مقالات

د. محمد بالروين

دوامة الحلقات المفرغة

أرشيف الكاتب
2022/03/07 على الساعة 22:37

المقصود بالدوامة هي احدات سريعة الدوران، وشعارات فضفاضة تقود الي طرد الافكار المناسبة والمشاريع الجيدة من المشهد السياسي. بمعني آخر، هي شعارات جوفاء، وحركات عارمة تجعل النخب السياسية تدور في نفس المكان، وتُكرر نفس الافكار، وتتشبت بنفس الاراء، وتتجه نحو المجهول، مما يقود المجتمع كله الي الفوضي والاضطرابات، والمزيد من الفساد والتخلف والانحطاط.

اما المقصود بالحلقات المفرغة (Vicious Circles)، فهي سلسلة من القضايا المتشابكة التي تعزز نفسها من خلال تغذية بعضها البعض، فما ان تنتهي حلقة حتي تبدأ الاخري لتنتهي من حيث ابتدأت. وخلال هذه الحلقات تسير القضايا في اشكال دائرية يؤدي كل شكل فيها إلى نفس النقطة التي انطلقت منها، وتعتمد كل قضية على القضية السابقة لها، مما يؤدي إلى المزيد من تفاقم الازمات وتعقيدها.

انطلاقا من هذه التعريفات يمكن القول ان النخب الليبية السياسية، التي تتصدر المشهد السياسي هذه الايام، اصبحت تدور في دوامة الحلقات المفرغة، تنقلها من صراع الي صراع، ومن فوضي الي فوضي، ومن فشل الي فشل اكبر وأسوأ منه، مما يؤكد علي ان الافكار التي تملكها هي افكار ضارة، وان المشاريع التي تقدمها هي مشاريع سطحية وانتهازية، وان الادوات التي تستخدمها بدائية وغير صالحة، وان المؤسسات الحالية قد اصبحت جزء من المشكلة واكبر عائق للاصلاح والنهوض بالدولة. والاسوأ من ذلك كله، ان هذه النخب قد عجزت علي تأسيس مؤسسات عسكرية وامنية موحدة وقوية تُمكن الدولة من تحقيق الاستقرار والامن والامان.

الاسباب

قد يتسأل سائل فيقول: ما أسباب هذه الدوائر المفرغة؟ الحقيقة ان هناك اسباب عديدة لعل من اهمها:

1. الحوار السفسطائي: بمعني لقد اصبحت نقاشات وحوارات النخب السياسية مجرد جدل سفسطائي يدور حول التلاعب بالادلة، واستخدام مصطلحات فضفاضة، لإثبات امر ما ونقيضه في نفس الوقت، وطمس الحقائق والتلاعب بها، وإثارة الجدل ومزجه بشيء من التهكم والاستخفاف. واصبح الغرض الاساسي من كل ذلك هو إفحام الخصم وإسكاته حتي ولو كان هذا الخصم علي حق!

2. تجاهل التحديات: بمعني قيام النخب بتجاهل التحديات الحقيقية والخطيرة التي تواجه الوطن والمواطن. وهذا التجاهل جعل هذه النخب رهينة للقضايا القديمة المرتبطة بالزمان الذي عاشت فيه، وبذلك لم تستطع الانتباه والاستعداد لما أستجد من قضايا جديدة ومعقدة، وتحديات مستقبلية خطيرة. وعليه فأن تجاهل التفكير في تحديات المستقبل والتخطيط لها جعل هذه النخب تتصرف بسياسة رد الفعل والعجز عن اخد المبادرات، وبذلك اصبحت أسيرة لما تواجهه، وعاجزة عن التفكير والتجديد والابداع.

3. عدم ترتيب الألويات: والاسوأ من تجاهل التحديات ان هذه النخب قد عجزت علي تحديد اولوياتها وترتيبها الترتيب المتوافق عليه فيما بينها! والحقيقة ان فشل النخب في تحديد وتعريف القضايا التي تواجهها، وعجزها علي ترتيب اولوياتها، جعل من السهل انتشار القضايا الفرعية والأقل أهمية، وبذلك دخلت  الدولة في دوامة الحلقات المفرغة التي لا نهاية لها.

4. غياب التراكمية: التراكمية هنا تعني ببساطة أن يُبنَي العمل اللاحق على الجهود السابقة. والحقيقة، التي لا جدال فيها، ان العملية التراكمية قد تم رفضها من النخب السياسية في المشهد الليبي المعاصر! وبذلك لم تتكامل الخبرات، ولم تبدأ اي مرحلة من حيث انتهت المرحلة التي سبقتها. فعندما جاء القدافي للسلطة، علي سبيل المثال، قام بوضع الخبرات التي انتجها العهد الملكي في السجون، واحال بعضهم علي التقاعد، وبعث من تبقي منهم مستشارين بالسفارات في الخارج! وفي ما عُرف بخطاب زوارة عام 1973، اعلن القدافي "خمس نقاط" للقضاء علي ما تبقي من افكار ومؤسسات ناجحة اسسها العهد الملكي. وعندما جاءت ثورة 17 فبراير في 2011، قامت النخب السياسية، التي تصدرت المشهد السياسي، باتباع نفس النهج، وذلك بإصدار قانون ما عرف بـ "العزل السياسي،" والذي كانت نتيجته إقصاء كل من لديه خبرة (من مدير مدرسة الي اعلي مسئول) في ادارة البلاد خلال حكم القدافي! مما قاد الي خلق فراغ سياسي انتج الفوضي والتسابق علي المناصب تحت شعار الثورة والثوار! كل هذا قاد الي ظهور حالة من الدوران السياسي في نفس المكان، واصرار النخب علي عدم تعلمها من أخطاء الماضي ومحاولة اعادة اختراع العجلة من جديد، وبذلك فشلت كل النخب في أن تبني العمل اللاحق على جهود السابق.

الحلول

السؤال هنا هو: كيف يمكن الخروج من هذه الدوامة؟ والحقيقة ان الحلول كثيرة تختلف من دولة الي اخري، ومن زمن الي آخر، ولعل من أهم الركائز التي يجب ان تتضمنها الحلول هي الاتي:

اولا: المصارحة: بمعني لابد من اقتناع النخب بان المصارحة والاعتذار وجبر الضرر هم الاولويات الضرورية لتحقيق المصالحة الحقيقية، ولابد ان تعي النخب ان المصارحة هي بداية العلاج الاجتماعي والسياسي في اي مجتمع، ولكي تتحقق المصارحة لابد ان تقوم علي اساس إشراك الفرقاء في كل ما يهم الوطن وكيف يمكن انقاده، واحترام كل ما يتفق الفرقاء عليه.

ثانيا: التغييربمعني لابد من قابلية النخب للتغيير والانفتاح علي كل ما هو جديد. وبمعني لابد علي الفرقاء ان يكونوا قادرين علي إحداث اشياء ايجابية لم تكن موجودة من قبل، وان يكونوا مستعدين للانتقال من واقع سيء وغير مرغوب فيه إلى رؤي شعبية منشودة ومستقبل جديد تزيد فيه الانتاجية، ويتعزز فيه الأداء، ويشجع فيه العمل والاجتهاد والإبداع. بمعني اخر، لابد من الايمان بان التابت الوحيد في حركة التاريخ هو التغيير، وما عذا ذلك فهو متغيير.

ثالثا: النقد: بمعني لابد ان يكون اساس المصارحة "التفكير النقدي البناء"، أي الفحص والتحليل العقلاني والموضوعيّ للحقائق والادلة للوصول لنتائج واضحة وعملية ومحددة. بمعني هو التفكير العلمي والتأملي لإتخاذ قرارات حول ما يجب القيام به، ومساعدة المواطن علي استخدام مهاراته المعرفية والعملية وتشجيعه علي تطبيق طرق البحث والاستدلال التي تعينه علي الوصول للاهداف المنشودة. وبمعني آخر، يجب الابتعاد عن الفكر والحوار السفسطائي، ورفض كل أدعياء هذا النوع من النقاش والحوار، والذين يتكلمون كثيرا ولا يقولون شئياً مفيد!

رابعا: القواسم: بمعني من الضرورة البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع الفرقاء مع بعضهم البعض، وان يتم الانطلاق منها نحو اعادة بناء الدولة، وفي نفس الوقت من الضروري الابتعاد عن كل الشخوص الجدليين والقضايا الخلافية التي تفرق ابناء الشعب الواحد.

خامسا: التراكمية: بمعني علي الفرقاء ان يؤمنوا بان عملية التغيير ليست مجرد معادلة صفرية، وانما هي عملية للانتقال نحو الاحسن والافضل، باساليب عملية وتدريجية، وهي محاولة للعمل علي الزيادة واﻹضافة الايجابية للقيم التي تملكها الشعوب في لحظة ما. ولكي يتحقق ذلك، لابد ان تكون  حركة الفرقاء نحو المستقبل منطلقة من مبادي لعل من اهمها الجود بالموجود، وأخد احسن ما عند الغير علي الا نترك احسن ما عندنا.

الخلاصة

مما ذكرته اعلاه، يمكن القول ان الفرقاء والنخب الليبية تعيش هذه الايام دومة الحلقات المفرغة، ونتج عن ذلك المزيد من الفساد والفوضي والتشردم والانحلال. وفي اعتقادي المتواضع، لكي يتم الخروج من هذه الدوامة بنجاح: (1) لابد من رفع شعار "المصارحة أولا" لكي تتحقق المصالحة الحقيقية، ويقود ذلك للاعتراف والاعتذار وجبر الضرر. (2) لابد ان تقوم المصارحة علي ممارسة التفكير النقدي البناء، اي التحليل العقلاني والموضوعيّ للحقائق والادلة من اجل الوصول للنتائج المنشودة والمرغوبة. (3) لابد من محاولة التوافق علي قواسم مشتركة تجمع الفرقاء للانطلاق منها نحو اعادة بناء الدولة. (4) لابد من الالتزام بالعملية التراكمية والايمان بان عملية الانتقال نحو الاحسن والافضل هي عملية تدريجية. و(5) لابد من الايمان بمبدا القابلية للتغيير، اي الايمان بانه لا يمكن التخلص من هذه الدوامة بدون قابلية كل الفرقاء للتغيير والانفتاح علي كل ما هو جديد، والتخلص من كل المعرقلين للعملية السياسية، وانهاء الحوار السفسطائي واستبداله بأرقى أشكال التواصل التي تُجسد أفضل السلوكيات واحترام الآخر والقبول به.

وعليه انا علي يقين بانه اذا لم يقم الفرقاء الخيرون والنخب السياسية في هذا الوطن الجريح بممارسة الركائز الخمس التي ذكرتها اعلاه وهي: المصارحة، والتفكير النقدي، والقواسم المشتركة، والعملية التراكمية، والقابلية للتغيير، فلن يصل الليبيون للمصالحة الحقيقية بينهم مهما شكلوا من برلمانات وحكومات ولجان ومجالس للحكماء والاعيان! ولن يستطيعوا بناء الدولة المدنية الديمقراطية والمتقدمة التي يحلمون بها.

فهل ادرك الفرقاء والنخب الوطنية هذا الدرس، وهل هم علي استعداد لإعادة الانطلاق من جديد لإنجاح المرحلة القادمة؟ ادعو الله ان يتحقق ذلك.

أخيرا يا احباب، لا تنسوا ان هذا مجرد راي، من أتي براي أحسن منه قبلناه، ومن أتي براي يختلف عنه احترمناه. والله المسـتعـان.

د. محمـد بالروين

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع