مقالات

شكري السنكي

المَلِك إدْريْس السّنُوسي في ذكرى ميلاده

أرشيف الكاتب
2022/03/12 على الساعة 16:13

فِي ذكرى مولد باني ليبيا.. المَلِك إدْريْس السّنُوسي في ذكرى ميلاده

يوم «12 مارس» هُو ذكرى ميلاد المَلِك الصَالح الرَّاحل إدْريْس السّنُوسي، المولود فِي الثاني عشر من شهر مارس سنة 1890م، والمتوفي  فِي ديار المهجر فِي 25 مايو 1983م.. إدْريْس السّنُوسي قائد حرب التَّحرير ضدَّ المستعمر الإيطالي والأب المؤسس للدولة الِلّيبيّة، وصاحب لقب «المؤسس الأوَّل وباني دولة ليبَيا الحديثة»، اللقب الّذِي استحقه عَن جدارة ونتاج جهاد طويل وإخلاص منقطع النظير، وتاريخ عريض قلما يُرَى له نظيرٌ، حيث عرفته بلادنا مجاهداً ومناضلاً سياسياً أكثر ممّا عرفته ملكاً، فقد قاد حرب التَّحرير والنَّضال السّياسي مِن أجل استقلال ليبَيا قرابة أربعين عاماً، ولم يحكم البلاد أكثر مِن سبعة عشر عاماً حقق خلالها إنجازات باهرة على كافة الصعد، والّتي جعلت مِن ليبَيا وقتها أنموذجاً فِي الإنجاز والنهضـة والعمران.

لم تُغرِه السّلطة يوماً، ولا استبدَّ برأيهِ قط، وكان شعاره: « مَنْ استبد برأيه هلك»، وقد خاطب الِلّيبيّين منذ السنوات الأولى الّتي تولّى فيها القيادة وتحديداً فِي خطابه المؤرخ بيوم 22 نوفمبر 1922م، قائلاً: «أدعو الله سبحانه تعالى أن يهدينا إِلى كلِّ عمل ثمرته للأمّة، إذ مِن حق كلّ شعب أن يسيطر على شؤونه، والنَّاس منذ نشأوا أحرار. وقد أظهر شعبنا فِي كلِّ أدواره مقدار محبته للحريّة فدفع مهوراً غاليّة، فلا يصح لأحد أن يطمع فِي استعباده والاستبداد بشؤونه».  

لقد كان الإدريسي يخشى الله ويتقيه، ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه، ورحيماً بشعبه عطوفاً عليهم، فلم يفرض رأيه قط، ولا استبد به فِي يومٍ من الأيّام، واحترم رأي مخالفيه، ولم يسجل عليه أن اضطهد خصومه أو نكَّل بمعارضيه. وقد احترم الدستور الّذِي ساد فِي عهده الحُقُوق والحريّات، وحرَّم الاعتداء على الإنْسَان وتعذيبه والتنكيل به – الإنْسَان الّذِي كرمه الله على سائر خلقه، وجعله خليفة له في الأرض. ومنح الدستور الّذِي حكم به والقوانين المُنظمة للأعمال كل مسؤول صلاحياته كاملة دون نقصان، فلم يتدخل الإدريسي طوال سنوات حكمه فِي عمل حكوماته المتعاقبة، ولا انتقص مِن صلاحيّات مسؤول، وقد جعل المسافة بينه وبين السّلطة التنفيذيّة ظاهرة، وحينما تحقق الإنجاز والرخاء فِي سنوات حكمه لم ينسب ذلك لنفسه إنّما نسبه لحكوماته المتعاقبة ومّنْ كانوا فِي مواقع المسؤوليّة ولأبناء أمته الّذِين مَا تخلى يوماً عَن وصفهم بـ«الكرام».   

وقد كان شغله الشاغل وهمّه الأوّل على كلِّ مِا عداه، إعمار الأرض والنهوض بشعب طحنته الحروب، وأنهكته ويلات العوز والفقر ومكائد الأعداء. وقد عرفت ليبَيا خلال عهده الميمون نهضة غير مسبوقة وتحولت مِن قرى متناثرة وأقاليم متباعدة وشعب يعاني الجهل والفقر والمرض إلى دولة ناهضة واعدة فِي زمن قياسي، وكانت ستصل إِلى كلِّ مَا تصبو إليه لولا الانقلاب المشبوه الّذِي وأد مشروع النهضة فِي مهده.   

لم تكن لدى الإدريسي مآرب شخصيّة ولا أطماع فِي الجاه والسلطان، ولم تكن الدنيا أكبر همّـه ولا السّلطة غايته والكرسي عشقه ومبتغاه، ولم يكن لديه هدف سوى أن يرى المواطن الِلّيبيّ يعيش حيَاة حرَّة كريمة ويتبوأ مقامه كسائر الشّعوب الّتي تعيش حيَاة ناهضة مزدهرة، حيث انطلق مِن قناعة تامّة أن الِلّيبيّين دفعوا مهوراً غاليّة وعانوا زمناً طويلاً وأكثر مِن أيِّ شعب غيرهم، وآن لهم أن يستريحوا، وعبر عَن ذلك مبكراً حيث قال فِي خطاب له بمدينة بّنْغازي فِي 30 يوليو 1944م: « ليس ليّ مأرب ولا غاية فِي هذه الحياة الفانيّة إلاّ أن أرى أهل وطني أعزاء متمتعين بحريتهم». 

وعلى امتداد سنوات حكمه الزاهرة – وقبل كارثة استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة فِي الأوَّل مِن سبتمبر 1969م – كانت المملكة الِلّيبيّة مثالاً يحتذى به على كافة الصعد وجميع المستويات، فِي الأمن والأمان وتحقيق الإنجاز تلو الإنجاز فوق الأرض، وفِي علاقاتها مع الأشقاء والأصدقاء، وفِي إدارتها لشأنها الدّاخلي وعلاقاتها الخارِجِيّة مع مختلف الدول، وفِي الوضوح والصراحة وتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة بينها وبين غيرها مِن البلدان، وفِي أسلوب تعاملها القائم على الحوار بغيّة الوصول إِلى اتفاقيات نافعة وتجاوز أيّ خلافات تطرأ بالطرق السلمية وتوظيف العلاقات الخارِجِيّة لخدمة أغراض التنميّة الوطنيّة.  

وبعدما استولى دستة مِن الضبّاط الصغار على الحكم، تعرض شخص المَلِك إدْريْس السّنُوسي لحملة تشويه مغرضة خلال أربعة عقود مِن حكم أولئك الصبية ومَنْ دار فِي فلكهم، حملة أفشلتها بركته وتاريخه ناصع البياض، وكذبتها الوقائع والشواهد ومَا تحقق في عهده مِن إنجازات وأعمال تبقى خير دليل على سمو أخلاقه وحسن فضائله وسيرته العطرة وحبّه الشديد لأبناء أمته وحرصه على وطنه. وقد انتقم الله مِن كل مَنْ تبلى عليه وشن حملات مغرضة ضدَّه، ولن ينجو – وبإذن الله وإرادته - أحد كائناً مَنْ كان، افترى عليه ومازال يحاول أن يشوه سمعته. 

عشت ثلاثة وتسعين عاماً عامرة بالمواقف والتضحيّات والإنجازات، واستجاب المولى عز وجل لدعائك عندما رجوته أن يكون حسن الختام بـ«يثرب» المدينة المنورة إِلى جوار جدك المُصْطفى محَمّد صلى الله عليه وسلم، وقلت فِي قصيدتك المشهورة: ”وحسنُ ختامِ آخرِ العمرِ نعمة… بيثرب حيث النبي المبشرُ“.

كان لك حسن الختام واستجاب الله لدعائك وحقق أمنيتك، وكانت نهاية مَنْ ناصبك العداء وافترى عليك وحاول تزوير تاريخك وتشويه سمعتك، شر نهايّة، وفيها عبرة لكل مَنْ أراد أن يعتبر، وصارت سيرتك الحسنة وأعمالك المباركة على كل لسان، ودُفنت بجوار جدك المصطفى صلى الله عليه وسلم فِي «البقيع» الطاهرة، وإِلى جانب قبر ابن عمّك الإمام المجاهد السّيِّد أحمَد الشّريف طيّب الله ثراه.  

رحمك الله في ذكرى يوم ميلادك.. ولن ننساك أبداً ولن ننسى طيب أثرك ودورك الرَّائد فِي تحرير البلاد واستقلالها.. رحمك الله وتقبلك فِي عليين مع الشهداء والأنبياء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.

شُكْري السنكي 

الثلاثاء 12 مارس 2022م

راجع:

- الملك محمد إدريس السنوسي

- ملك ليبيا الصالح السيد محمد إدريس السنوسى

عبدالكريم أحمد بزامة | 13/03/2022 على الساعة 03:27
الملك الصالح
كلمات أنصاف كتبت بماء الذهب. وتسعد قلب كل محب لوطنه وليس بجاحد او حسود او حقود.. محمد إدريس السنوسي سيرة وتاريخ نظيف لايجادل فيه جاحد حقود. نسأل الله أن يزيل الحسد والحقد من قلب كل ليبي. وإن يزرع الحب والتغيير في النفوس كما شهدناه حقيقية في شهور الإنتفاضة الصادقة في فبراير 2011م. تحياتي وخالص الشكر والتقديرللكاتب
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع