مقالات

عمر النعاس

مكارم الأخلاق تحتّم احترام الآخر

أرشيف الكاتب
2022/04/25 على الساعة 15:58

مكارم الأخلاق تحتّم احترام الآخر
"...وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت..."
 

كثير من القانونيين والأكاديميين والمثقفين والسياسيين؛ يشاركون في ندوات حول مشروع الدستور، وجلّهم يعارضون المشروع لغاية في أنفسهم وأنا احترم هذه الغاية مهما كان أساسها أو مصدرها، لأن من أهم عناصر مكارم الأخلاق احترام الآخر، والواجب الأخلاقي يحتّم علينا جميعا احترام إرادة الأمة واحترام حق الشعب الليبي في تقرير مصيره من خلال: أولاً- احترام قرار هيئة التأسيس. ثانياً- احترام قرار هيئة القضاء. ثالثاً- احترام قرار هيئة التشريع. وسأتناول تعريف هذه الهيئات باختصار:

أولاً- هيئة التأسيس ودورها في المسار الدستوري:

هيئة التأسيس هي الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب الليبي لصياغة مشروع الدستور وهي مستمدة شرعيتها مباشرة من الشعب الليبي عبر انتخابات حرة مباشرة في كل أنحاء ليبيا، والهيئة التأسيسية أقرّت مشروع الدستور وفق آلية دستورية صحيحة بمقرها بمدينة البيضاء بتاريخ 2017/7/29 من خلال التصويت العلني الحرّ المباشر برفع الأيدي وبأغلبية دستورية معززة تزيد عن المطلوبة دستوريا وبموافقة (43 عضوا من أصل 44 حاضرين) منتخبين من كل المناطق والدوائر الانتخابية في البلاد وبنسبة 98% (11عضو من برقة، 15عضو من طرابلس، 17 عضو من فزان)، وهي أغلبية في كل منطقة انتخابية من المناطق الثلاث.

إن مشروع الدستور يتضمن (197 مادة) لبناء الدولة الليبية الحديثة، ومن الواجب الأخلاقي تمكين الشعب من قول كلمته بالقبول أو الرفض من خلال الاستفتاء وصناديق الاقتراع لمعرفة رأي 2.8 مليون ناخب، وهي الوسيلة الديمقراطية الوحيدة المعترف بها في دول العالم التي تؤمن بالديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها كما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، وأن إرادة الشعوب فوق كل إرادة.

((فالواجب الأخلاقي يحتّم علينا جميعاً احترام إرادة الشعب والقرارات التأسيسية))

ثانياً- هيئة القضاء ودورها في المسار الدستوري:

هي سلطة القضاء المتمثلة في المحاكم بدرجاتها الابتدائية والاستئناف والعليا، وجميع هذه المحاكم من خلال أحكامها المختلفة منذ سنة 2015 وحتى 2019 أقرّت بالصفة القانونية للهيئة التأسيسية كجسم منتخب وقائم، وقد انصفت المحكمة العليا عمل الهيئة التأسيسية المتمثل في مشروع الدستور لسنة 2017، وأقرّت في أحكامها بتحصين مشروع الدستور من كل الطعون وأن المعقّب الوحيد عليه هو الشعب الليبي من خلال الاستفتاء وله وحده حق قبوله أو رفضه، ولم ترفض المحكمة العليا النظر في الطعون بحجة انتفاء الصفة عن الهيئة التأسيسية، أو انتهاء ولايتها الدستورية كما يتوق أن يروّج لذلك بعض القانونيين دون أي حجة أو برهان، ولكن المحكمة العليا أصدرت أحكامها مؤكدة على تحصين عمل الهيئة التأسيسية وأن لا سلطان عليها إلا الله  ثم رقابة الشعب، ومن هذه الأحكام:

1/حكم المحكمة العليا في الطعن الإداري رقم182/64ق بتاريخ 2018/2/14 ، تقول المحكمة:

"... وإذا كان ذلك، وكان الإعلان الدستوري، وفيما عدا تلك النصوص الإجرائية المبينة بالمادة (30) منه...؛... فإنه لم يقيد الهيئة المذكورة بأي قيد، ولم يلزمها بأي شرط، ولم يفرض عليها اتباع أي نص دستوري، أو قانوني، أو لائحي، ولم يجعل تبعيتها لأي سلطة، وذلك حماية لها من أي توجيه أو تدخل حتى تتمكن من القيام بالمهمة الموكلة إليها، ولا سلطان عليها في ذلك، إلا مراقبة العلي القدير، وما يمليه عليها واجب حملها للأمانة التي قبلتها، ثم رقابة الشعب صاحب السلطات عبر استفتاء عام حول مشروع الدستور الذي أنجزته، فله وحده أن يقبله أو يرده عليها" وتقول المحكمة: ".... ولما كانت الهيئة وهي تصوغ مشروع دستور جديد للبلاد غير مقيدة في انجازه بالتشريعات النافذة على نحو ما سلف من بيان، وبالتالي فإن الرقابة القانونية للقضاء الإداري على قراراتها ذات الصلة – لبحث مدى مشروعيتها من حيث مطابقتها أو عدم مطابقتها للقانون – تغدو غير ذات موضوع، لأنها قرارات لا تهدف إلى تطبيق القوانين واللوائح النافذة، وإنما تصدرها الهيئة ابتغاء تحقيق الهدف الذي أنشأت من أجله وهو التأسيس لمشروع دستور جديد سيكون – إن قدر له الصدور – من أهم مصادر المشروعية في حينه، بما لا يسوغ معه إخضاع هذه القرارات لرقابة لمشروعية الإدارية...".

2/ حكم المحكمة العليا في الطعن الإداري- رقم ( 68/ 65ق) بتاريخ 10 أبريل 2019،

تقول المحكمة: ".... ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور ليست سلطة لإنفاذ القانون أو الحكم أو إدارة البلاد بل هي هيئة منتخبة مهمتها الوحيدة إعداد وصياغة مشروع دستور جديد، وليس لها مهمة سواها – وانها ما التزمت بهذه المهمة – فإن ما تقوم به في هذا الإطار لن يكون له أي أثر على أي سلطة أو نظام قانوني قائم، كما أن ما تصدره من قرارات ليس الهدف منها تطبيق التشريعات النافذة بغية إحداث مراكز قانونية أو تغييرها وإنما غايتها منها هو الوصول إلى الهدف الذي أنشئت من أجله وهو التأسيس لمشروع دستور جديد... وبالتالي فإن قراراتها حسب هذا الأصل ليست قرارات إدارية بل قرارات تأسيسية...".

وتقول المحكمة: "...ولما كان ذلك وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق أن موضوع الطعن الماثل قد تعلق بقرار الهيئة التأسيسية الصادر بجلستها العامة المنعقدة يوم السبت الموافق 29 يوليو 2017، القاضي باعتماد مشروع الدستور بعد التصويت عليه بأغلبية (43) صوتاً من أصل (44) صوتاً، فإن موضوع القرار المطعون فيه يكون قد دار في مضمونه وفحواه حول مسألة تتصل وبشكل مباشر بمهمة إعداد وصياغة مشروع الدستور بما يجعله ضمن الوظيفة التأسيسية للهيئة، ويكون ذا طبيعة تأسيسية تنأى به عن مفهوم القرار الإداري وتنتفي عنه خصائصه وأركانه، ويكون بالتالي غير قابل للطعن فيه بالإلغاء..".

تعقيب: أقول لبعض القانونيين، أن المحكمة أكدت في حكمها على أن صياغة مشروع الدستور هو وظيفة حصرية للهيئة التأسيسية وأنه عمل ذا طبيعة تأسيسية، وأن الهيئة التأسيسية لا تخضع لأي سلطة قائمة حيث أن الرقيب عليها هو الله العلي القدير، وواجب حملها للأمانة ثم رقابة الشعب الليبي، وأن مشروع الدستور الواجب طرحه للاستفتاء هو الذي أقرّته الهيئة التأسيسية بتاريخ 2017/7/29  بأغلبية (43) صوتاً من أصل (44) صوتاً، وهذا ما رسخته المحكمة العليا في أحكامها.  

(( فالواجب الأخلاقي يحتّم علينا جميعاً احترام القضاء والاعتراف بأحكامه)).

ثالثاً- هيئة التشريع ودورها في المسار الدستوري:

هي السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب الليبي، وبإصدار الهيئة التأسيسية مشروع الدستور بتاريخ 2017/7/29، وبعد حكم المحكمة العليا في 14 فبراير 2018 باستقلالية الهيئة التأسيسية وعدم خضوعها للأجسام القائمة وتحصين مشروع الدستور من كل الطعون، قام مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية بإصدار التعديل الدستوري العاشر بتاريخ 2018/11/26 بشأن الاستفتاء على مشروع الدستور وفق أغلبية ثلثي المقترعين مع وجوب الحصول على نسبة (50%+ 1) في كل منطقة من المناطق الانتخابية الثلاثة (برقة، طرابلس، فزان)، كما أصدر المجلس قانون الاستفتاء (رقم6) بتاريخ 2018/11/27 وتم تسليمه إلى المفوضية الوطنية للانتخابات يوم 2018/11/29 لإجراء الاستفتاء خلال (60 يوما حسب نص المادة 3) من القانون رقم 6 بشأن الاستفتاء.

((فالواجب الأخلاقي يحتّم علينا جميعاً احترام النص الدستوري واحترام القانون)).

خلاصة الأمر - احترام الآخر واجب أخلاقي:

إن احترام الآراء واجب أخلاقي؛ ومن الواجب احترام رأي الهيئات المنتخبة من الشعب الليبي وهي الهيئة التأسيسية والهيئة التشريعية لأن احترام قراراتها يعني احترام إرادة الشعب.. ومن الواجب احترام أحكام القضاء الليبي وما يعنيه ذلك من احترام العدالة ومصلحة الشعب وإرادته.

وعندما يتعلق الأمر بفئة القانونيين والأكاديميين والمثقفين والسياسيين - وبالرغم من موقفهم الخاص من مشروع الدستور -  يكون عليهم التزام أخلاقي مضاعف لاحترام إرادة الأمة ومبادئ العدالة والديمقراطية، وأن يساهموا فعليا لتحقيق أسس الديمقراطية الحقيقية وهي مساعدة الشعب وتمكينه من ممارسة حقه الدستوري وقول كلمته الفاصلة بالقبول أو الرفض من خلال الاستفتاء على مشروع الدستور الذي أقرّته الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب الليبي وتم تحصينه من المحكمة العليا وهي أعلى سلطة قضائية في ليبيا، كما أصدرت السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب الليبي التشريعات اللازمة لاستفتاء الشعب عليه  بــ(نعم أو لا).

إن مبادئ مكارم الأخلاق تحتّم على الأكاديميين والقانونيين والمثقفين والسياسيين تحديداً أن يكونوا قدوة باحترامهم لإرادة الشعب وفق مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير، واحترام الشعب بصفته صاحب السلطة التأسيسية الأصلية واحترام قرارات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور المنبثقة عن الشعب، واحترام قرارات السلطات القضائية والتشريعية ترسيخاً لمبدأ احترام القانون وأحكام القضاء، وذلك من أجل تحقيق هدف نبيل هو قيام دولة الدستور والقانون وبناء دولة المؤسسات والتداول السلمي على السلطة وضمان الحقوق والحريات والمشاركة السياسية الفعلية لكل الليبيين والليبيات وتحقيق الحياة الحرّة الكريمة لهم وتمتعهم بخيرات بلادهم.

حفظ الله ليبيا

أ. عمر النعاس

عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور
 25 أبريل 2022

عمر النعاس | 04/05/2022 على الساعة 18:24
واضح
السيد.غومة.. واضح جدا أنك تفهم في صناعة الدساتير.. سلاما
غومة | 01/05/2022 على الساعة 22:02
ربما كانت كلمة حق ولكن ما اريد بها…؟
الحقوقيون مثل اهل النحو ، كما يقول المثل الليبي "يلقو في الهبرة عظمة!" مشكلة ما تسميه بالدستور ليست في الاجراءات القانونية او التشريعية او البروقراطية ولكنها تكمن بالدرجة الاولى فانه ليس جدير بالاعتبار . دستور ملقط من 'طقطق الاسلام عليكم' ليس فيه روح ولا لب.انه كشكول بالمعنى الصحيح ويجب رميه في سلة المهملات والبدء في كتابة دستور من نقطة الصفر، منبعث من لدن الشعب الليبي وتطلعاته نحو المستقبل. الدستور ينطلق من الحاضر ولكنه بالدرجة الاولى ينظر الى المستقبل؛ ربما باجيال. الدستور يجب الا يتعدى اربعة او خمسة صفحات يرسم الخطوط العريضة للدولة وبالدرجة الاولى يحمي الفرد من سلطان الدولة الرهيب. ليست من مهمة الدستور ان يتدخل في نشاطات المجتمع المختلفة مثل الاقتصاد والثقافة والتدين وما ادراك من هذه الامور. اننا قريبون من النصف الاول من القرن الواحد والعشرون ولسنا لا زلنا نعيش في العصور الوسطى. الدستور يجب ان يحرر الفرد من كل القيود ويفسح المجال للطاقات الابداعية لترسي اقتصاد المعرفة. البلد صحراء والبترول طفرة قصيرة المدى وبالتالي يجنب النظر الى مستقبل الاجيال وكيفية تتعامل مع واقعها الصعب.
عمر النعاس | 01/05/2022 على الساعة 00:17
مكارم الأخلاق
بكل تأكيد... ومن مكارم الأخلاق أن يقرأ الإنسان ما تم كتابته ويفهمه جيدا ثم يقول رأيه في ما قرأه وفهمه.
عبد الجليل المنصورى | 29/04/2022 على الساعة 13:56
مجرّد رأي! وتساؤل.
أليس من مكارم أحلاق الشخص، أن يعرف حدود المهام المنوطة به، ويقف عندها!
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع