤذن، وتبدأ فصول قصة وحكاية كل يوم…

وتحت غطاء بطانيتك القصيرة تنسج خيوط مؤامرة، تجبر خيالك فيها على تصور طعم دجاج وصراديك الحومة كلها وهي تغلى في طنجرة المكرونة حتى تتخلص منها…

يستسيغ خيالك حبكة المؤامرة ويسيل لعابك، فتعلن معدتك استعدادها لاستضافة ما تخيلته من لحوم الدجاج حتى وان كانت مصابة بانفلونزا الطيور ودراه الكبيده. تصدر معدتك واحشائك اصوات وفرقعات فتزمر صفارات الانذار بجوفك الخاوي. يرغمك التعب والجوع على استجداء تأشيرة دخول جديدة الى عالم الاحلام. يمنحك اتحاد دول عالم الاحلام المبعثرة تأشيرة ترانزيت، فتغطى رأسك بالبطانية وتترك قدميك خارج التغطية. وما أن تعبر بوابة سلطان النوم، حتى يأتيك الأمر اليومي من شخص ما يدق باب غرفتك بقوة: ”تي نوض دوّرلك خدمة على رأسك يا ولد.. الساعة سبعة ونص راهو"!

تحاول الصراخ للمرة الألف لتعلن بأنه (لا عندك راس، ولا فيه خدمه بدون واسطه) في هذه الدولة النفطية، لكنك تفشل في ذلك. ومن جوف معاناتك، يخرج ردك المهذب على طلب والدك وتقول: باهي.. باهي يا بوي…

يأتي الصيف الذي تنتظر، وتغزو أشعة شمسه أركان برودة الأيام في حياتك. يغازل ضوء النهار ظلال قيلولتك في ملل، ويسري الدفء ببطء في شرايين جسدك المتعب. تجف واحات المشاعر وتلتهب حناجر العواطف. تفرز عرقا مالحا يرطب جلدك العطشان، فتشكو ارتفاع رطوبة المكان لذبابة مشاكسة تتعلم فنون الغناء. 

في الشتاء اشتقت للصيف، وعندما أطلّ الصيف بدأت تغازل سراً ذكريات شتوية. يسمع الصيف شكواك، فيرسل لك هدية: نسمة بحر يشتريها لك من أمواج فقدت بوصلتها، فأرتمت على شطوط مدينتك المبعثرة شوارعها والمتكلّسة بسمات قاطنيها…

ينتعش أفق امسيتك المظطربة، فتقرر الخروج لتهرب من صمت جدران خرسانية لا يشاركك فيها سوي الصمت والحزن والفراغ وصفير ذبابة تعلم أنها لم ولن تتعلم الغناء أبداً، لكنها لا تكف عن الطيران حول رأسك وخوض مناورات الهبوط الاظطراري على جبهتك العريضة التي تتصبب عرقا…

تخطو بضعة خطوات في شارع مترب، فيصلك صوت محرك سيارة جارك الرافض للحركة. أنين المحرك المتواصل يزيد من اندفاع سيل شتائم ولعنات جارك الموجهة لكل مهندسي كوريا. بقايا سيارة جارك فرنسية المولد والجنسية، فلماذا يسب كوريا يا ترى؟ لله في خلقه شؤون! 

تدفع جارتك نصف طزينة من الاطفال خارج باب بيتها في ضجر، وتأمرهم باللعب في الشارع متمنية أن "يقصف الله عمرهم".

مبعثرة تولد كلماتك، عندما تحس بالبرد وانت في بيئة دافئة. 

وفي صباح الشبابيك المغلقة، تتحول الى غريب يغازل انفاسه ويرسم صورة زاهية الالوان ليوم جديد قادم. لكن تلك الالوان الزاهية سرعان ما تبهت وتتحول الى جماد خليط كيميائي، عندما يبدأ الحنين الى وطن يسكنك وتتمنى ان تسكنه في تقديم وجبته اليومية من الوخزات الى قلبك وعقلك وكل كيانك…

للشمس طلات كثيرة، اجملها طلة الصباح الباكر قبل أن تتعب الشمس من حرق كوابيس البشر الليلية…

وفجأة تكتشف أن شتاءً جديدا قد مضي.. تبعه الربيع.. ثم الصيف.. وأسقطت رياح الخريف المشاكسة عاما جديدا من حياتك. ولم يبقى لك سوى ان ترتشف جرعة جديدة من مخزون تفاؤلك الدائم ولتعلن بعد ذلك من جديد: باهي.. باهي.

حسين التربي

2009

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع