مقالات

ابراهيم اغنيوه

حكاية من حكايات "المقرون"

أرشيف الكاتب
2022/03/08 على الساعة 21:28

مُهداة إلى روح المرحوم "عبدالرازق مفتاح بوقشاطة العريبي"

عندما تقف أمام بيتنا، وتنظر إلى الأمام، تواجهك "شيشمة" الماء الوحيدة التي تعمل في "المقرون"، ينزف الماء منها دائما، ويسيل مكوّنا مجرى مائيا ضيقا يوجه الماء إلى حيث يمر من أمام حوش عيت بوقشاطة، ويتجه إلى مجموعة من البراريك إلى أن ينتهي إلى بركة صغيرة قبالة برّاكة أمّنا مبروكة، التي يقع وراءها حوش عيت الصياح ووراءه على مسافة شيشمة كبيرة بها مراوح لا تعمل ووراء كل ذلك مساحات ترعى بها الأبقار القليلة في القرية.

وراء الشيشمة المواجهة لباب بيتنا طريق يتجه إلى حيث المستوصف، وعلى يمين الشيشمة طريق يصعد إلى حيث قبر سيدي حمد المقرون والجامع المجاور له وحواشين عيت بوهيمة وعيت بورقيعة ومقر الفرع البلدي.

على يمين بيتنا تقع المدرسة الابتدائية الوحيدة وبها أربعة فصول، من يكمل الدراسة بها إما أن يتوقف عن الدراسة أو يذهب للدراسة في احدى المدارس الداخلية في اجدابيا أو سلوق أو الأبيار. بعد المدرسة الابتدائية يقع "العلّي" وهو المبنى المرتفع الوحيد من دورين، وهو بيت المدير، تتجه الطريق على يمينه إلى حيث تتعامد مع الطريق الساحلي.

اذا سرت قليلا أمام بيتنا ستجد مدخل السوق على يسارك. تدخل تجد دكان الصياح على يسارك ودكاننا. يقابل ذلك دكان عبدالهادي الجهمي وعلى يمينه دكان بوعبدالله. بعد السوق تجد على يمينك الفندق وجامع، وعلى اليسار الكوليدجو. بعدها يتجه الطريق الى حيث البحر وكركوره.

كنت وجبريل أحمد بورقيعة وعبدالرازق مفتاح بوقشاطة العريبي وأطفال آخرون نلعب ألعابنا في الزاوية المجاورة لدكان الصياح أمام باب مغلق لدكان قديم. وقد لعبنا كثيرا في يوم من أيام الشتاء الباردة إلى أن حلّ الظلام، وودعنا بعضنا البعض واتجه كل منا إلى بيته.

إتجه جبريل بورقيعة صاعدا الطريق إلى حيث بيتهم، واتجهت أنا يمينا إلى بيتنا، واتجه عبدالرازق بوقشاطه يسارا إلى بيتهم.

كانت ليلة باردة جدا، تصدر بها ريح قوية أصواتا كالنواح، وقد خلت شوارع "المقرون" الصغيرة وأزقته من الناس، وتجمع الآباء والأمهات والجدات والأطفال حول كوانين الفحم يتدفأون ويشربون الشاي. وفي جوف الليل المظلم انطلقت صرخات نسوة وأصوات أطفال اختلطت بصيحات رجال.

خرج الناس من بيوتهم ليعرفون ما يحدث، ورأيت قطعة من نار تتجه من بيت صاحبنا "عبدالرازق" إلى حيث الشيشمة.

لقد كان "عبدالرازق" يلعب حول كانون الفحم الذي تتدفأ به العائلة، فعلقت النار بثوبه. وبدون تفكير اتجه خارجا إلى حيث شيشمة الماء معتقدا أنه سيطفئ النار بماءها، إلا أن الريح القوية أدت إلى احراق جسده الصغير قبل أن يصل إلى الشيشمه.

كلما التقينا نحن الأطفال بعد رحيل عبدالرازق لنلعب في ملعبنا القريب من دكان الصياح أمام باب الدكان القديم المغلق دائما، كنت أنتظر إلى أن يحل الظلام ويغلق التجار أبواب دكاكينهم ويتجه رفاقي إلى بيوتهم، وأتجه بنظري إل حيث باب الدكان المغلق دائما، حيث يفتح الباب ويخرج منه عبدالرازق مفتاح بوقشاطه العريبي، ويحكي لي حكايات عجيبة عن المكان الجميل الذي رحل إليه، حيث الورود والزهور والفاكهة مختلفة الألوان والحلوى مختلفة الأحجام والألعاب الغريبة العجيبة وشيشمات الماء المفتوحة دائما وكوانين الفحم العجيبة التي لا تحرق نارها أجساد الأطفال أبداً.

د. ابراهيم اغنيوه

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع