مقالات

عبدالمنعم المحجوب

قانون التأويل العربي

أرشيف الكاتب
2022/04/25 على الساعة 14:36

لماذا تبدو النصوص الأدبية العربية أكثر ثراءً وتطوّراً من النصوص الدينية في التراث العربي؟

«قانون التأويل العربي» تسمية رشديّة وردت في «فصل المقال» يُقصد بها إتاحة التجوّز في التفسير مع عدم الخروج عمّا تشترطه الحدود العقلية شرعاً. أراد ابن رشد حلّ إشكالية «المعقول والمنقول» أو «النظريّات والعمليّات» عن طريق «البرهان»، مع ميل مسبق إلى إثبات معادلة صفريّة تنتهي بتأكيد التوافق والتسليم بتعادل الطرفين، ذلك أن البرهان لا يجب أن ينزاح عن المثال فـ«كلّ ما أدّى إليه البرهان، وخالفه ظاهر ُالشرع... يقبل التأويل على قانون التأويل العربي». 

يتوسّط التأويل العربي القديم منطقةً وسطى بين النقل والعقل، بين الشريعة والفلسفة، وقد يكون ظنّيّاً يُستفاد به في ترجيح الإجماع، ولكنه يجب أن يبقى مع ذلك من قبيل «المضنون به على غير أهله»، وهو عنوان كتاب للغزالي، فلا يُصرّح به أو يُشاع. جعل ابن رشد التأويل «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يُخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز»، ويوجّه التأويل في «فصل المقال» إلى «ما سكتت عنه الأحكام»، فهو من «واجب النظر» و«استنباط المجهول من المعلوم... وهذا هو القياس... وهو المسمّى برهاناً»، ويدور على ما هو مباحٌ بالشرعِ، أو محظور، أو مأمور به، «إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب». 

التأويل الرشدي بهذا المعنى ضرورة مؤقتة تستمدّ أسبابها من الحاجة إلى ردّ الأمور إلى سياقها المثالي (= سنّة الله). إنه مستوى ثانٍ من التفكير في أشياء العالم بتفعيل أشياء اللغة وحثّها على مقاربة مثال منصوص عليه، أما ما عدا ذلك، أي ما لا يقبله قانون التأويل المعدّ سلفاً، فهو من قبيل الكفر والجنوح، ذلك «أن النّاس طريقهم واحد في علم الشريعة» ولا يجب أن يتشعّب هذا الطريق.

هنا ينتهي «التأويل العربي» إلى «حدٍّ» لا يجوز الخروج عنه، فهو تأويل «محدود» مسبقاً، لا بد له من العودة -حقيقةً أو مجازاً- إلى نقطة البدء والإلتزام بها: الشرع المسبَق. التأويل العربي لا معنى له خارج حدود الدلالة المجازية (الباطن) التي ترتدّ بالضرورة إلى الدلالة الحقيقية (الظاهر)، مثلما أن اللغة –آلة التأويل– لا معنى لها خارج حدود الاتصال، سوى الانفصال، أي «الجنون». 

لقد ارتبط «التأويل العربي» منذ البداية بالخطاب اللاهوتي، تحت ظلّ الآية: «وما يعلم تأويله إلا الله»، وتكاد تقتصر كلمة «التأويل» على النصوص المقدسة (قرآناً وحديثاً)، أما في حقول أخرى (الأدب تحديداً) فقد كانت تسمّى تفسيراً أو شرحاً، بالرغم من أن التقنيات المنهجية كانت واحدة في الحالتين، مع اختلاف أساسي يتمثّل في أن التأويل اللاهوتي (الذي لا يجيز غير الاتصال) كان دائرة مغلقة، بينما كان التأويل الأدبي (الذي يجيز الانفصال) أفقاً مفتوحاً غير مشروط. 

عبدالمنعم المحجوب

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع