مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر رمضانية.. ليلتا النصف والقدر

أرشيف الكاتب
2022/04/22 على الساعة 10:05

تنقضي أيام رمضان ولياليه، في سرور وحبور، مليئة إيمانا وعبادة, يذكر الله فيها كثيرا، ويصلى على نبيّه بحورا، وتحن القلوب فتعطف، وتتطهر الألسن فتسبّح، فتنقضي الأيام، كما يُقال، بسرعة، وإذا بنصف الشهر يُعلن، فيقيم له الصائمون والصائمات، ما يستحقه من الاحتفاء والاحتفال، بصلوات وأدعية ومراسم عديدة، تختلف بين بلد وآخر، أو بين منطقة وناحية، أو حتى بين حي وحومة، وعائلة وأخرى...

لكن ان اختلفت شكلا، لا تختلف أصلا ومحتوىً. لأن الإضاءة والإنارة تتسعان انتشارا، وتزدادان بريقا ولمعانا في كل القلوب والأمكنة، خاصة أماكن العبادة والصلوات. القرآن الكريم يُتلى، والدّعاء بقلوب خاشعة لربّها تُردّد، طالبة الرحمة والغفران، معلنة التوبة والندم، على ما أوتي من ذنوب أو آثام، عن دراية وعلم أو زلة قدم، إيمانا وتسليما بأن الله يقبل التوبة وهو غفور رحيم.

ابتداء من ليلة النصف تشرع العائلات نساء ورجالا في الاستعداد لليلة القدر، ليلة السابع والعشرين من رمضان، فتُؤم الجوامع لسماع تلاوة القرآن، وتزار الأسواق بعد ذلك، لشراء لوازم العيد، من ثياب الصغار، أو حتى الكبار، وما نُسي أو جدت حاجته، من مواد لصنع مرطبات العيد مثل المقروض، والغريبة، والكعك محشو بالتمر، والبقلاوة، والملبس، وكعك الورقة الآتي من الأندلس، وكما يقال: كل قدير وقدره.

من المشاهدات المألوفة في هاته الليالي والأيام المباركة، بالمدن الكبيرة مثل بنغازي وطرابلس، صينيات تلك المصنوعات اللذيذة، تجوب الشوارع فوق رؤوس الاطفال في طريقها الى ؛الكوشة" ليتم تجهيزها هناك وترجع ساخنة طازجة. ثمّ تأتي ليلة القدر المباركة، فيُحتفل فيها بختم تلاوة القرآن في الجوامع، والزوايا الصوفية، حيث يكثر المريدون. وفي الجامع الأعظم بالعواصم، يتخذ الاحتفال صبغة رسمية بحضور الحاكم وأولي الأمر، ويتولى الإمام في النهاية إلقاء خطبة توجيهية واعظة.

تستغل ليلة القدر من البعض لعقد القران تبرّكا، ومن أهل الخير الموسرين والجمعيات الخيرية، ختان الأطفال اليتامى وأبناء المعسرين، قياما بالواجب وطلبا للأجر. تقوم النسوة أيضا بصلة الرحم، الأحياء منهم والموتى، فتزرن المقابر للترحم وتلاوة القرآن، من قراء يسترزقون، والترحم على أرواح موتى المسلمين. تحرص معظم العائلات على إعداد أكلة خاصة بليلة القدر، تختلف هي الأخرى بين المدن والقرى، وبين بلد وآخر.

باقتراب عيد الفطر، تكثر الحركة والاستعداد له. ففي البيوت تهيمن صناعة المرطبات التي ذكرناها، وفي الأسواق تنشط الحركة في جميع المحلات، بما فيها محلات الحلاقة -الحسانين-، وفي المساجد والزوايا يكثر عدد المؤمنين المصلين، الداعين، الراجين الطامعين رحمة وغفرانا.

يطول السهر ليلة العيد، كثيرون لا ينامون البتّة، وعند الفجر يستحمون ويتطهرون، ثم يرتدون الجديد من الثياب وطاهرها، ويتطيّبون، بينما تعد الأمهات أطفالهن بالنظافة واللباس الجديد، "اليوم كبيرة وبكرة عيد.. أفرح يا بو ثوب جديد" كما يغني أطفال بنغازي ليرافقوا أولياءهم، إن سمحت سنّهم بذلك، إلى المسجد لأداء صلاة العيد.

يعود المصلون إلى بيوتهم، فتتبادل التهاني والتمنيات، ويجلس الجميع لوجبة الفطور بخصائصها المختلفة المتعددة بين الأقطار والمناطق والمدن. فتمتاز طرابلس بالفطيرة، وبنغازي بالعصيدة، وتونس بعصيدة "الزقوقو"، وصفاقس بالسمك المجفف المملّح، تصحبه "الشرمولة" المصنوعة من البصل والزبيب المطبوخان حتى يذوبا تقريبا ويسودّ لونهما. كل هذا يأتي بعد إخراج زكاة الفطر، إن لم تُخرج في الليلة الماضية. صدق من قال "كل بلاد وأرطالها" وأسعد الله أعياد القارئين.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 3-4-2022.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع