مقالات

محمد دربي

نصيحة.. لا تقرأ شتات هذه الأسئلة

أرشيف الكاتب
2022/04/10 على الساعة 16:25

قرأت مرة لإبن خلدون: "الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة".  وقد يقال إنّ: هذا كله أثر العصبية التي لا تزول من عقولنا ونحن في عزّ القرن الواحد والعشرين فرحين بما لدينا مُستبشرين به والمؤتمن عليه هو عقلنا وحسب. وهل هذا أمر طبيعي؟

قد تؤدي عبارة اِبن خلدون إلى اسئلة خرساء تخلو من القدح والذم وربما من المعنى وفهم عقولنا فهماً أفضل والذي لا نعترف به اعترافاً كاملاً خشية من أن يقال إنّ الجدل قليل الحضور في ثقافتنا الليبية، فهل من الممكن تبرير السؤال بعيداً عن منطق الرغبات والأماني؟ فمن نحن وما هو هذا البلد الليبي؟

(1)

كيف نخدم هذا البلد بالإستعمال الحرّ للسؤال على أن لا نزعم أنّه سؤال ثابت بمعزلٍ عن سياقه المتغير سعياً لفظياً لحل المشكلة الليبية على نمط تخيلي من الأسئلة الحائرة دون تلاحم حقيقي مع الواقع؟

ما هذا البلد الذي يُعرف بأنه ليبيا يتخاصم الناس فيه ويتنحاروا تحت سطوة الأيام والأحداث المستمرة دون توقف رصين لتذوق الإستقرار والأمن والإزدهار وفض المشكلات والتعايش السلمي بالعقل وليس بالبارود؟ كيف نلائم بين الصدق في التصور والتفكير مع الدقة في تغيير الواقع والإنجاز اللاحق له؟

(2)

كيف وصل هذا البلد الغني بالنفط والمصادر الطبيعية والموقع المفتوح على العالم وهوجة المال السائل بل توقف إلى هذا الواقع المأزوم من غياب أساسيات البنيات التحتية للسيطرة على اضطرابات حركة المجتمع حتى ظلّ الناس يعتقدون إنّه أمرٌ طبيعي سواء من نهب وتلذذ بالتدمير أو من قعود في غرفة يستقي الأخبار من "النت" بنقاله الذكي، حتى ظنّ المرء أنّ انقطاع الكهرباء هواية ليبية جديدة؟

 بل كيف تستمر الأقنعة المزيفة تخفي ورائها الحقيقة المؤلمة عن هذا البلد وسط العناية المستمرة بالإستهتار لذات الإستهتار دون نزع الأقنعة عن هويتها الزائفة المطمورة خلف بوابات القادة الملهمين الذين يدعون للزواج من أربعة وينفقون على زواج الشباب ويعدون بالطائرات الخاصة وما ملك البحر من بواخر ويخوت بينما الزمن سميك وعنيد بشهادة هذه الأقنعة؟

إلى أين ننحو بهذا البلد معرفياً وسياسياً وعقلياً وثقافيا واجتماعيا وتاريخياً وإلى أين ننحو به انسانياً هل نفعل ذلك بأمر الواقع إلى أن يضطر هذا البلد للنحو إلى مواجهة مشكلات مصيرية قد تصعب على الحل؟

(3)

هل يمكن الإكتراث بحالة هذا البلد الحرجة بطريقة أوضح من التماهي مع السلطة والإعجاب بها على الدوام، أي، السلطة والهرولة خلفها من باب الإفتخار بها واستغلالها على نحو متفوق في السيطرة والهيمنة  يحار المتأمل في النظر لها أحياناً أو تفسيرها؟ لماذا كل السطات الليبية بمختلف مشاربها منذ الإستقلال معظم وعودها كاذبة لا تعبأ بالمواطن علماً بأنّ كل نشاط محكوم بنتائجه؟

لماذا لم يرتاب الناس مُبكراً عند الإحساس بالصدمة من هذه الأقنعة "الكلاموجية" التي تفرض على الناس هواها التوفيقي التلفيقي لإتباع نهجهم في التفكيربل ولماذا لم يأخذوا الحذر منها ومن القابها المزدانة بالحروف العبثية التي لا يقام بها عدلٌ ولا يصدر عنها فكر وحال فكرها "الليبرالي الجديد" كما تصفه هو مناطها المزدري والقاصي للعدل والقبول الصعب للولوج في بناء الدولة بحق في سبيل الناس والأجيال القادمة والإرتقاء إلى المستوى التاريخي ، فلماذا مناطها وهدفها الزيف والتزوير؟

(4)

هل نحن الليبيون نعرف – وإنْ ليس على وجه الدقة- ماذا تفعل الحكومات وما هي المهام المنوطة بتحقيقها وانجازتها في هذه اللحظة بل ومنذ لحظة صبيحة الإستقلال الهرم المتناثر بمعزل عن أي فكرة حيوية سياسية من أجل بناء علاقة سياسية سليمة منتجة  بين المجتمع و"الدولة" كقرينين متلازمين يعملا معاً لتخطي التراوح بين التقدم والتقهقر وبين الآمال العريضة والثقافة المشوهة؟

هل نعرف نحن الليبيون إنْ كنا قد ساهمنا تاريخياً في اطلاق أية مبادرة لانجاز مشروع سياسي ينطلق معرفياً من المجتمع ذاته وليس مُفصلاً من قبل السطة والقبيلة والعصبية والتحالف الأسري المقيت أوعلى حسب مزاج رئيس وزراء  أو "قائد أمة" أو من قبل عشائرالمثقفين والمتعلمين الذين يعيشون على هامش التفكير والثقافة الهامش بعد الهامش والتشيع لزمرة أو قطيع أو حزب واحد مؤدلج على نحو عصابي أو رأي من الأراء السابحة في الهواء الطلق؟

هل نعرف نحن الليبيون ماذا نحن فاعلون في المجتمع وفي البلد الذي نعيشه للتغلب على هذه الأوضاع السيئة وهذا التحدي المصيري؟ هل فعلاً نعرف ما هي المشكلة الليبية؟ وإذا اِدعينا المعرفة بها، فلماذا لم نجد لها حلاً ملموساً عيانياً وليس ميتافيزيقياً حتى الآن؟

(5)

 بل هل نحن الليبيون – من دون مواربة - في حوزتنا ثقافياً وتاريخياً ومعرفياً وسياسياً رؤية استراتيجية للتغلب على هذا التحدي من أجل بناء دولة "حديثة عصرية" بعيدا عن إدعاء امتلاكها في حقبة تاريخية سابقة درجنا على ترديده في مرحٍ غامضٍ دون أنْ نلتفت إلى أنّ "الدولة الحديثة العصرية" ينبغي بنائها أولاً على أسس بناء المواطنة دستورياً وليس على أسس قبائلية عشائرياً وعائيلياً وعلاقات النسب والمصاهرة؟

هل نعرف موضوعياً ما أهم المشاكل التي تواجه هذا البلد المنكود وما هي الإجراءات الفكرية والعملية لمناقشتها من قبل النخب الثقافية والتعليمية وأهل التجربة والدّراية واصحاب التفكير العقلاني والتفكير الناقد ودراستها وإعداد الحلول لها والخروج بليبيا من نفق التخبط والتشتت والدوران على الفاضي؟

هل نعرف نحن الليبيون ماذا تفعل وماذا كانت تفعل هذا الحكومات غير الشرعية أصلاً فيما يتعلق بعلاقات البلد الخارجية تجارياً وسياسياً ودبلوماسياً منذ أنْ ظهرت في هذا البلد الحكومات من بعد الأستقلال؟

(6)

 هل نعرف ماذا يفعل كل سلك دبلوماسي متطفل على المال العام بضمير مُتجمد بتزويق معتقداته وتزويرها على أنها رزق من الله له ولإولاده وأقاربه ويعتاش خارج البلاد مُرفهاً على حساب الناس المحرومين من ابسط الحاجات للعيش الكريم في هذا البلد وأبسطها حاجات توفير الكهرباء والسيولة وبعض من الكرامة البشرية التي تسحقها المعاناة والمكابدة اليومية تحت شهادة سلاطين النهب في الداخل؟

 فما هي أهم انجازات السفارات والعاملين بها في خدمة ليبيا والمجتمع والناس في داخل البلد وخارجه؟ فمن من السفراء والعاملين بالسفارات يقفون في مقام اللص فرحين بما اغتنموه من المال العام، فهل الأمر على هذا النحو أخلاقيا ومقبول عرفياً؟ كيف يكون هناك تمثيل دبلوماسي لدولة غير موجودة أصلاً؟

 هل نعرف نحن الليبيون بأنّ السطو على المال العام عمل غير قانوني يحاسب عليه القانون وغير اخلاقي ايضاً يحاسب عليه العرف والنزاهة الفردية ولا يصدر إلا عن ضمير مدخول، مع عدم حشر رأي الدين في ذلك حتى لا يغضب أحد؟

(7)

هل نعرف نحن الليبيون كيف نشأت المليشيات الليبية ومن قام بتأسيسها ودعهمها مادياً ومعنوياً وجعل منها سلطة ذات سيادة جنباً إلى جنب مع الحكومات غير الشرعية في ليبيا، ميليشيات متكبرة تعلن عن نفسها طوراً وتتباهى بنفسها في جميع الأطوار وتعتاش على المال العام وتستند على قوة ذهنية خادعة؟

هل نعرف نحن الليبيون كيف يمكن لإمرٍ ليبي معتوه "داعشي" يختبيء خلف لحية كثيفة وطويلة يشرع في رمي بعض الأفراد من أهل البلد في احدى المدن بالرصاص الحي المدوي وعلى أرصفة الطرق العامة وبدم بارد وعقل مدخول ولا تهتز لمن حوله من انصار وتُبع ومريدن قصبةٌ، هكذا كأنما الرصاص كان طائشاً في الهواء والضحية دمية من القش والطين وأنّ النار ليس لها من دخان؟

(8)

هل نعرف كيف تعمل الحكومات الليبية وكيف تركبت ومنذ الأزل أيّ منذ زمن رطانة أيام شقشقة وطنطنة و ردح كان يعج في العجاج المُعجعج "يا بلادي بجهادي.. واسلمي اسلمي طول المدى" بل وهل نعرف من اختار هذه الحكومات وما هي الأسس الموضوعية التي تمّ على أساسها هذا الإختيار بل وكيف كنا نجدف وراء "القائد التاريخي" معصوبي البصر والعقل والبصيرة  في ملحمة شديدة التداخل يلعب فيها التغاير والتماثل لتذوق الجهل من أعلى مصادره: "على دربك طوالي يا قائد أمتنا" في لحنٍ طرب الناس له واسكرهم استعباداً واستلذاذاً واستمتاعاً؟

(9)

 كيف يمكن أن يساق المجتمع إلى فكر أحادي الجانب مغلق على ذاته حاملاً جميع متناضاته يشع بالبطولة والفتوحات الخرافية إنما لا يثمر شيء ولا نفع منه للناس والمجتمع وحصيلته ليبيا كما تراهها الآن؟

كيف استطاع الفكر السلطوي أن يجد له شُراح يتحولون إلى عباقرة في الفلسفة والعلوم السياسية اما بدافع من الإستعلاء أو بدافع من تثبيت المنظور التفكيري الواحد بل عباقرة من القادرين ببراعة فذة كلامياً وفكرياً على التطويع للشعارات الفراغة في سياق تاريخي مفروض على المجتمع استهدف حجب الواقع وتجهيل الناس؟ فهل تبعاً لذلك لا تستمر ليبيا إلا في اتجاه معكوس للتقدم والإزدهار في اتجاه الإنحدار ومزيد من التشتت في اتجاه الإنحطاط؟

(10)

 ما هو البرلمان؟ وما أهميته؟ وما طرق المساومة فيه؟ ومن اختاره ولمن؟ وكيف يعمل ويدار؟ وما هي وظيفته؟ هل له من جدوى؟ هل هناك برلمان يمكن أن يقبل بشرعية الإنقلابات العسكرية؟

(11)

إلى أين تجدف ليبيا الآن ومن المنتصر في هذه الهوجات الهوجاء ذات الرسائل غير الواضحة تماماً، فما هو الواجب الثقافي لوضع الأمور في نصابها ومواجهة هذه الصدمة الكبرى التي حرمتنا من ايضاح أي الطرق ينبغي أن نسلك وحرمتنا من الإعتراف بالمغايرة والإعتراف بفشلنا في بناء دولة حديثة عصرية؟

 أليس بناء الدولة شيء والتجديف خلف سرابٍ ببطن البيد شيء آخر؟ ما الذي يعيق تقدم الانسان الليبي على أن يعيش في "دولة دستورية" فعلاً؟ ومن الذي مازال يُقيد جوهره؟ من الذي يعتاش على السلطة ذاتها ولا يعمل على انماء هذا الجوهر الإنساني الليبي؟؟

(12)

 من هو ضحية تنازع الفئويات الليبية الجهوية والعاقائدية والاديولوجية المسّيسة بالمقلوب والمُفخرة بالنصر المهزوم، تلك التي هي تراكماً عميقة الجذور القائمة على الإيهام والخداع والمداهمة والغلبة والعصبية، فبناء الدول معلوم من شأنه أن يفتح الآفاق أمام عقولنا وويمهد الطريق المزدهر لمستقبل الأجيال القادمة، والتخريب معلوم لا يتغير عن طبائعه القديمة حتى بالوسائل السحرية، أليس كذلك وهي لبّ المسألة؟

هل التراجع والإخفاق في بناء "دولة ليبية حديثة دستورية عصرية" ظاهرة ليبية؟ فمن نحن أهل ليبيا؟ ولماذا فشلنا في بناء "الدولة" رغم توفر العناصر البشرية والمادية لبنائها على غرار دول كثيرة كانت أقل منا حظاً وأكثر منا فقراً؟ هل يمكن إعتبار ظروف الحاظر المتخبط المؤلم زائلة وأنّ الزمن كفيل بالتغلب عليها وتجاوزها؟

(13)

السؤال الجامع: هل هذه الاسئلة فارغة من اي مضمون وخارجة عن موضوع الشأن الليبي وإنْ هي إلا متاهات في كلماتٍ وحسب تدور على الفاضي في حكم المتوهم فتبدو حرة طليقة وقد تسجن نفسها في مأزقٍ؟

محمد دربي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع