مقالات

جمال صالح الهنيد

صورة رائعة من صور التضحية والفداء

أرشيف الكاتب
2022/03/16 على الساعة 22:00

عاش ذَكَرُ بعوضٍ وأنثاهُ في أحد البيوت حياةً هنيةً مطمئنةً لا يكدّر صفاءها حدثٌ ولا يعكّر مزاجها همٌّ... وكان كلما احتاجا غذاءً، طار الذكر إلى الأزهار يجني من رحيقها ما شاء له أن يجني، وطارت أنثاه إلى صاحب البيت أو زوجته، فتنزل بهدوءٍ على جسد أحدهما، تلتمس جزءاً دافئاً منه، وتتحسّس نبض الدم في العرق، فإذا استيقنت من حسن الاختيار، أنزلت من فيها لعاباً مخدِّرًا، فإذا تخدرت تلك البقعة من الجسد وفقدت الإحساس، غرزت البعوضةُ إبرتها الحادة في الجلد، ثم دفعت عبر الإبرة سائلاً مرقق للدم ليمنع تجلطه أثناء امتصاصه، فتمتص ما شاء لها أن تمتص من الدم، ثم تطير مبتعدة في سماء الغرفة وبطنها مملوءٌ منتفخٌ بذاك الدم الدافئ.

بعد ثوانٍ... ينتهي أثر المخدِّر، فيشعر الموخوز بأثر الوخزة، فيضرب بيده مكانها، ولكن هيهات فقد طارت البعوضة، فلا يجد إلاّ أن يحك ويهرش الانتفاخ والاحمرار الذي سببته حساسية الجسد للعاب البعوضة.

وهكذا استمرت حياة البعوضتين في ذاك البيت… حتى جاء ذاك اليوم الموعود، الذي اعتدت فيه البعوضة على طفل صاحبة البيت، وتركت آثارًا عديدة حمراء منتفخة على وجه الطفل الناعم وهو نائم، وما أن رأتأم الطفل أثر وخزات البعوضة وقرصاتها في وجه فلذة كبدها حتى صاحت غاضبة: "إلاّ حبيبي"!!!... وانطلقت مسرعةً إلى المطبخ، وجاءت لغرفة الطفل وفي يدها علبة مبيد الحشرات المضغوط (فليت)... وبدأت تترقّب بعينٍ فاحصةٍ وأذنٍ صاغيةٍ البعوضتين وطنينهما.

انفرجت أسارير الأم حينما رأتهما، فاقتربت منهما بهدوء تمشي على أطراف قدميها، تترصد وتتسلل تسلل لبوةٍ ماهرةٍ نحو فريستها، ولما استيقنت من قرب المسافة، وأن رذاذ المبيد سيصل إلى البعوضتين، اتسعت حدقة عينها، وأخذت نفساً عميقاً، متشفّية مما حدث لطفلها، وضغطت بقوة على زر العلبة، فخرجت كبوةٌ من رذاذ المبيد بصوت نافث تجاه البعوضتين الغافلتين.

لم يكن في حسبان البعوضتين ذاك الهجوم المفاجئ من صاحبة البيت، فما إن التفتا لمصدر الصوت، حتى كانت تلك السحابة السريعة من الرذاذ على وشك الوصول إليهما... وتلقائياً من دون تفكير ولاتدبير... قفزت البعوضة الأنثي أمام ذكرها، وفردت جناحيها، لتحميه من ذاك الرذاذ القاتل، فأصابها الرذاذ السام وغطى جسدها الرهيف، ولم يصب الذكرَ منه شيء.

كان المبيد الحشري من النوع القوي الفعّال الذي يؤثر في الجهاز العصبي والجهاز التنفسي في الحشرات... لم تستطع أجنحة البعوضة الأربعة أن تطير بها ولا أرجلها الستة أن تقوى على حمل جسدها النحيل، فسقطت البعوضة على الأرض وأصبحت تدور حول نفسها، وما هي ثواني، حتى انتشر السم في ذاك الجسد الرقيق الواهن، فبدأ نفَسَها يخبو، وطنينها يذوي، وانتابتها حالات من الصرع ... وزوجها يرى كل هذا وهو مصعوق مدهوش، عاجز لا يعرف ماذا يفعل!.

اقترب الزوج من زوجته وهو في غاية الهلع، فصدرها يعلو ويهبط بضعف بيّن، وكل شهقة هي أضعف من التي قبلها، وكل زفرة هي أقصر من التي سبقتها، فمسك يدها المرتعشة بحنو ورفق، والتقت عيناها لفائضتان بالدمع بعينيها الذابلتين، ورآها تتمتم بكلمات تهمس بها همساً، عاجزة عن رفع صوتها منأثر المبيد فاقترب منها، وأرهف... فسمعها تقول له:

خلاص ...

خلاص... انساني يا ريدي

بخّوني بفليت قوي !!!

...

لم يتمالك البعوض نفسه، عندما سمع كلماتها الخافتة الذاوية، وهي في رمقها الأخير تحتضر، وتسألهأن ينساها، فأجهش في البكاء وانهمرت دموع عينيه من مآقيها حرّى... ثم قال لها وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة:

كيف ننساك؟

كيف ننساك وكيف تهوني؟

يا اللي دوني ...

صبّيتِ للي بخّوني.

 

جمال صالح الهنيد 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع