مقالات

للة فاطمة باقي

احكي ياريحانة [5] الريم دوجة والاعورالاحدب معتوق

أرشيف الكاتب
2022/04/02 على الساعة 22:05

ازقة المدينة القديمة بطرابلس الضيقة والمتلاصقة ببعضها المفعمة بالود والحميمة.. تعانق بعضها بكل المحبة بطيب العشرة والسلام المجتمعي بين سكانها رغم اختلاف وتعدد الثقافات والاجناس والاديان في نسييج اجتماعي منسجم متوافق قابل للاخر المختلف بكل حب واريحية وسلام.. قبول الاخر المختلف سمة من سمات طرابلس البهية.. عركته وعجنته مطحنة الزمن الذي فرض وجوده عبر القرون  من الاحداث التي تعرضت لها المدينة مع توافد الناس عليها من كل حدب وصوب.. توافد اناس عليها عبر السلم او الحرب من تجار فنيقين الى احتلالات Cosmopolis عبرالتاريخ فصبغ طرابلس كمدينة عالمية صغيرة.

 سكان المدينة القديمة الطرابلسية خليط من عدة اجناس تخالطت.. تشابكت وامتزجت عبر تاريخها الطويل العريق الذي خلق وشكل العادات والتقاليد الطرابلسية المتميزة التي اتسمت بها مدينة طرابلس واهلها..

 كان الناس في المدينة القديمة في الاغلب بسطاء في كل شئ حتى لو كانت هناك بعض الفروق الاجتماعية الا انها قليلة  يعيشون اليوم بيومه ولا يفكرون بما ياتي به الغد.. الغد في مشيئة الله..

في احدى ايام الصيف الجميلة المفعمة بنسيم البحرالملطف والمنعش لحرارة الصيف المرتفعة الساخنة.. مما يجعل سكانها يخرجون لينتعشوا بنسيم البحر البارد الملطف ورائحته البحرية الخاصة فحين يهب نسيم البحر يستنشقونه بكل سعادة وفرح  يصفونه "البحر تقرع" فالبحرهدية طرابلس التي تسرح وتنام على شواطئه الهادئة الجميلة.. ولتلطيف وانعاش اهلها من الحرارة المرتفعة في بعض ايام الصيف.

يخرج الاطفال يلعبون في الازقة بمختلف الالعاب المتاحة في ذلك العصر.. وتخرج كذلك الفتيات الصغيرات يلعبن.. يمرحن مع بعضهن البعض مع بنات الجيران.. للبنات العاب خاصة ومميزة مثل النقيزة وهي برسم مربعات على الارض ثم يقفزن بينهن وكذلك الخميسة وهي عبارة عن خمسة احجار صغيرة.. وكذلك البيت حيل.. وهنا تبدا الحكاية.. البيت حيل.. وياله من قدر البيت حيل!..

 خدوجة.. اللا دوجة.. طفلة صغيرة.. ايقونة من ايقونات الجمال الفريد العجيب.. جمالها خليط من سحر وجمال تلاقح ثقافات البحر المتوسط يوناني بزنطي فنيقي فارسي.. الريم دوجة جميلة الجميلات بيضاء البشرة بعيونها الواسعة الجميلة كعيون ريم الفلا النافرة يعلوها حواجب سوداء كثيفة لها ظفائربلون الفحم طويلة تصل الى حد ركبتيها مما جعل صوحبتها يهززنها من ظفائرها غيرة.. لجمال شعرها وحسنها الباهرالآخاد! في ذلك اليوم.. يوم قدر البيت حيل! خرجت الريم دوجة تلعب مع صوحباتها بنات الجيران امام بيتها في الزنقة وكان دورها في ان تعصب عينيها بعصابة ولتحاول ان تمسك باحد البنات اللاتي يجرين منها هنا وهناك حتى لا تمسك بواحدة منهن.. وفجاءة امسكت بتلابيب احدهن تهزها وبقوة كما كانت تعتقد وتقول لها: اه حصلتي شديتك شديتك! وحين تنزع العصابة عن عينيها لتفاجئ انها قبضت على شاب وليس احدى البنات فخجلت وهربت تجري الى بيتها والبنات صاحباتها يقهقهن ويصفقن بايديهن عليها شديتي راجل شديتي راجل!

معتوق شاب في اواخر العشرينات من عمره.. التي امسكت بتلابيبه اللا دوجة وقف باهتا مصدوما فاغرا فاه من هول وقوة ماراي.. لم يتجرأ احد ان يمسك بتلابيبة بهذه الشدة والقوة.. ولم ير في حياته وعن قرب جدا جدا.. مثلما راي من جمال الذي فتنه في الحال.. معتوق كبران كبير في برط "ميناء" طرابلس  يذهب كل يوم من طرق وازقة مختلفة لعمله في الميناء..معتوق يأمر وينهي.. معتوق حاجة كبيرة معتز بنفسه متغطرسا متكبرا.. كلمته حادة وقوية يؤمر فيطاع.. معتوق كبران كبير في البرط.. الناس كلها تعرف.. امالا!.. معتوق منذ ذلك اليوم.. تشقلبت حياته!.. راسا على عقب.. اصبح يذهب يوميا لعمله من نفس الزنقه التي تلقى فيها وعده.. وسعده.. ويرجع من نفس الطريق والزنقة لعل وعسى يرى الريم دوجة تلعب مع صويحباتها.. لا يكل ولا يمل.. دوجة استولت على عقله وفؤاده.. واصبح يردد اغنية نعمة الجميلة "ليعتني بشد الهوى يادوجة وخلتي كبدي واجية ممروجة" وفعلا مرجت كبده من شده العشق والهيام ليل نهار يفكر بدوجة ولا تغيب عن تفكيره ويحلم متي يتحصل عليها يتزوجها.. فهو لا يريد الا دوجة التي اخذت عقله ولبه وهو يراعيها ويراها احيانا تلعب واحيانا لا يراها.. ولا يريدها تغيب عن عينيه.. وحين دوجة كبرت قليلا لم يعد يسمح لها بالخروج واللعب خارج المنزل.. فجن جنون معتوق واصبح يضرب اخماسا باسادسا واصبح يتهئ له ان احدا اخرا قد اخذها منه.. وهو لن يدع احدا ياخذ دوجة منه فهي ملكه ونصيبه ومكفاءته من الكون على ما صبر وتحمل فهي هدية الله له.. في دنياه.. فلن يترك هذه الهبة تضيع منه..

 معتوق من عائلة طرابلسية قديمة عريقة من ايام الباشوات وهو الابن الوحيد بين اختين كبيرتين في السن لم يسبق لهن الزواج.. يسكنوا في بيت العائلة الكبير الطرابلسي.. معتوق يؤمر فيطاع.. حازما حاسما.. مسموع الكلمة.. فارضا نفسه ووضعه بشدة وبقوة.. اذا زمجر معتوق.. حيوط الحوش ترعش.. فهو صعب المراس والمزاج.. معتوق رجل زمني.. كل شئ بوقت ونظام صارم.. ومواعيد ثابثة.. كل عشية حين يرجع الى البيت يشرب قهوته المعطرة بالزهر والماء البارد المعطر بالزهر مع كعك او غريبة او مقروض على سفرة مفروشة "بشنترو" مفرش مطرز على الطاولة وهو جالس على الكنبة واضع رجل فوق رجل.. يرتشف قهوته بالوجه.. فهولا يقبل قهوة بدون وجه ابدا.. مع التلذذ بسيجارة.. ينفتوها في الهواء.. يسرح به خياله مع دخانها السابح في الهواء.. متخيلاً حالما بحياة جميلة وردية سعيدة مع الريم دوجة.. فكر معتوق مليا.. لابد ان يتكلم لابد ان يبوح لابد ان يحسم الامربان يخبر اختيه ان يخطبا له الريم دوجة.. وفعلا تشجع وحكى لاختيه عن رغبته بالزواج.. ففرحتا اختيه بذلك واقترحتا عليه احدى بنات العائلة الا ان معتوق.. اوقفهن في الحال وبكل صرامة وحدة وانه يريد فتاة بعينها ولا يريد غيرها.. وهن يعرفن ان معتوق كلمته امرقاطع كالسيف وانتهى.. لا نقاش.. زمجر.. زمجرة..  جعلهن يرتجفن.. حاضر.. حاضر..

 ارسل معتوق اختيه لخطبة الريم دوجة ومعهن الهدايا..والعطايا.. من اول يوم ليبهروا عائلة دوجة وللقبول بزواج ابنتهم دوجة بمعتوق.. ووعدوهم بانهم سيقومون بفرح لدوجة تتحدث عنه الركبان.. سبعة ايام وسبعة ليال.. وما ياكلوا ويشربوا الا من دار السلطان الكريمة كما يقول المثل.. كل شئ على حوش العريس..

 يعملوا لها الماير في العائلات الغنية والعريقة  في طرابلس من جخ.. حرير.. البدلة الكبيرة والصغيرة والجلوة وتوابعهم والتليك الفضى  وذهب لبه وشنبير.. سوار دبالج وخلخال وحدايد ذهب في ذهب وقفة وخناقات الجوهر الحر والشيشخان... ونجمة ومحضر وليلة دخول مطنطنة. ومحضر بالعبمبر والروزاطة ودار مفرشة باحسن الاثاث بالعاج والابنوس والبساط العجمي.. واواني النحاس.. والقيشاني.. ومايفكروا في شئ فقط يقبلوا ويدفعوا مهر كبير ومؤخر صداق.. وهدايا لابوها وامها واقاربها.. وياسعد من ناسبنا..  

عائلة دوجة.. عائلة طرابلسية بسيطة فقيرة.. تعيش اليوم بيومه.. مثل اغلب عائلات طرابلس في ذلك الوقت.. مع الرضا والقناعة كنز لا يفنى.. شعار الاغلبية.. ولهذا كانت بيئة مسالمة آمنه.. لا يطمع احد في احد.. ولكن حضر الخير لهذه العائلة بزواج ابنتهم اللا دوجة من الكبران معتوق صاحب الكلمة.. والمركز المرموق.. باش كاتب في البرط.. حتى هي راه حاجة كبيرة.. امالا! مايلعبوش مع معتوق! الحاذق.. الزقطي.. ولد الاصول.. اللي بيناسب.. يناسب الغرف.. المطابخ يشوهوا.. على راي المثل..

وافقت العائلة.. اغراءات لا ترد.. ورزق بعته الله لهم.. ليشكروا نعمة الله التي انعمها عليهم.. ويحمدوه.. على الجاه والنسب والنغنغة.. ولا في الاحلام.. اتفق اولياء الامور عقد القران.. لم يكن معتوق حاضرا ابدا.. ابدا.. ابدا.. معتوق من بعيد.. لبعيد.. يتابع .. يشرف ويرسل الهدايا والعطايا.. ويجهز.. ويدعو ربه ان يتم كل شئ بخير وباسرع وقت.. اهل دوجة لم يرو معتوق ابدا ولم يتشرفوا بمعرفته.. رغم انه سيكون زوج ابنتهم الوحيدة!.. ولكن في ذلك الوقت اتفاق الاهالي.. وليس اصحاب الشأن!.. يعني سعدك بختك.. ربما "قطوس في شكارة" ومين يعرف.. على راي فريد الاطرش..

عرس مطنطن سبعة ايام وسبعة ليالي.. ولا الف ليلة وليلة.. والريم دوجة في ابهى حلتها وجمالها المبهر.. للعيان.. مع رش الملح والبخور.. لضحد العين والحسد.. ورش الزهر والعطر لتعطير الحاضرين وتلطيف الجو.. واحضر يازين وكدس.. على للة البنات الريم دوجة..

احضرت  الريم دوجة في كروسة مع زيانتها وخالتها وبعض الاقارب لبيت العريس.. ومرحبا يالافيه.. ادخلوها الى غرفتها في بيت عريسها معتوق التي لم تراه كما تعلم وتعتقد.. مع زيانتها التي ستقدمها لعريسها ليلة الدخلة حسب عادات وتقاليد اهل طرابلس لتطعمه السكر وبدوره يطعمها السكر حتى تكون حياتهما سكر في سكر.. دخل العريس معتوق غرفة العروس وقابلته الزيانة امام الريم دوجة ورفعت الخمار عن وجه دوجة لتقابل وترى عريسها لاول مرة.. واذا بها تشهق وتصرخ وتصيح.. واااااااك.. واااااه.. واااااك.. وااااه! من شدة وهول مارأت.. واخذت تصرخ.. مسخوط قبو!!! اعور!! عينه طالعة رمادي على خده !!! وااااااك.. تعالولي.. يامي.. يابوي.. واخذت تصك وتربش وتعيط... الى ان اغمى عليها.. فصدم معتوق وخرج.. مسرعا.. هاربا يجري والناس مندهشة عن ما جرى.. بعد ان كان فرحا اصبح هرجا ومرجا.. والناس تضرب كفا بكف.

بعد ماهدءت الامور.. وهداؤا من روع وتشنج دوجة... اناموها في سريرها.. اقفلوا الغرفة عليها وذهبوا للنوم.. فاقت دوجة من دوختها.. غيبوبتها.. فاخذت تجمع كل شئ ثمين في بخشة.. صرة.. وتسللت من البيت والناس نيام.. خرجت تجري.. وتجري وتقول يافكيك! الى بيت اهلها.. تخبط على الباب: افتحوا.. افتحوا.. دوجة.. استغرب اهلها من رجوعها.. فحكيت لهم القصة وان دخل عليها مسخوط قبو اعورعينه رمادية على خده.. شبر ونصف!.. اهلها اخذوا يضربون كف بكف.. ويحوقلون في دهشة واستغراب!.. اليس الصبح بقريب.. هكذا كانوا يرددون.. لنعرف ما حدث..

 في الصباح اكتشف اهل العريس اختفاء العروس.. ولكن اهل العروس اخبروهم بأنها رجعت الى بيتهم.. وانهم سيحضرونها مرة اخرى الى بيت زوجها.. الا انها رفضت الخروج والذهاب بها الى بيت معتوق واخذت تصيح وتصرخ.. في حالة من الهستريا.. فما كان لهم الا انهم احضروا لها شيوخ.. يعزمون عليها يقرأون الرقى والبخور يجعجع.. يرقونها.. بالتمائم والاسحار ويدخلونها في غيبوبة.. وللرضى والقبول بمعتوق.. لتراه في صورة الجميل قمر الزمان.. والشاطر حسن.. لترومه وتقبل به وبقربه.. معتوق كان قبيحا.. اعورا.. طولة ربما لا يزيد عن شبر ونصف  احدبا..ولا احدب نتردام..سئ الطباع..  سليط اللسان تنطبق عليه مقولة.. كل ذي عاهة جبار.. كان فعلا جبارا.. متكبرا متغطرسا.. حاد الطبع.. ليخفي هاششته وضعفه وقلة حيلته.. فيلبس ثوب الشدة والقساوة.. والعنف حتى يفرض نفسه.. كان قاسيا جدا مع الريم دوجة خاصة حين يفك السحر قليلا عنها فتغتر عليه وتتكبر.. وترى نفسها عليه فيسمعها كلاما حادا.. جارحا رغم انه في حقيقة الامر طيب القلب رقيق المشاعر.. ففي احدى المرات اسمعها اقبح الكلام وعايرها وقال لها ليهز من ثقتها بنفسها ويرفع ثقته بنفسه: من خنارك الواضح.. ياصفتك من نعتك!  الخنار يعني الجمال او الزين حسب تعبير الطرابلسية قديما.. فلما سمعت الجارة اللا مريومة وهو يعايرها بهكذا قول ردت عليه : هذه ياسي معتوق ماعندش حق فيها.. للا دوجة ام الحاجب والعين.. مافيش منها اثنين.. رد بالك يامعتوق!.. بدل ساعة بساعة.. حتى انت واعر.. معتوق كان يعشق دوجة.. يغار عليها.. من النسمة.. ولا يريد احدا ان يراها..ابدا.. فهي لا تخرج الا معه في كروسة لزيارة اهلها.. ولا تمشي لوحدها الا وهو امامها ومحاوطها من كل ناحية.. لا تخرج فهي له وحده في البيت.. يقوم بتلبية طلباتها.. وتقديم الهدايا والعطايا.. دائما.. لإرضاءها.. واسعادها.. فانجبت له البنات والبنين.. لتسعد ايام حياته ولتنسيه ما مر به.

اللا دوجة.. بنت اصول.. كانت تقوم بخدمته بكل امانة واخلاص.. وتفاني حسب عاداته وتقاليده التي تربى عليها.. كانت.. مثلا..تحمس له القهوة بنفسها وتطحنها بالدقرمان كل عشية ليرتشف قهوته التي يعشقها مع سجارته بكل استمتاع وتلذذ ويتذكر كيف تعذب.. اهين.. سخر منه.. ومن قدراته.. ومع هذا صبر. على كل ما مر به من محن والم منذ الصغر بسبب اعاقته ومرضه.. وقسوة معاملة الناس له.. بدون ذنب منه.. وانما قدره الذي رضى به وكان من الشاكرين.. فكفاءه الكون.. بضربة من ضرباته المدبرة بكل عناية.. الهية بشدة.. بركة البيت حيل.. بالريم دوجة..        

سكتت ريحانة.. عن ولسوف يعطيك ربك فترضى.. سورة الضحى اية 5

للة فاطمة باقي
طرابلس في 2022-04-01      

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع