مقالات

جمال صالح الهنيد

ماذا جمع بين سرقة كتاب والشربة الليبية (شربة رمضان)؟

أرشيف الكاتب
2022/04/06 على الساعة 10:08

من طرائف ما حدث لي في موضوع استعارة الكتب وطبعي جملة "هذا الكتاب مسروق من مكتبة جمال الهنيد" في كل كتاب في مكتبتي، أنه كان لي صديق سعودي تعرفتُ عليه خلال سنوات الدراسة في أميركا. فدعاني إلى وليمةٍ في بيته في مدينة جدة بعد نهاية موسم الحج، ودعا إليها على شرفي لفيفاً من أصدقائه الذين كان من بينهم قاض، فلما جلسنا في غرفة الضيوف وفيها مكتبته هالني حجم مكتبته التي غطّت الحائط كله، فاستأذنته ـ ونحن في انتظار الغداء ـ بالنظر إلى كتبه فسمح لي. وبينما أنا أجول بناظري في الكتب، استوقفني كتاب فيها، فسحبته من الرف وفتحت غلافه وإذا بي اقرأ الجملة: "هذا الكتاب مسروق من مكتبة جمال الهنيد".

سلمتُ الكتاب للقاضي الضيف وطلبت منه أن يحكم في هذه القضية. لم تَجْدِ اعتذارات صديقي في أنه جمع كل كتبه من دون تدقيق فيها قبل سفره ثم شحنها إلى السعودية حين غادر أميركا. فقضى القاضى بوجوب التحقيق في الدعوة وبتنفيذ حد السرقة إذا كان الكتاب باهض الثمن إلا أن أعفو أنا عنه!

استمر النقاش ممتعًا، شارك فيه أغلب الضيوف، حتى جاء الطعام... وإذا بطبق "الشربة الليبية" يتصدر الخوان فسألته: من طبخ هذا؟ فأجاب بأن زوجته السعودية تعلمت طبخ الشربة الليبية من الزوجات الليبيات اللاتي تعرفت عليهن في أمريكا أثناء دراسته مع الطلبة الليبين في أميركا، وعندما عادا للسعودية، أصبحت الشربة الليبية من أشهى الأطباق في البيت، وأردف قائلاً: وعندما علمت زوجتي بأنك ليبي، أعدّتْ لك طبق الشربة كمفاجأة ترحيبية.

التفتُ إليه معلناً أمام الملأ: عسى أن يشفع لك هذا الطبق في جريمتك إذا كان كما ينبغي أن تكون الشربة الليبية!

وضع الطبق أمامي قائلاً بفخرٍ وتحدٍ: تفضّل! فسحبت الطبق أمامي لأنظر إليه، كما ينظر ناقد أطعمة لوجبة في مطعم راقٍ.

نظر الضيوف إليَّ بترقّب وانقطعت الأصوات فلا تسمع إلاّ همسًا، حتى تكاد تسمع صوت الإبرة إذاسقطت على الأرض.

تمعّنت في الشربة، ثم أخذت الملعقة وأدخلتها بتؤدةٍ في الطبق... وبحركة دائرية بطيئة حركت الملعقة وأنا أنظر إلى الشربة. ثم توقفت عن تحريك الملعقة وأنا أراقب... حتى توقفت الشربة تماماً عن الحركة، وانتظرت برهة... إلى أن طفت بعض بقعات الدهن بين قطع لحم ضأن ومكرونة "لسان العصفور"... وقطع صغيرة من ورق البقدونس والنعناع الجاف... ثم رفعت بصري إلى المضيف الذي كان واقفاً ينتظر مبتسمًا تعلو محياه مسحة توتّر وقد حالت بيني وبينه طاولة الأكل الكبيرة، ثم أقررتُ معلناً للحاضرين: "اللون والكثافة هما كما ينبغي أن يكونا للشربة الليبية، ومقادير مكونات الشربة هي أيضاً متناسبة في هذا المزيج".

وما إن انتهيت من كلامي، حتى رفعت الإناء بين يدي، وقرّبته ببطءٍ إلى أنفي، وشممته بنَفَسٍ قصير وجفوني مسدلة ثم اتبعته بنَفَس طويل ملأت به رئتي وحبسته ثواني وأنا مستغرق الحواس... كما يفعل خبراء العطور في تقييم أفخر العطور العالمية، ثم أنزلت الطبق ببطء حتى استقر على الطاولة ...

قطع الصمت صوت المضيف الذي فقد صبره قائلاً: "هه؛ ايش رأيك؟قالها بصوت عالٍ تجاوز أذان الضيوف ليصل إلى أذن ربة البيت التي شعرتُ كأنها خلف الباب تسترق السمع وتشارك زوجها توتره، وقد أربكها هذا الصمت الذي لم تعتدها غرفة طعامها أثناء الأكل.

نظرتُ إلى مضيفي نظرة جادة وقلت: "النكهة هي فعلاً كما ينبغي أن تكون نكهة الشربة الليبية"، فحمد الزوجُ الله بصوت مسموع والتفت إلى ضيوفه مبتسماً، فقال القاضي مقاطعاً: لم يبق إلاّ الطعم؛ ذُقْ... وأعطنا رأيك!

أخذت الملعقة بيمناي وأنزلتها مرة أخرى في الطبق، وحركتها ببطء حتى امتزجت المكونات، ثم غرفتُ غرفةً، ورفعتها إلى فمي، وقرّبتها ونفخت فيها بهدوء ثم قربتها حتى لامست شفتي، ثم أبعدتها قليلاً، وقلتُ: "أحسنتْ ربّة البيت! فالشربة الليبية تقدّم للضيف ساخنة... لا باردة تستطعم تخثّر الدهن فيها، ولا حارة تحرق الشفتين واللسان"... ابتسم المضيف ابتسامة رضا، والتفت للضيوف يناشدهم الإعجاب بماسمعوا... وسكت الجميع عندما رأوا أنني قرّبت الملعقة مرة أخرى من فمي.

نظر الزوج والضيوف إلي، فرشفت رشفة، واسطعمتها بلساني، ثم أدرتها في فمي، بتأمل وتركيز شديدين... وكان الهدوء قد أطبق على الغرفة... حتى كأنهم سمعوا صوت ابتلاع ما في فمي ومضيّه في المريء.

أخذتُ ثوان من الوقت صامتاً... ابتلع ريقي بصوت مسموع... ثم التفتُ إلى صاحبي مبتسماً، وببطء تحولتُ إلى القاضي الذي كان ينتظر شهادتي ورأيي في الشربة، ومن ثم يأخذ قراره في القضية، وقلتله: "لقد عفوتُ عنه يا سيدي القاضي، إكرامًا لزوجته التي ليس فقط أبدعت في طبخ الشربة، بل فاقت كثيراً من بنات أهلها". تنفّس الزوج الصعداء ثم كبّر وانطلق مسرعاً داخل البيت ليبشّر أهله بشيئين: أولهما؛ اعجاب الضيوف بإبداعها في طبخ الشربة، وكيف أنها رفعت رأسه أمام ضيوفه، وكم هو ممنون لها بذلك، وآخرهما هو عفوي عنه وتنازلي عن مقاضاته.

وما أن عاد الزوج للضيوف، حتى رأى ملاعقهم تتسارع إلى أفواههم تلذذًا بطعم الشربة الليبية دون انتظار إذن منه، وكان ذلك إقراراً واستحقاقاً لهذا العفو!

جمال صالح الهنيد 

Hussien Abdrabba Saleh | 06/04/2022 على الساعة 16:23
انها الشربة الليبية
سرد جميل...وأعجبتني المبالغة في تقييم الشربة الليبية...وإشعار القارئ بثمنها اللي جعلكم تتنازلون عن حق المقاضاة. تحياتي
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع